فاطمة الزهراء المنصوري.. بذرة الجرار التي أزهرت ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

إن كان هناك “نجاح” حققته مبادرة زميل دراسة الملك، فؤاد عالي الهمة، للاستقالة من وزارة الداخلية وتأسيس حركة لكل الديمقراطيين وبعدها حزب الأصالة والمعاصرة، فسيكون اسمه فاطمة الزهراء المنصوري.

كل الشعارات والأهداف النبيلة التي وضعها مؤسسو تلك الحركة في واجهة تحركها الذي زلزل المشهد السياسي المغربي، تحطمت وتناثرت بقاياها على جانبي عجلتي الجرار الضخمتين، لكن بذرة واحدة استقرت في عمق التربة وكبرت تدريجيا، لتتحول من شابة تقتحم السياسة لأول مرة فوق مقعد عمودية مدينة مراكش الوثير، إلى وزيرة للإسكان والتعمير وحاكمة بأمرها داخل حزب يقال أنه خُلق ليحكم.

    جل الوجوه والزعامات والقيادات التي تراكمت فوق عجلات الجرار منذ صيف العام 2007، انتهى بها الأمر مستقيلة، أو معزولة، أو مطرودة، أو يائسة، أو محترقة؛ وحدها فاطمة الزهراء المنصوري حافظت على خط الصعود لتكون اليوم، حاملة لمصباح علاء الدين.

    كانت قريبة من إلياس العماري لحظة انتخابه في المؤتمر الثالث وخلف عبد اللطيف وهبي في المؤتمر الرابع، لتصبح زعيمة قبل افتتاح المؤتمر الخامس.

    كل شيء في مسار سيدة مراكش الجديدة يحيل على اللحظة التي تؤرخ لميلادها السياسي وبروزها للعامة، وهي لحظة تأسيس حرك “لكل الديمقراطيين” وتحوّلها إلى حزب سياسي اسمه “الأصالة والمعاصرة”.

    تروي في أحاديثها الخاصة عن بعض الأنشطة الطلابية والجمعوية البسيطة التي شاركت فيها بشكل مبكر، على أنها انخراط سابق في السياسة، لكن لحظة انخراطها الفعلي كانت في سنة 2008، حين انعقد أول لقاء تحضيري لتأسيس فرع حركة لكل الديمقراطيين بمدينة مراكش، وكان ذلك للصدفة، في بيت عمها عبد الجليل المنصوري، وبحضور حميد نرجس، خال مؤسس الحركة وصديق الملك، فؤاد عالي الهمة ومنسق حركته في جهة مراكش ومعها الرحامنة، وما أدراك ما الرحامنة.

    لم تخطئ عين فريق من “وكلاء اللاعبين” الذين استعانت بهم حركة الجرار حينها لاستقطاب وجوه قادرة على تشكيل جدار صد في مواجهة الزحف الإسلامي لإخوان ابن كيران، وقصدت “الدار الكبيرة” لأبناء دوار “أولاد منصور” الواقع على بعد عشرين كيلومترا من مراكش في اتجاه منطقة الرحامنة، وكان اللاعب المحترف في نظر الطرفين هو المحامية الشابة فاطمة الزهراء المنصوري، لتحمل شعلة الجرار ومعها إرث العائلة الثقيل.

    هذه المحامية من ذاك النقيب

    هي من جيل المسير الخضراء، ومواليد المدينة الحمراء بتاريخ 3 يناير 1976، تابعت دراستها بالكامل في مدارس البعثة الفرنسية، من الابتدائي حتى البكالوريا.

    لا تتقن ولا تتجرأ على الحديث أو الاسترسال باللغة العربية الفصحى، لكن من ينصت إلى حديثها لن يخمن أنه أمام خريجة للتعليم والمدرسة الفرنسيين. لكنة مراكشية صافية تغلب على لسانها كمل لو عاشت كل أيامها في دروب المدينة الحمراء.

