تابع المغاربة “مشهدا سياسيا” بدل أن ينتج الاهتمام والتحفيز والرغبة في المشاركة، نجمت عنه مشاعر أقرب إلى الحزن والأسى. وقدم الممثلون على خشبات أصبح يُحَضَّر لها بتقنيات تواصلية جديدة، كلاما وصورًا وشخوصًا يميزها الافتعال والتكلُّف، بله تبعث عن السخرية أكثر مما كانت تستجيب لأي شكل من أشكال الخطاب السياسي الذي يتوقع منه أن يتضمن وضوحا، ومراجعات، ومحاسبات، وأحرى أن يحمل بَشائر لإقناع الناس بالعملية الانتخابية ذاتها.
جرت أمامنا، على العكس من ذلك، فرجة فضحت فصولها، وبشكل مكشوف، حجم التنازع على المواقع، والتستر عن تضارب المصالح أو التظاهر بكشفها، والتسابق على المزايدة اللفظية الجوفاء، والشعارات المُصاغة بافتعال ظاهر. فمن وجد نفسه مجرورا لأخذ الكلمة لتوجيه رسالة أو الإيعاز بالرد على “خصوم” وهْميين من الزعامات الهُلامية التي احتلت المشهد طيلة العشر السنوات الماضية، ساهم في لعب أدوار في مسرحية “تراجي -كوميدية” تذكر بشخصية “تارتوف” لموليير، التي كثيرا ما تتقدم بوصفها تختار “مظاهر” خادعة، إما لمغالطة الناس أو لإغرائهم، مرحليا، من أجل هدف غير معلن يتمثل في تضليلهم، أو استبعادهم وإذلالهم.
والحال أن مكونات التحالف الحكومي خرجت إلى التدافع الانتخابي وكأن أعضاءها لم يكونوا مسؤولين عن سياسات وضعوها هم أنفسهم وترافعوا عنها وفرضوها، بشراسة، على المجتمع طيلة سنوات خمس لم تعمل سوى على إضعاف قدرات الناس والتضييق على معيشهم.
تقمص هؤلاء “وجوها” واستنجدوا بكلام لا يُعبر عن “حقيقتهم” الفعلية؛ ومعلوم أن أهم خصائص السلوكات “التارتوفية” تتمثل في قدرة أصحابها على “التكيُّف” مع متطلبات السياق الذي يوجدون فيه، وفي طرق تحريك ما يملكون من وسائل “خداع” داخل النسيج الاجتماعي، والتدافع السياسي مدّعين الدفاع عن “المنجزات”، وقيم الالتزام والمسؤولية، مقدّمين أنفسهم بأنهم الأصلح، وبأنهم “ضحية” خصوم أو أعداء، ظاهرين أو مُتسترين.
والحقيقة أن البيئة السياسية المغربية أنتجت، في العقدين الأخيرين، نماذج متفاوتة من هذه الشخوص “التارتوفية”، توفرت لها شروطا لا بأس بأهميتها من الوسائل والشعارات والمبررات التي دخلت بها إلى الحقل السياسي، ووجدت ما يسندها سياسيا واجتماعيا “وثقافيا”، حيث رهنت الممارسة السياسية والمدنية لتقاليد مُستبطنة من التبعية، والإملاءات، والوصاية، والتنافس على المزايدات.
ولكيلا نسقط في تعميم مُتعسف، ثمة أفراد دخلوا اللعبة السياسية من منطلق “نوايا حسنة”، أو أنهم انخرطوا فيها لكي يستفيدوا منها وأن يفيدوا في الآن نفسه؛ وأن “أصواتا” قليلة وفردية صدحت من قلب المغرب العميق لإثارة الانتباه لما تعيشه مناطقهم من إهمال؛ وأن هناك هيئات سياسية دافعت، في برامجها وتجمعاتها، على الالتزام بخدمة المصلحة العامة، والديمقراطية، والتوزيع المنصف لخيرات البلاد، وعن الفئات المستضعفة.
غير أن نمط التخاطب والقاموس الذي اختار السياسيون الذي تحمّلوا مسؤوليات التدبير الحكومي استعماله لترتيب الاتفاقات كما الاختلافات، وتنظيم الاستحقاق الانتخابي، بيَّن هذا النمط من التخاطب إلى أي حد بالغوا في تدبيج الهجومات والردود، وفي صياغة “بلاغات” سجالية جافة ومُفتعلة كشفت عن خواء الخطاب السياسي وهزالة آليات تبرير المواقف وردود الأفعال.
