هندسة الأغلبية الحكومية وهندسة الحقائب الوزارية: أي نموذج للمغرب؟ في التفاصيل، تفرض مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية نقاشا يتجاوز سؤال: من سيشارك في الأغلبية؟ إلى سؤال أكثر عمقا: من سيشكل الحكومة التي يحتاجها المغرب، وما الوظائف التي ينبغي أن تتجمع أو تنفصل داخل هندستها؟ فبناء أغلبية عددية داخل البرلمان شيء، وبناء جهاز تنفيذي منسجم وقادر على تحويل الاختيارات الكبرى إلى نتائج قابلة للقياس شيء آخر.
دستوريا، يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. كما يتحدث الدستور عن رئيس الحكومة والوزراء، مع إمكانية وجود كتاب للدولة، من دون أن يقرر تصنيفا دستوريا خاصا تحت مسمى «وزارات السيادة». لذلك، فإن وصف قطاع ما بأنه «سيادي» يظل في جوهره توصيفا سياسيا واستراتيجيا أكثر منه مركزا دستورياً مستقلا.
والتجارب الدولية تقدم هنا درسا مهما: الحكومة الرشيقة ليست بالضرورة الحكومة الأقل عددا، وإنما الحكومة التي تقل فيها مناطق التداخل ويكون فيها المسؤول عن كل سياسة عمومية معروفا بوضوح.
في سنغافورة، يقوم الجهاز الحكومي على عدد محدود نسبيا من الوزارات؛ وتضم البنية الحالية وزارات مستقلة للتعليم، والصحة، والمالية، والتنمية الوطنية، والتنمية الاجتماعية والأسرة، إلى جانب وزير منسق للسياسات الاجتماعية. النموذج السنغافوري لا يقوم فقط على تقليص الحقائب، بل على وجود تنسيق مركزي قوي بين القطاعات.
وفي بريطانيا توجد حاليا 23 دائرة وزارية، أي إن التجربة البريطانية ليست نموذجا للحكومة الصغيرة عدديا بالضرورة، لكنها تعتمد بصورة واضحة على مكتب مجلس الوزراء واللجان الوزارية المتخصصة؛ ومن بينها مجلس اقتصادي وطني ومجلس للأمن القومي، بما يسمح بمعالجة الملفات التي تتجاوز حدود وزارة واحدة.
أما إسبانيا فتسير في اتجاه آخر، إذ تعتمد عددا أكبر من الوزارات المتخصصة، وتشمل بنيتها وزارات مستقلة أو شبه مستقلة للتعليم والتكوين المهني، والصحة، والحقوق الاجتماعية، والإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة، والتحول الرقمي، والشباب والطفولة. أي أن مدريد اختارت أحيانا التخصص بدل الدمج عندما رأت أن حجم الملف العمومي يبرر وجود مركز قرار مستقل له.
والخلاصة المقارنة هنا مهمة للمغرب: لا توجد وصفة دولية واحدة تقول إن العدد الأقل من الوزراء يعني تلقائيا حكومة أفضل. منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تركز، في دراساتها حول مراكز الحكومة، على التنسيق بين الوزارات وتماسك السياسات وحل التعارضات بينها بوصفها عناصر مركزية في جودة الأداء الحكومي.
في الحالة المغربية، تكشف تركيبة الحكومة المنتهية ولايتها عن توزيع عدد من الملفات الكبرى بين وزارات ووزراء منتدبين وكتاب دولة؛ فهناك على سبيل المثال التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، والصحة والحماية الاجتماعية، والتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، والإدماج الاقتصادي والتشغيل والكفاءات، إلى جانب قطاعات أخرى متقاطعة في بعض السياسات. وهنا يطرح السؤال الحقيقي: هل تعكس هذه الحدود الوزارية دورة حياة السياسة العمومية، أم أنها تجعل المواطن والمستثمر والجماعة الترابية أمام أكثر من مركز قرار في الملف الواحد؟
أما التعليم، فإن اعتباره قطاعا استراتيجيا من الدرجة الأولى يجد منطقه في كونه يتقاطع مباشرة مع التنمية البشرية، وسوق الشغل، والبحث العلمي، والتنافسية الاقتصادية، والأمن المجتمعي على المدى الطويل. لكن تحويل فكرة «وزارة سيادية للتعليم» إلى هندسة عملية يقتضي تحديد المقصود بدقة: هل المطلوب فقط منحها ثقلا سياسيا أكبر، أم ضمان استقرار سياساتها لعقود، أم إعادة جمع التربية والتكوين والتعليم العالي والبحث العلمي داخل رؤية وطنية واحدة؟ فالتجارب الدولية نفسها مختلفة: سنغافورة تعتمد وزارة للتعليم، بينما تفصل إسبانيا بين التعليم والتكوين من جهة والعلوم والجامعات من جهة أخرى.