    اصطفافها إلى جانب لغة موليير واضح رغم ذلك، من خلال الموقع الرسمي لوزارة الإسكان التي تتقلد زمامها حاليا، حيث تنشر سيرتها المفصلة في النسخة الفرنسية من الموقع، بينما تكتفي بسطر يتيم يشير إلى تعيينها من طرف الملك في النسخة العربية.

    تحصيلها الجامعي الأخير عبارة عن “شهادة” في القانون الأنجلوسكسوني، نالتها من إحدى الجامعات الأمريكية، فيما كانت قد حصلت على دبلوم الدراسات الجامعية المعمقة من جامعة فرنسية، مباشرة بعد نيلها شهادة الإجازة في القانون الخاص من جامعة محمد الخامس في الرباط، تجربتها الوحيدة في التعليم العمومي المغربي.

    نالت فاطمة الزهراء صفة المحامية وأدت القسم سنة 2000 في مدينة الدار البيضاء، وخاضت فترة تدريبها في اثنين من أكبر مكاتب المحاماة في المغرب وأكثرها “بريستيجا”، وهما مكتبا وزير العدل الراحل محمد الناصري (محامي القصر) ومكتب الكتاني المتخصص في ملفات البزنس والأعمال الكبرى.

    انتقلت بعد ذلك إلى مكتب والدها، المحامي الكبير بمدينة مراكش، الراحل عبد الرحمان المنصوري، حيث نقلت تسجيلها من قائمة المحامين بهيئة الدار البيضاء إلى هيئة المدينة الحمراء في مارس 2005، لتؤسس شركة مدنية للمحاماة شهورا قليلة قبل تعيينها وزيرة في حكومة عزيز أخنوش، في يونيو 2021 تحديدا، إلى جانب محام آخر في صفوف حزب الجرار، ونائب المنصوري في رئاسة مجلسه الوطني، هو رحال الجديد، والذي يتولى أيضا رئاسة لجنة القوانين والتحكيم داخل المجلس، إلى جانب رئاسته لجنة المالية بمجلس جهة مراكش آسفي.

    وتقدم الشركة المدنية للمحاماة، التي تعتبر شكلا قانونيا يسمح لفاطمة الزهراء المنصوري بعضوية الحكومة ومواصلة نشاطها في مجال المحاماة كمساهمة في الشركة دون آن تسقط في حالة التنافسي مع ممارسة مهنة المحاماة، كما لو كانت تعلم بشكل مسبق زنها ستصبح وزيرة، (تقدم الشركة نفسها) في موقعها الرسمي كمقدّم ل”خدمات متعددة”، مرتكزة في ذلك على “تنوع الكفاءات القانونية، وتجربة وحنكة المحامين بها، هدفها الأساسي توفير خدمات قانونية واستشارية بهدف تأمين الدفاع والمرافعات بشأن الملفات المعروضة عليها أمام جميع المحاكم بمختلف أنواعها: المحاكم الابتدائية، المحاكم التجارية، محاكم الاستئناف”.

    وتضيف الشركة المدنية “المنصوري ـ رحال” أن خدماتها تهم المنشآت بمختلف أشكالها وتعدد مجالاتها “وكذلك الخواص والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية وشركات التأمين”، كما يشمل تخصص الشركة بالإضافة إلى مجال التراب الوطني “القضايا ذات الطبيعة الدولية”.

    سيدة التوازنات

    تنعت بالمرأة القوية والحديدية لدرجة صنفتها معها مجلة “فوربس” الأمريكية ضمن 20 سيدة الأكثر تأثيرا في المغرب سنة 2014، ويتهامس جل من يعرفها بهشاشة أعصابها وسهولة بكائها وكثرة قضمها لأظافر أصابعها خلال اجتماعات العمل والصراع السياسيين. ذاع صيتها واشتهرت صورتها لحظة وقوفها خلف الأمين العام الجديد لحزب الأصالة والمعاصرة عقب المؤتمر الرابع، وهي تشير لأحد مساعديها محركة يدها على عنقها، مشعلة شرارة تأويلات وتفسيرات متضاربة.

    كانت حينها تقف بصفتها رئيسة للمجلس الوطني لولاية ثانيو٫ تماما مثلما وقفت خلف إلياس العماري في المؤتمر السابق وحققت أمامه التوازن والمناصفة، التوازن بين معسكر “الأعيان” الذي تمثله من خلال انتمائها الاجتماعي، والمناصفة باعتبارها السيدة الأولى في الحزب في مقابل الزعيم والأمين العام. بل إن موقعها على رأس المجلس الوطني للحزب، يجعلها الماسك الحقيقي بخيوط القرار وأقرب إلى القواعد والأقدر على حسم الخلافات واتخاذ القرارات، وهو ما يفسّر خروجها باسم المجلس الوطني ببلاغ عقب تفجير قضية “اسكوبار الصحراء”، واعتقال اثنين من كبار قياديي الحزب، للنأي بالجرار عن حقل الألغام وتعلن توقير السلطات الأمنية والقضائية. “مناضلو الحزب يثقون في مهنية وحيادية المؤسسة الأمنية، ويثقون في استقلالية السلطة القضائية، التي تسهر على توفير كل الضمانات القانونية والقضائية للملفات المحالة إليها، وفي مقدمتها قرينة البراءة، وضمانات المحاكمة العادلة”، يقول بلاغ المجلس الوطني لحزب الجرار.

    عمدة أسقطت واليا

    علاوة على مهنتها كمحامية، ترتبط فاطمة الزهراء المنصوري بعلاقة خاصة مع القضاء في مسارها السياسي، حيث كانت المحكمة الإدارية قد ألغت انتخابها بعد تنصيبها عمدة لمراكش سنة 2009، قبل أن يعيدها قرار استئنافي.

    فمباشرة بعد استقطابها وضمنها إلى حركة “لكل الديمقراطيين” في العام 2008، أصبحت فاطمة الزهراء المنصوري محط رهانات الحزب الذي خرج من رحم الحركة واجتاح الانتخابات المحلية للعام 2009، حيث تولت مصارعة “رجال المدينة” حول منصب العمدة، ليكتب لها النجاح في ذلك لكن في أجواء حزينة بعد وفاة والدها في اليوم نفسه الذي فازت فيه بالانتخابات، بنتيجة 54 صوت مقابل 35 صوتا لمنافسها عمر الجزولي، فكانت ثاني سيدة مغربية تصبح “عمدة” لمدينة مغربية، بعد أسماء الشعبي التي تولت رئاسة مجلس مدينة الصويرة بين 2003 و2009.

    حملتها موجة الزحف الكاسح الذي قام به الجرار في تلك الانتخابات المحلية إلى منصب العمدة رغم أن حزبها لم يحصل سوى على 17 مقعدا حيث كانتا لعبة التحالفات نشيطة في تلك الحقبة لمنع إسلاميي العدالة والتنمية من تسيير المدن الكبرى والمتوسطة.

    برزت شخصيتها السياسية منذ البداية كشابة عصرية ومحافظة في الوقت نفسه، شخصية تكاد تجسد لوحدها ثنائية الأصالة والمعاصرة التي يتخذها الحزب اسما له. تتجنب إلقاء الخطب امام الجموع من الجماهير، ولا تفتح فمها إلا امام اجتماعات غالبا ما تكون مغلقة. حتى أثناء حملاتها الانتخابية، تميل سيدة مراكش الأولى إلى اللقاء المباشر مع الناس بعيدا عن منصات الخطابة والتجمعات.

    تنازلت منذ اليوم الأول عن تعويضاتها كعمدة، والتي لا تتجاوز الـ5500 درهم لفائدة موظفي مجلس المدينة. لكن وبينما كانت تستعد لوضع خططها الطموحة لتنمية وتطوير المدينة، فاجأها حكم قضائي بعد ثلاثة أسابيع من انتخابها، يلغي الانتخابات ويأمر بالتالي بإعادة الانتخابات الجماعية بمقاطعة المنارة، بناء على طعن تقدم به وكيلا للائحتي جبهة القوى الديمقراطية، اللائحة الرئيسية واللائحة النسائية، بخصوص ما اعتبراه “خروقات سجلت أثناء سير العملية الانتخابية”، وبعد إدلائهما بوثائق كانت عبارة عن أوراق فريدة للتصويت، تحمل علامة التصويت على رمز الجبهة (الزيتونة)، مبعثرة في الشارع العام، بالإضافة إلى نسخ محاضر من المكاتب الفرعية والمركزية…

    اعتبر حزب الجرار الأمر مكيدة استهدفته بتواطؤ من السلطة المحلية، وأصدر بلاغا يتهم الوالي منير الشرايبي بعقد تحالفات “مشبوهة، واندثار مظاهر سلطة الدولة بمراكش، إثر ما صدر مباشرة من والي مراكش ومن بعض معاونيه، من تعليمات شفوية لفرض وصايتهم على العمدة، ومطالبتها بتكليف أحد أعضاء المكتب بتدبير لجنة التعمير، والتغاضي عن بعض الملفات المشبوهة، وترك تدبير الملفات المهيكلة للوالي كي يدبرها، ومساندة رئيس الجهة السابق ليعود إلى منصبه، وبعض رؤساء المقاطعات”.

    بادرت وزارة الداخلية إثر ذلك إلى ايفاد لجنة تحقيق مركزية ترأسها سعد حصار، كاتب الدولة في الداخلية، تولت التحقيق في ملابسات انتخابات 12 يونيو 2009، والتي استمعت لمجموعة من المسؤولين المحليين، في مقدمتهم والي جهة مراكش، والكاتب العام للولاية، ورئيس قسم الشؤون الداخلية (الشؤون العامة سابقا) بالولاية، ومجموعة من رؤساء مكاتب التصويت بالدائرة الانتخابية المذكورة…

    انتهت التحقيقات بقرار لوزارة الداخلية يقضي بعزل الوالي منير الشرايبي بسبب “اختلالات كبيرة على مستوى التنظيم والتنسيق بالمصالح الإدارية للولاية”، فنجت فاطمة الزهراء المنصوري من خسارة مقعد العمدة، حيث جاء قرار الاستئناف لصالحها أيضا.

    في صيف العام 2011، ستعود عمدة مراكش الشابة إلى الواجهة من خلال تقديمها لاستقالتها من رئاسة مجلس المدينة ومن عضوية حزب الأصالة والمعاصرة، احتجاجا على ما اعتبرته ممارسة للوصاية عليها من طرف حميد نرجس، رئيس مجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز، والمنسق الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة، والمرتبط بعلاقة قرابة عائلية مع مؤسس الحزب، كونه خال المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة.

    هذا الأخير الذي كان وقتها بصدد الانتقال من صفوف قيادة الحزب إلى الديوان الملكي كمستشار، تدخل ليقنع فاطمة الزهراء بالتراجع عن استقالتها، لتقوم بتجميدها قبل آن تتراجع عنها رغم أنها كانت قد بعثتها رسميا إلى مكتب الوالي امحمد مهيدية، والي مدية الدار البيضاء الحالي. استأنفت الرئيسة الشابة مهامها كعمدة للمدينة الحمراء، وقد اشترطت عدم التدخل في مهامها أو محاولة توجيهها.

    بنت الباشا والسفير

    رغم وفاة والدها، النقيب المحامي عبد الرحمان المنصوري، يوم انتخابها في أول تجربة انتخابية لها صيف العام 2009، إلا أن مسار سيدة مراكش والجرار يحيل في كل مرة على أصولها وانتمائها العائليين، مع أية محاولة لفهم سر صعودها ونجاتها من جل المطبات التي مر بها الجرار منذ تأسيسه.

    بحثنا عن تفاصيل سيرة والدها الذي يّعرف إعلاميا بكونه كان باشا مدينة مراكش، بينما هو في الأصل واحد من أوائل المحامين في المدينة الحمراء.

    يظهر اسم عبد الرحمان المنصوري أول مرة في لوائح أعضاء مجالس هيئة المحامين في مراكش في أول نسخة “ممغربة”، حيث كان المحامون الفرنسيون يهيمنون على المجالس الأولى حتى بعد الاستقلال، حيث أصبح المنصوري عضوا في مجلس الهيئة عام 1965، ومكث فيه إلى غاية 1969، قبل أن يعود اسمه ليظهر مجددا سنة 1971، لكن كنقيب لهيئة المحامين بمراكش، وذلك إلى غاية 1975، حيث عاد ليصبح عضوا في المجلس بصفته نقيبا سابقا حتى 1977.

    “لا يمكنك فهم شخصية فاطمة الزهراء أن لم تستحضر عنصر عائلتها”٫ يقول أحد صديق قديم لوالد سيدة مراكش الحالية. ويضيف محدثنا أن الآمر يتعلق بأسرة وفدت على مراكش من قرية “أولاد منصور” الصغيرة، “وهي تبعد ببضع وعشرين كيلومترا على يمين الخارج من المدينة، وجلهم اليوم أطباء وعياداتهم تنتشر في كامل أنحاء مراكش حيث تنافسوا في مجالات الطب والمال والمحاماة منذ دخلوهم إلى المدينة، ومنهم المرحوم عبد الرحمان الذي كان محاميا كبيرا بكل معنى الكلمة”، مصدرنا يشدد على أن والد فاطمة الزهراء المنصوري كان يتقن اللغة الفرنسية “بشكل يجعله يعطي الدروس للمثقفين الفرنسيين أنفسهم، كما كان فصيحا في اللغة العربية بل كان شامخا فيها”.

    ويضيف مصدرنا الذي عرف عبد الرحمان المنصوري منذ الصغر، آن هذا الأخير كان عصاميا ومجتهدا في دراسته.، “وكان يتجاوز في اجتهاده حدود المادة التي يدرسها ويتوسع فيها بلا حدود، ولما تخرج اشتغل بقوة ومارس المحاماة”.

    يتوقف مصدرنا لينبه إلى أن احتراف مهنة المحاماة في سنوات الاستقلال الأولى تعني الحصول على واحد من مفاتيح الثروة والجاه، “أذ كانت وقتها تذر مداخيل كبيرة، لهذا لم يعد المرحوم عبد الرحمان مجرد محام، بل أصبح من الأثرياء في مدينة مراكش، لكن أولاد منصور يحبون السلطة وأول ما ظهرت ظاهرة جمعيات السهول والجبال، كان هو اول أول من ترأس جمعية الأطلس، والتي كنا نسميها جمعية من جمعيات الجبال في مقابل جمعيات السهول”.

    دخل المنصوري الأب تدريجيا على خط السلطة محفوفا بعناية رجل اسمه محمد المديوري، الحارس الشخصي الأشهر للملك الراحل الحسن الثاني، “ومن هنا اتضح أن لديه طموح لخدمة الدولة من خلال المرفق العام، فمنحوه منصب باشا مدينة مراكش الذي قبل به لما يعنيه معنويا لدى أولاد منصور”.

    يؤكد مصدرنا أن عبة الرحمان المنصوري لم يسع إلى منصب الباشا بحثا عن عائد مادي، بقدر ما كان يبحث عن موقع داخل مربع السلطة. “ولما ظهر أن مستواه رفيع من حيث المعرفة والكفاءة عين سفيرا في الإمارات العربية المتحدة، في سياق لعلاقات الخاصة بين الحسن الثاني والشيخ زايد، خاصة أنه كان لبقا جدا ولا يصبح شرسا إلا إذا عندما كان يرافع في المحكمة”.