وأكد المشهد الانتخابي أن الزعماء القدماء منهم والجدد لم تعد تهمّهم “اللعبة الديمقراطية” ولا قيمها، ولا مراعاة الاعتبارات التربوية والتثقيفية للمناقشة الديمقراطية. فهذا الأمر لم يبق رهانا في السياسة ولا مطلبا اجتماعيا، ولا حاجة له قياسا إلى ما تستلزمه مقتضيات “العمل السياسي الجديد” من مفاوضات وترتيبات وتواطئات وتوازنات لتوفير شروط تأمين المصالح الفردية، والعائلية، والجهوية. لقد اختاروا توجيه الخطاب والرسائل إلى أنفسهم، مدركين أن “اللعبة الانتخابية” طوقت “الاختيار الديمقراطي” في الدستور بكل الشخوص والخطابات والسياسات التي هددت أهم مقوماته ومنها: الثقة، والمصداقية، والمشاركة، والتمثيلية، والمحاسبة.
فنسبة التأطير التنظيمي الحزبي في المغرب، في أفضل الأحوال، لا يتجاوز 1 بالمئة، وحجم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية ضئيل جدا، ونظام الاقتراع هو ما هو عليه، وعدد الأصوات المحصل عليها من طرف الأحزاب الأولى، وغيرها، ضعيف قياسا إلى عدد من تسجل في اللوائح، أو إلى عدد سكان المغرب. تطرح هذه الاعتبارات كافة سؤال التمثيلية على كل المشاركين في المعمعة السياسية أو المهتمين بشؤونها الحزبيين وغيرهم، وتستوجب إدخال ما يلزم من النسبية على مفهوم “المشروعية” الانتخابية، والتخفيف من حجم الانتظارات السياسية.
ولذلك، فالحديث عن احترام “الاختيار الديمقراطي”، وإقرار مبادئ حقوق الإنسان، التي لم يعد يدافع عنها سوى من ما يزال له حنين إلى ماضي قريب، لا يتساوق مع الحرص على وضع أطر مناسبة لتدبير النقاش السياسي والثقافي حول قواعد العيش المشترك، يساهم فيه الفاعلون السياسيون والاجتماعيون والثقافيون – باختلاف انتماءاتهم السياسية والإيديولوجية – لإعادة بناء مجال سياسي قادر على إنتاج التوافق الضروري لتوطيد هذا الاختيار الديمقراطي، واسترجاع الثقة في السياسة، وخدمة المواطنين والمصلحة العامة.
بل على العكس من ذلك، إن من يتصدر المشهد “التارتوفي” المغربي العجيب لا يخجل من تبرير سياسات خلقت ضررا غير مسبوق على الصعد كافة في حياة المغاربة، وفي طليعتها هدر منسوب الثقة، وغلاء المعيشة، وفرض تشريعات تحمي مصادر الفساد، وتزيد من شروط التضييق على المبادرة، والقول، والعمل المدني. وهي قرارات زادت في إغلاق ممكنات التشبث ببعض الطموح لدى الشباب في إثبات الذات، وفي فرص إدماجهم في الحياة والمجتمع؛ بل وعقَّدت شروط تغيير اختيارات السياسات العمومية، وتنزيل توجهات “النموذج التنموي” الواضحة، مما دفعهم إلى الزج بالمغرب في اختيارات أخرى لا أحد يعرف مآلاتها.
مُمَثلون بلا سياسة صوت المغرب.
مشاهدة م م ثلون بلا سياسة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ م م ثلون بلا سياسة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مُمَثلون بلا سياسة.
في الموقع ايضا :
- عاجل: قائد الثورة: النظام الإسلامي نهض من تلك الحرب أكثر قوة وأصبحت هذه سمة له في الأحداث اللاحقة التي صنعها الأعداء
- عاجل: الشيخ الأسدي للميادين+: على صاحب القرار العراقي إعادة النظر في قرار الطيران الإيراني وإلا تحركات جماهيرية ضاغطة للتغيير
- المنهجية الديمقراطية مع المنصوري