بقلم : د.رضا خلاف (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة وعلم الجمال ـ رئيس قسم الفلسفة ـ كلية الآداب- جامعة المنوفية)
على قدر المشقة تكون مغانم الرحلة، وعلى قدر سهولة الاقتناص الخاطف تكون تفاهة الحصاد.
لم يكن محمد عفيفي مطر شاعرًا يعبر الحياة من خارجها، بل كان يمشي في دروبها حافيَ الروح، يحمل جوع الإنسان، وذاكرة القرية، وقلق الفيلسوف، وحكمة الأرض. ومن هنا لم يكن شعره مجرد صناعة لغوية أو زخرفًا بلاغيًا، وإنما كان تجربةً وجوديةً عميقة، كتب قصائده من طين الأرض وعرق الإنسان ووجع الروح.
يُعد محمد عفيفي مطر واحدًا من أبرز شعراء جيل الستينيات في مصر، وقد امتدت تجربته الإبداعية بين الشعر والمقالة النقدية وقصص الأطفال، لكنه ظل في جوهر تجربته شاعرًا مشغولًا بالإنسان، وبذلك السؤال القديم المتجدد: كيف يستطيع الإنسان أن يحفظ إنسانيته في عالم يثقله الألم والاغتراب والزمن؟
لقد استحق مطر عن جدارة مغانم الرحلة؛ لأنه لم يأخذ الشعر طريقًا سهلًا إلى المجد، وإنما جعل من المعاناة مادةً للمعرفة، ومن الألم نافذةً يرى منها العالم بعيون أكثر عمقًا واتساعًا.
وقد وصفه الشاعر الفلسطيني المتوكل طه بأنه استطاع أن يقدم صورة مبدعة لعلاقة الشاعر المثقف بالسلطة وإفرازاتها، وما تصنعه حولها من نخب تردد أطروحاتها، بما يخلق ظلامًا يحجب الرؤية ويغتال البصيرة والحياة.
ولهذا جاءت قصائد مطر مشبعة بملامح الفزع والخوف، والرؤى المجهضة، والأماني المغدورة، لكنها في الوقت نفسه لم تفقد قدرتها على استعادة الجمال: وجوه الأحبة، والعصافير المسكونة بالشجر، والقلب المسكون بالقرية، والأرض التي تختزن ذاكرة الإنسان.
وتكفي عناوين دواوينه لتكشف عن هذه الرحلة الداخلية: «رباعية الفرح»، «أوائل زيارات الدهشة»، «هوامش التكوين»، «الجوع والقمر»، «يتحدث الطمي»، «النهر يلبس الأقنعة»، «شهادة البكاء في زمن الضحك»، «كتاب الأرض والدم»؛ وهي عناوين تبدو كأنها مفاتيح لعالم شعري تتجاور فيه الأرض والسماء، الجوع والقمر، الدم والطمي، البكاء والضحك، الموت والخلق.
ابن القرية… وابن الفلسفة
ومن علامات التكوين الأساسية في شخصية محمد عفيفي مطر أنه ابن القرية المصرية الأصيلة؛ فقد وُلد في رملة الأنجب بمحافظة المنوفية، فكانت القرية حاضرة في وجدانه لا بوصفها مكانًا جغرافيًا فحسب، وإنما بوصفها ذاكرةً ووجودًا وهوية.
ثم جاءت دراسة الفلسفة لتمنح هذه الذاكرة الريفية أفقًا كونيًا؛ فامتزجت الأرض بالفكرة، والطين بالسؤال، والنهر بالوجود، والقمر بالدهشة.
ولهذا لم تجلس الفلسفة في شعر محمد عفيفي مطر في هيئة أفكار مجردة، وإنما جاءت متخفيةً في الرمز والتجربة والصورة والأسطورة. فالإنسان في شعره يبحث عن معنى وجوده وسط الموت والزمن والألم، ولهذا تتكرر مفردات القبر والموت والليل، لا باعتبارها مفردات للمأساة فقط، بل باعتبارها أسئلةً عن المصير والمعنى.
وكان الاغتراب حاضرًا بقوة في تجربته؛ فالإنسان عنده يقف في مواجهة عالم فقد انسجامه، ويسأل: أين يجد الإنسان ذاته حين يصبح العالم غريبًا عنه؟
حتى الزمن عند مطر ليس مجرد مرور للأحداث، بل قوة فلسفية تلتهم الأشياء، وتعيد تشكيل وعي الإنسان، وتترك آثارها على الذاكرة والروح.
أما الطبيعة، فلا تظهر في شعره منظرًا خارجيًا محايدًا، وإنما تتحول إلى لغة أخرى للوجود؛ فـالقمر والنهر والأرض والطمي ليست مجرد عناصر طبيعية، بل رموز تتكلم عن الإنسان والخلق والزمن والمصير.
حين تتحول الحكمة إلى شعر
لقد منحته الفلسفة تلك القدرة على النظر إلى الأشياء في كليتها، وعلى الانتقال من الجزئي إلى الكوني، ومن التجربة الفردية إلى التجربة الإنسانية.
ومن هنا يمكن أن نفهم حضور الآخرين في شعره؛ فلم يكن مطر غارقًا في ذاته، منعزلًا عن آلام الجماعة، بل كان يحمل هموم الناس في قلبه، ويحوّل صرخاتهم إلى أسئلة شعرية.
وهنا يقترب مطر، من زاوية مختلفة، من الفكرة الأفلاطونية حول قوة الكلمة وأثرها في النفس؛ فالشعر ليس ترفًا لغويًا، وإنما قدرة على إيقاظ الإحساس الإنساني، وجعلنا أكثر قدرة على رؤية ألم الآخر.
وقد عبّر مطر عن هذا المعنى في حديثه عن صورة فتاة صغيرة مهلهلة الثياب تبكي تحت نعش يحمله أربعة رجال، وكيف شق صراخها قلبه وامتلأت عيناه بالدموع، ثم قال:
> «ومن ذلك الزمن البعيد وأنا ألمّ الدموع من الكتب، ويتشقق صدري لصرخات الموتى والأحياء.»
هنا تتحول القراءة إلى حياة، والكلمة إلى جرح، والشعر إلى ذاكرة إنسانية لا تستطيع أن تمر على الألم مرور العابرين.
الجوع والقمر… جدلية الأرض والسماء
ولعل عنوان «الجوع والقمر» من أكثر العناوين قدرةً على اختزال عالم مطر الشعري.
فالجوع هو الأرض، والاحتياج، والكدح، وعرق الفلاح، ووجع الإنسان البسيط؛ أما القمر فهو الحلم، والدهشة، والجمال، والبحث عن معنى يتجاوز قسوة الواقع.
وبين الجوع والقمر يقف الإنسان.
إنه يريد الخبز، لكنه يريد أيضًا المعنى؛ يريد أن يعيش، لكنه يريد أن يعرف لماذا يعيش.
ولهذا تبدو تجربة مطر وكأنها محاولة دائمة للمصالحة بين الطين والروح، وبين الواقع والحلم، وبين الجسد والمعنى.
وفي إحدى صوره الشعرية يقول:
> «هذا رغيف الشعير تبلغ به القمة
> كي تذوق الدماء التي شربتها السنابل،
> تذوق به طعم لحمي…»
إن الرغيف هنا ليس طعامًا فحسب؛ إنه اختزال لتاريخ طويل من الكدح الإنساني، وكأن الشاعر يعيد الإنسان إلى أصل الخبز: الأرض، والعرق، والدم.
الطمي… أسطورة الخلق
وفي عالم محمد عفيفي مطر يصبح الطمي أكثر من مادة من مواد الأرض؛ إنه ذاكرة الخلق.
فالطمي هو الواقعة الأولى، والمادة التي يبدأ منها الإنسان حكايته، وهو الحقل والنيل والجسد والحوار، وهو تلك المنطقة التي يتجاور فيها المقدس واليومي، الأرضي والكوني.
ولهذا يبدو مطر وكأنه يعيد كتابة أسطورة الإنسان من قلب الريف المصري؛ فالإنسان عنده ليس منفصلًا عن الأرض، وإنما هو امتداد لها، يحمل طينها في جسده، وذاكرتها في روحه.
من نيتشه إلى مطر… الشعر يضيء العتمة
يقول نيتشه إن الشعراء حين يريدون أن يخففوا عن الناس وطأة الحياة، فإنهم إما أن يصرفوا أنظارهم عن الحاضر المعذب، وإما أن يضيفوا إلى هذا الحاضر ألوانًا جديدة تشع ضوءًا.
ولعل محمد عفيفي مطر اختار الطريق الثاني؛ لم يهرب من الألم، ولم يجمّل القسوة زيفًا، لكنه حاول أن يفتح في جدارها نافذةً للضوء.
يقول:
> «الله يمنحنا ولو طفلًا
> يعلمنا الضحك…»
ثم يذهب إلى صورة الطفل بوصفه إمكانيةً لاستعادة البراءة والدهشة، وكأن ابتسامة الصغير قادرة على غسل العالم من بعض أوجاعه.
هنا يصبح الشعر فعل مقاومة للظلام، لا بالصراخ وحده، وإنما بإعادة اكتشاف المعنى.