    بحثت “لسان المغرب” عن آثار مرور عبد الرحمان المنصوري في سفارة المغرب في أبو ظبي، فعثرت في أرشيف صحيفة البيان الإماراتية، رسالة منشورة بتاريخ 7 غشت 1998، يهنئ فيها والد فاطمة الزهراء المنصوري، بصفته سفيرا للمغرب، الرئيس الراحل لدولة الإمارات العربية المتحدة بمناسبة ذكرى تأسيس الاتحاد الإماراتي، ويقول: “إن قيام اتحاد الامارات العربية يعد أبرز الانجازات على الصعيد الداخلي، بل وأهم حدث عربي منذ السبعينات سيما وانه تحقق بعد فشل العديد من المحاولات الوحدوية العربية. وما من شك ان الفضل في نجاح هذه التجربة الوحدوية الرائدة يعود بالدرجة الأولى إلى قدرة القيادة المجسدة في صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حفظه الله وحرصه الدائم على التوحيد واستبعاد كل ما من شأنه ان يؤدي إلى الفرقة والشتات”.

    بعد عودة الراحل عبد الرحمان المنصوري من السفارة، كانت ابنته الشابة فاطمة الزهراء قد تسلمت مشعل مهنة المحاماة، فلم يعد إلى الممارسة حسب مصادر “لسان المغرب” من هيئة المحامين في مراكش. ألا أن الرجل لم يكن بعيدا عن السياسة وتفاعلاتها، وهو ما يفسر حديث رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة عن تلقيها تربيتها السياسية داخل الأسرة.

    مصدر عاصر عبد الرحمان المنصوري في شبابه، قال إنه كان قريبا في فترة دراسته الطلابية من الحزب الشيوعي، “وذلك في سياق خاص يرتبط بطبيعة علاقة أسرته مع جيش التحرير وحزب الاستقلال“. إشارة ستعود لتوضيحها في الفقرات المقبلة، لكن مصدرنا يشدد على أن عبد الرحمان المنصوري كان قريبا من تيار ال راحل عبد الله إبراهيم، “رغم آنه لم يكن نشيطا سياسيا لكنه كان محسوبا على تياره في مقابل بعده عن كل من حزب الاستقلال وتيار عبر الرحيم بوعبيد في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية“.

    مصادرة ممتلكات المنصوري.. نزاع قديم

    يؤدي النبش في الأصول الاجتماعية لسيدة مراكش الحالية بالضرورة إلى تلك العلاقة المتوترة التي جمعت “آل المنصوري” بالقادة الوطنيين بعد الاستقلال، سواء منهم الجناح السياسي أو جيش التحرير.

    فأسرة المنصوري كانت تعتبر جزءا من أرستقراطية مراكش خلال فترة الحماية، وكان جد عمدة مراكش الحالية من كبار تجار المدينة، ممن تمتعوا بالحماية القنصلية الأجنبية، وتاجروا مع الخارج في مواد مختلفة من بينها مادة الصوف.

    وفي مقابل شخصية عبد الرحمان المنصوري، والد فاطمة الزهراء، التي تجسد الجانب المندمج في منظومة السلطة والتجارة، يجسد العقيد السابق، عبدة الله المنصوري، وهو أخ غير شقيق للراحل عبد الرحمان، الوجه المطالب باسترجاع ما صودر من الأسرة بعد الاستقلال تحت غطاء معاقبة من اشتغلوا إلى جانب المستعمر.

    ففي حوار سابق له مع الصحافي إدريس الكنبوري لحساب يومية “المساء”، يروي الكولونيل عبد الله المنصوري، الذي كان ضمن آخر فوج لضباط المدرعات ممن تخرجوا من المدارس الفرنسية في نهاية الخمسينيات، أن عائلته دفعت ثمنا باهظا بسبب موقف أحد أبنائها في مفاوضات «إيكس ليبان»، ويقول إن حزب الاستقلال لم يستوعب أن يكون شقيقه محمد المنصوري قائدا من القواد العصريين في تاحناوت، قريبا من مراكش حيث كان الباشا التهامي الكلاوي.