والأمر نفسه بالنسبة إلى فكرة إحداث وزارة للشؤون الاجتماعية كنت قد طالبت بها سابقا . فالمغرب لا يبدأ من فراغ؛ إذ توجد حاليا وزارة للتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، بينما توجد الحماية الاجتماعية ضمن وزارة الصحة، وتوجد ملفات التشغيل والإدماج الاقتصادي في قطاع آخر. ولذلك فإن النقاش الأكثر دقة ليس بالضرورة «إنشاء وزارة جديدة»، بل دراسة ما إذا كان تجميع أجزاء من السياسة الاجتماعية تحت قيادة واحدة سيحقق وضوحاً أكبر في المسؤولية، أو أن اتساع المجال الاجتماعي سيجعل الوزارة الجديدة ثقيلة ومتشعبة أكثر من اللازم.
وهنا يمكن أن تقوم هندسة الحكومة المقبلة على منطق مختلف عن مجرد توزيع الحقائب بين مكونات الأغلبية: تحديد الوظائف الكبرى للدولة أولاً، ثم بناء الوزارات حولها، وبعد ذلك إسناد المسؤوليات السياسية. بهذا المعنى، تصبح الحكومة تعبيرا عن خريطة الأولويات الوطنية لا مجرد خريطة للتوازنات داخل التحالف الحكومي.ويمكن تصور النقاش حول الهندسة التنفيذية في أقطاب كبرى: كملفات السيادة واقصد إدارة الدفاع الوطني والداخلية والعلاقات الخارجية؛ الاقتصاد والمالية والاستثمار؛ التعليم والبحث وتنمية الرأسمال البشري؛ الصحة والسياسات الاجتماعية؛ البنيات التحتية والماء والطاقة والنقل؛ الاقتصاد المنتج والصناعة والفلاحة والسياحة؛ ثم الإدارة الرقمية والحكامة والتقييم. ولا يعني ذلك بالضرورة دمج كل هذه القطاعات في وزارات عملاقة، بل تحديد من يقود كل سياسة ومن يحاسب على نتائجها.
كما أن تقليص عدد الحقائب لا تكون له قيمة مؤسساتية إذا ظلت المديريات والمؤسسات العمومية والوكالات واللجان تعمل بمنطق التجزؤ نفسه. فقد سبق للخطاب الحكومي المغربي نفسه أن أكد أهمية التقائية السياسات العمومية والتنسيق بين القطاعات، وهي مشكلة تتكرر خصوصاً في الملفات الاجتماعية والترابية والاستثمارية.
لذلك، فإن السؤال الذي يمكن أن يرافق تشكيل أي أغلبية جديدة ليس فقط: كم حزبا سيشارك؟ ومن سيحصل على أي حقيبة؟ بل أيضا: ما عدد مراكز القرار التي يحتاجها المغرب سيما مع رؤية 2030 ؟ ما القطاعات التي يجب أن تندمج؟ وما القطاعات التي تحتاج استقلالا وظيفياً؟ وأين ينبغي وضع آليات التنسيق والتقييم والمساءلة؟فإذا كانت هندسة الأغلبية تحدد التوازن السياسي للحكومة، فإن هندسة الحقائب هي التي تحدد قدرتها الفعلية على الحكم. وبين الاثنين توجد مسافة كبيرة ينبغي أن تملأها الكفاءة، ووضوح الاختصاص، والتقائية السياسات، وربط المسؤولية بالنتائج.
هندسة الأغلبية الحكومية وهندسة الحقائب الوزارية: أي نموذج للمغرب؟ أنا الخبر - Analkhabar.
مشاهدة هندسة الأغلبية الحكومية وهندسة الحقائب الوزارية أي نموذج للمغرب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هندسة الأغلبية الحكومية وهندسة الحقائب الوزارية أي نموذج للمغرب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنا الخبر ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هندسة الأغلبية الحكومية وهندسة الحقائب الوزارية: أي نموذج للمغرب؟.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة جنوب إفريقيا وغينيا في تصفيات كأس الأمم الإفريقية 2027
- مصر تحول القنابل التقليدية إلى أسلحة ذكية.. كل ما تريد معرفته عن منظومة GK-1000 الجديدة
- عاجل: رئيس مجلس علماء الرباط المحمدي: منع الطائرات الإيرانية قرار خاطئ تاريخياً يمس هوية العراق الدينية