هل كان مطر غامضًا؟
ظن بعض النقاد أن شعر محمد عفيفي مطر غارق في الغموض، لكن هذا الحكم لا يكفي وحده لفهم تجربته.
فالغموض عنده ليس إغلاقًا للمعنى بقدر ما هو اتساع له؛ قصيدته لا تقدم معناها في صورة واحدة جاهزة، وإنما تدعو القارئ إلى الدخول في طبقاتها: التراث المصري، والثقافة اليونانية، والتراث العربي، والتصوف الإسلامي، والتراث الشعبي، ومدارس الجدل الفلسفي.
وقد عبّر مطر عن هذا الامتداد الثقافي بقوله إنه يشعر بالانتماء إلى «عائلة الكلام الجميل»، التي تتلاقى فيها روافد التراث المصري، والثقافة الإغريقية، والتراث العربي، والتصوف، والتراث الشعبي.
ومن هنا يصبح شعره أشبه بكنز لا يُعثر عليه من القراءة الأولى؛ بل يحتاج إلى قارئ يمشي معه في الطريق، ويشارك الشاعر رحلة البحث عن المعنى.
«أنا الخطى… وفي دمي الطريق»
يقول محمد عفيفي مطر:
أنا الخطى وفي دمي الطريق
أنا الذي تزرعه الكتابة
وكأن الشاعر هنا يلخص فلسفة حياته كلها: الإنسان ليس نهاية الطريق، وإنما هو الطريق نفسه.
ويقول أيضًا:
لقد ولدت ميتًا
ونفخت في صورتي الفصول
وغسلت ملامحي بالجوع والحقول
فجئتكم كي أقول…»
إنها ولادة أخرى للشاعر؛ ولادة لا تتم في لحظة الميلاد البيولوجي، وإنما عبر الألم، والفصول، والجوع، والحقول، والكتابة.
وهكذا تصبح المعاناة ليست نقيضًا للإبداع، وإنما إحدى مواده الأولى.
رحلة الحكمة والألم
ولعل أجمل ما يلخص سيرة محمد عفيفي مطر قوله:
حياتي مغسولة بعرقي،
ولُقْمتي من عصارة كدحي،
ولم آخذ شيئًا من يد أحد،
ولم أكن عونًا على كذب أو ظلم أو فساد،
اللهم فاشهد.»
هنا يعود الشاعر إلى البداية: العرق، والكدح، والأرض، والصدق.
فمحمد عفيفي مطر لم يكتب الجوع لأنه قرأ عنه، وإنما لأنه عرف معناه؛ ولم يكتب الأرض لأنها صورة شعرية جميلة، وإنما لأنها كانت جزءًا من تكوينه؛ ولم يكتب الموت بوصفه فكرة فلسفية مجردة، وإنما بوصفه سؤالًا إنسانيًا يجاور الحياة في كل لحظة.
ولهذا فإن رحلته الشعرية ليست رحلة شاعر يبحث عن قصيدة، بل رحلة إنسان يبحث عن معنى.
رحل الجسد، وبقيت الحكمة.
وغاب الشاعر، وبقي صوته في الطمي والنهر والسنابل.
وبقي القمر معلقًا فوق جوع الإنسان، شاهدًا على أن الروح، مهما أثقلها الطريق، تستطيع أن تصنع من الألم قصيدة، ومن الجوع حكمة، ومن التراب ذاكرة.
ذلك هو محمد عفيفي مطر؛ شاعر الجوع والقمر، ابن الطمي والقرية، الذي جعل من الفلسفة روحًا للشعر، ومن الشعر طريقةً أخرى لفهم الإنسان.
ظهرت المقالة “محمد عفيفي مطر”.. شاعر الجوع والقمر ..حين تتحول الفلسفة إلى شعر أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة ldquo محمد عفيفي مطر rdquo شاعر الجوع والقمر حين تتحول الفلسفة إلى شعر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محمد عفيفي مطر شاعر الجوع والقمر حين تتحول الفلسفة إلى شعر قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “محمد عفيفي مطر”.. شاعر الجوع والقمر ..حين تتحول الفلسفة إلى شعر.
في الموقع ايضا :
- عاجل: قائد الثورة: النظام الإسلامي نهض من تلك الحرب أكثر قوة وأصبحت هذه سمة له في الأحداث اللاحقة التي صنعها الأعداء
- عاجل: الشيخ الأسدي للميادين+: على صاحب القرار العراقي إعادة النظر في قرار الطيران الإيراني وإلا تحركات جماهيرية ضاغطة للتغيير
- عقب إعلان القوات المسلحة مقتل 4 من خبرائها في تعز .. إيران تدين اغتيالهم علنا!!