    ويحكي الكولونيل عبد الله المنصوري أن المقيم العام الفرنسي التقى بشقيقه وأعجب به خلال إحدى زياراته للمدينة، واختاره لتمثيل القواد العصريين في «إيكس ليبان»، على أن يمثل الكلاوي القواد التقليديين، وعندما علم الاستقلاليون في مراكش بذلك، فكروا، حسب رواية عبد الله المنصوري دائما، في معاقبة عائلته، فتشكلت لجنة تابعة لمفتشية الحزب بمراكش حكمت على والد المنصوري بمصادرة نصف أملاكه، بينما حكمت على ابنه محمد بثلثي أملاكه.

    ويعتبر عبد الله المنصوري أن الانتقام من شقيقه كان بسبب الموقف الذي عبر عنه في «إكس ليبان»، عندما طالب بعودة الملك محمد الخامس، وكذا بسبب علاقاته ببعض أفراد جماعة «الهلال الأسود» للمقاومة، التي كان حزب الاستقلال وجيش التحرير يحاربانها…

    ويحكي عبد الله المنصوري في حوار آخر مع صحيفة “الأسبوع الصحفي”، كيف أن والده كان تاجرا كبيرا، وحدث أن دخل يوما في صراع مع بعض أبناء القايد العيادي في مراكش، فذهب ليشتكيهم لمحمد الخامس، غير أن المفاجأة تمثلت في كون هذا الأخير اقترح على المنصوري اللجوء إلى الباشا الكلاوي باعتباره الشخص الذي يمكنه حل المشكلة بين العيادي والمنصوري.

    من خلال هذا الاتصال الذي جرى بإيعاز من محمد الخامس حسب الرواية نفسها، وجد التاجر المنصوري نفسه وقد تكبد خسائر مالية كبيرة رفقة بعض التجار اليهود الذين اقتنوا الأطنان من مادة الصوف من أجل بيعها للجيش الأمريكي الذي كان يستعد للدخول في حرب ضد كوريا، لكن هذه الحرب لم تحصل فمُني التجار بخسارة كبيرة، فوجدها الباشا الكلاوي فرصة ليعرض على المنصوري مبلغا ماليا كبيرا كقرض، وغايته من ذلك الحيلولة دون أي تحالف مستقبلي بين العيادي والمنصوري، “فأعطاه 23 مليون سنتيم”، يقول عبد الله المنصوري الذي يؤكد أن والده كان صاحب ممتلكات كبيرة راكمها بفضل التجارة، وبسبب هذه التفاصيل احتفظ بعلاقات لاحقة مع الكلاوي، ليخلص إلى أن مصادرة جزء من ممتلكات العائلة بعد الاستقلال لم يكن عادلا.

    صاعدة رغم عطب الجرار

    في الانتخابات المحلية للعام 2015، رفع ال”بام” عدد مستشاريه في مجلس المدينة من 17 منتخبا إلى 26، لكنه خسر تدبير المدينة لصالح حزب العدالة والتنمية بقيادة محمد بلقايد، بعدما فشل في نسج تحالف يحظى بالأغلبية مثلما فعل في المرة السابقة.

    لكن مسار فاطمة الزهراء المنصوري من يتأثر ولم يتعثر، وفي 3 يناير 2016، وقفت أمام 3500 مؤتمر يلتئمون في بوزنيقة في إطار مؤتمر وطني، وشبه إجماع قد تشكل حول شخصها، لتنتخب رئيسة ل850 ممن حازوا عضوية المجلس الوطني.

    وبعدما كان عبد الحيكم شماس في مؤتمر سابق محط إجماع يسمح له بزعامة الحزب، لكنه اختير رئيسا للمجلس الوطني بينما “انتخب” مصطفى البكوري امينا عاما، كانت المنصوري صاحبة المكانة نفسها هذه المرة، لكنها تولت بنفسها الإعلان عن “انتخاب” إلياس العماري أمينا عاما جديدا للحزب.

    وحين نظمت الانتخابات التشريعية عريف تلك السنة، كانت المنصوري تحصل بسهولة على مقعد في مجلس النواب للولاية الثانية على التوالي. قيل وقتها إن النجاحات السياسية تتحقق لها على حساب استقرارها العائلي، لكنها لم تجد أي حرج في التصريح بوضعها الاجتماعي حين انتهت علاقتها الزوجية إلى الطلاق، نافية أية علاقة لذلك بمسارها السياسي.

    وصفها عبد اللطيف وهبي ب”أرنب السباق” عشية المؤتمر الوطني الثالث الذي أفضى إلى انتخاب إلياس العماري أمينا عاما، لكنها ستكون “أرنب” سباقه شخصيا في المؤتمر الرابع الذي انتهى بانتخابه على رأس الحزب.

    لا تنكر أنها تجسد ثنائية الأصالة والمعاصرة من خلال تمسكها بالثقافة الشعبية المراكشية بكل حمولتها، فتعتلي المنصات الاحتفالية مساهمة في الضرب على “البندير”، وتعيش العصر بكل مظاهر التحديث والتطور مع قناعة واضحة بفكرة المشروع الحداثي الذي كانت تحمله حركة لكل الديمقراطيين.

    تقول إنها ترفض استعمال المرجعية الدينية في السياسة، وتعتبر الثقافة الدينية نتاج للتربية الأسرية والتنشئة الاجتماعية التي تجمع بين المسجد وضريح “سيدي بلعباس”، وتحرص على استقبال أبنائها في البيت بعد عودتهم من المدرسة بفقيه يلقنهم القرآن واللغة العربية.

    ثالثة ثلاث

    عادت سيدة مراكش القوية لتجلس فوق كرسي عمدة المدينة في انتخابات 2021، غير أن انتخابها هذه المرة كان سهلا مقارنة بجلسة الانتخاب سنة 2009، إذ كان حضور الراحلين، عمر الجزولي، وعبد الله رفوش، الملقب بـ”ولد العروسية” لافتا للانتباه، ووازنا في المرة الأولى.

    ترشحت فاطمة الزهراء وحيدة لمنصب عمودية مراكش، فصفق الجميع معلنين انتخابهم لها بشكل شبه رسمي (باستثناء صوت واحد)، ليعلن فوز ها بـ 79 صوتا.

    وبعدما كانت في 2009 المغربية الوحيدة التي نجحت في الفوز برئاسة مجلس مدينة، واستأثرت حينها باهتمام المجلات الفرنسية الصقيلة، كانت المنصوري هذه المرة ثالثة ثلاث سيدات حملتهن موجة اكتساح ثلاثي للانتخابات، إلى جانب كل من التجمعيتين أسماء اغلالو ونبيلة الرميلي، الأولى في الرباط والثانية في الدار البيضاء.

    قبل أن تتضح معالم مشاريعها في وزارة الإسكان ضمن الحكومة السابقة، استأثرت المنصوري بالأضواء في لحظتين استثنائيتين، واحدة عقب زلزال الأطلس الكبير المدمّر، حيث خرجت على الناس بلباس رياضي يخلو من أية لمسة رسمية في الشارع، لتفقد منكوبي الزلزال في وقت لم يكن أي من السياسيين قد خرج إلى الأضواء، وراحت تخاطب المتضررين مطمئند إلى أن الملك يتولى الموضوع ويشملهم برعايته…

    أما اللحظة الثانية فكانت بعد وفاة والدتها شهر فبراير 2023، حيث شيعت الجنازة من مقر إقامة عمدة المدينة في منطقة النخيل بمراكش، صوب مسجد الكتبية الذي أقيمت فيه صلاة الجنازة على الراحلة. فيما كان المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، في صدارة المسؤولين الذين قاموا بتعزية المنصوري في منزلها.

    هذا البورتريه كان ضمن عدد سابق من مجلة “لسان المغرب”، هذا رابطه

    فاطمة الزهراء المنصوري.. بذرة الجرار التي أزهرت صوت المغرب.

    مشاهدة فاطمة الزهراء المنصوري بذرة الجرار التي أزهرت

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ فاطمة الزهراء المنصوري بذرة الجرار التي أزهرت قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، فاطمة الزهراء المنصوري.. بذرة الجرار التي أزهرت.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار