دارُ الفتوى والطعن: بين استقلال المرجعية الدينية وسيادة القانون ..اخبار محلية

لبنان نيوز - اخبار محلية
دارُ الفتوى والطعن: بين استقلال المرجعية الدينية وسيادة القانون

ليست دارُ الفتوى في لبنان مجرّدَ جهةٍ تؤدّي وظيفة الإفتاء، بل هي إطارٌ مؤسسيٌّ دينيٌّ يتصل في حدود الصلاحيات التي يحددها النظام القانوني الخاص بالطائفة الإسلامية السنية، بإدارة شؤونها الدينية والوقفية. ولا ينبغي، تبعًا لذلك، افتراض شمول صلاحياتها أو امتدادها إلى كل مسألة إلا استنادًا إلى نصٍّ نافذ أو اختصاصٍ ثابت.

 

    ومن ثمّ، فإن الطعن في قرار صادر عن المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى أو عن أي جهة تابعة لدار الفتوى لا يُحسم وصفه بمجرد صدوره عن مرجعية دينية، بل يتوقف على تحديد طبيعته القانونية ومصدر الاختصاص بإصداره. فقد يكون القرار دينيًا محضًا، كإبداء الرأي الشرعي أو إصدار الفتوى، وقد يكون قرارًا إداريًا يتعلق بتنظيم العمل المؤسسي أو شؤون الموظفين أو ممارسة صلاحية عامة، وقد يكون قرارًا وقفيًا يتصل بإدارة مالٍ موقوف أو استثماره أو تخصيص ريعه، ولكل فئةٍ منها نطاقٌ مختلف من القواعد والرقابة.

    وعليه، فإن السؤال الدقيق ليس: هل يمكن الطعن في دار الفتوى؟ بل: ما طبيعة القرار المطعون فيه، وما سنده النظامي، وما الجهة المختصة بالنظر في الاعتراض عليه أو الطعن فيه، وما حدود الرقابة القضائية على مشروعيته؟

    فالقرار الديني المحض، متى اقتصر على إبداء حكمٍ شرعي أو رأيٍ ديني ولم يرتب أثرًا قانونيًا أو إداريًا ملزمًا، لا يُعامل بالضرورة معاملة القرار الإداري القابل للطعن. أما القرار الإداري الصادر عن جهة تتمتع باختصاص مؤسسي، فيخضع، بحسب طبيعته والنصوص النافذة، لمقتضيات الاختصاص والشكل والسبب والمحل والغاية، وللرقابة التي يقررها القانون.

    ولا يعني استقلال الطائفة في إدارة شؤونها الدينية والوقفية إعفاء جميع أعمال الجهات التابعة لها من القواعد القانونية، كما لا تبرر الرقابة القضائية الحلول محل المرجعية الدينية في تقدير المسائل الشرعية البحتة. فالحد الفاصل هو أثر القرار وطبيعته ومصدر الاختصاص به، لا مجرد الجهة التي أصدرته أو الوصف العام المنسوب إليها.

    وفي هذا الإطار، قد تكتسب مسائل النصاب، وصحة الدعوة إلى الاجتماع، وإدراج البنود في جدول الأعمال، وصحة التصويت، وتوثيق المحاضر والقرارات، أهمية قانونية بالنسبة إلى القرارات الإدارية أو الوقفية التي تصدر عن الهيئات المختصة. غير أن مدى إلزام هذه الأصول وشروط تطبيقها يتحدد بالنصوص النافذة والأنظمة الداخلية ذات الصلة، ولا ينبغي تعميمها أو ترتيب البطلان عليها من دون بيان السند القانوني والأثر المترتب على مخالفته.

    إن دار الفتوى، بما تمثله من مرجعية دينية ومؤسسية، تحتاج إلى أن يكون عمل أجهزتها منضبطًا بالاختصاصات المحددة لها، ومسنَدًا إلى نصوص واضحة، ومميزًا بين ما هو إفتائي أو ديني، وما هو إداري، وما هو متعلق بإدارة الأوقاف، مع توثيق الإجراءات والقرارات بالقدر الذي تقتضيه القواعد النافذة.

    فاستقلال دار الفتوى لا يُحمى بإبعاد القانون، كما لا تُصان سيادة القانون بتوسيع الرقابة إلى ما يتجاوز طبيعة القرار وآثاره، بل بترسيخ الاختصاص، واحترام النص، وصحة الإجراءات، وحسن ممارسة الصلاحيات ضمن حدودها.

    ومن هنا، فإن أي طعن، أياً تكن نتيجته القضائية، يطرح سؤالًا مؤسسيًا محددًا حول مدى وضوح القواعد التي تحكم أعمال دار الفتوى والجهات التابعة لها: كيف تُصان استقلالية المرجعية الدينية، مع ضمان خضوع القرارات الإدارية والوقفية، في حدود ما يقرره القانون، لمتطلبات الاختصاص والإجراءات والمشروعية، من دون إخضاع الفتوى أو الرأي الديني المحض لرقابة لا تتصل بطبيعته؟

    إن قوة دار الفتوى لا تكمن في افتراض حصانة مطلقة لقراراتها من النقد أو الطعن، ولا في إخضاع جميع أعمالها لنظام قانوني واحد، وإنما في قدرة مؤسساتها على بيان الأساس الشرعي أو القانوني أو الإداري أو الوقفي لكل قرار، وتحديد الجهة المختصة بإصداره، وإثبات سلامة الإجراءات المتصلة به، بحيث تستند شرعية القرار إلى طبيعته وسنده واختصاص مصدره، لا إلى مجرد مكانة الجهة التي أصدرته.

              بقلم ابن بيروت

                     د.محمد قدوحة

    مشاهدة دار الفتوى والطعن بين استقلال المرجعية الدينية وسيادة القانون

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ دار الفتوى والطعن بين استقلال المرجعية الدينية وسيادة القانون قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على لبنان نيوز ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، دارُ الفتوى والطعن: بين استقلال المرجعية الدينية وسيادة القانون.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار