المسار | مقالات الرأي
سالم البادي(أبومعن)
في عالمٍ يموج بالتحولات المتسارعة والعولمة التي تكاد تطمس هويات الشعوب، تقف سلطنة عُمان كواحدة من الدول القليلة في العالم التي نجحت في الحفاظ على تماسكها الفكري، وقيمها المجتمعية، ومبادئها الأصيلة المتوارثة منذ أمد بعيد.
هذا الاستقلال الثقافي الفريد لم يأتِ من فراغ؛ بل هو امتداد لإرث فكري وعلمي وديني هائل شيّده علماء عظام قدّموا للبشرية أصول العلم والمعرفة مثل علوم الدين واللغة، مروراً بعلماء البحار والفلك والطب والشعر والادب وصولاً إلى تلك الموسوعات والمؤلفات الفقهية والعلمية القيمة التي تزخر بها المكتبة العُمانية. ومع سعي السلطنة الحثيث لتنويع مصادر دخلها الوطني ضمن مستهدفات رؤية عُمان2040، يبرز السؤال الاستراتيجي الأهم: كيف نستفيد من هذا التماسك القيمي وهذا الرصيد المعرفي الفريد لنحوله إلى رافد اقتصادي واعد ومستدام للدولة، دون أن تفقد عُمان وقار هويتها ورصانتها الفكرية الثقافية؟
إن الكنوز التي تمتلكها سلطنة عُمان ليست أصولاً معروضة للبيع التجاري المبتذل، بل هي “قيم ومعارف عليا” يبحث عنها العالم المعاصر المنهك فكرياً وأخلاقياً.
إن تحويل هذا الموروث إلى مورد اقتصادي يتطلب فكراً استثمارياً من نوع خاص؛ فكر يعتمد على “تصدير النموذج العُماني الرصين” واستثمار البنية الأساسية الثقافية الكبرى – مثل صرح مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي ومبادرات التحول الرقمي المعرفي كـ “سراج عُمان” كمنصات لصناعة وتصدير الفكر الإنساني والعلمي عالي القيمة.
وحين نستعرض التجارب الدولية التي استثمرت في أصولها الفكرية والمجتمعية، نجد نماذج ملهمة أثبتت نجاحها الاقتصادي ومنها:
التجربة اليابانية (استثمار التقاليد): حيث حافظت اليابان على تقاليدها الصارمة وأعرافها المتوارثة، وحولتها إلى فلسفات إدارية وإنتاجية عالمية. جعلت التزامها الأخلاقي عامل الجذب الأساسي الذي يمنح منتجاتها التجارية والصناعية المعرفية موثوقية استثنائية تدر مليارات الدولارات سنوياً. التجربة السنغافورية (تسويق العقول والبحوث): حيث حوّلت الأبحاث الأكاديمية والجامعية إلى براءات اختراع تجارية محمية بشبكة قوانين صارمة للملكية الفكرية، لتصبح السلعة الأثمن التي تشتريها الشركات العالمية وتضخ ملايين الدولارات في الخزينة العامة. التجربة الفنلندية (اقتصاد المعرفة المبتكرة): حيث وضعت “العقول المفكرة” وطلاب العلم في قلب استراتيجيتها الاقتصادية؛ وحوّلت الجامعات إلى مصانع لابتكار الحلول وبراءات الاختراع والبحوث المتقدمة التي تُباع لشركات التكنولوجيا حول العالم. التجربة الأيرلندية (حاضنة الملكية الفكرية والأبحاث): أصبحت العاصمة الأوروبية الأولى لإدارة الأصول الفكرية من خلال تقديم تشريعات وحوافز قانونية متطورة تحمي أبحاث الباحثين وتسوقها تجارياً للشركات الكبرى، مما جذب عوائد مليارية مباشرة للدولة.من استعراض هذه التجارب يمكن الوصول إلى مرئيات وأفكار مستوحاة من البيئة الفكرية والسيادة العُمانية من أجل وضع هذا الإرث الفكري والقيمي في قوالب استثمارية واعدة تتلاءم مع مكانة عُمان المرموقة، وفي هذا الصدد نقترح على صناع القرار تبني الآتي:
تأسيس “منصة عُمان للاستثمار المعرفي وإعادة تسويق البحوث”: فرز الأبحاث والدراسات العلمية القيمة التي يزخر بها قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في سلطنة عُمان، وإعادة تسويقها تجارياً للشركات والجهات الدولية مع ضمان الحفاظ الصارم على حقوق ملكيتها الفكرية باسم الباحثين وباسم السلطنة، لتتحول رفوف المكتبات الجامعية إلى خلايا توليد اقتصادي مستدام. إطلاق برنامج “العقول المفكرة المبتكرة” لطلاب العلم:تصميم مسار تعليمي وتدريبي مكثف لطلاب المدارس والجامعات والباحثين يركز على تزويدهم بمهارات الابتكار، والريادة، وحماية الأفكار الفكرية؛ حيث يتم التعامل مع مخزون الطالب الفكري كمنتج استثماري يمكن تحويله إلى براءات اختراع وشركات ناشئة ترفد الاقتصاد الوطني.
تأسيس “بيت النشر والتحقيق العُماني العالمي” (استثمار الموسوعات والكتب):الاستفادة من النجاح المعرفي لـ الموسوعة العُمانية لإنشاء مركز عالمي ضخم لتحقيق ونشر المخطوطات والكتب الفكرية والدينية والعلمية عالي الجودة، وبيع حقوق ملكيتها الفكرية وتراجمها الرقمية للجامعات الكبرى والمكتبات الدولية المرموقة.
إطلاق “سياحة القيمة والمعرفة الفكرية”:استثمار الميزة الكبرى لعُمان كبيئة متماسكة مجتمعياً وقوية المبادئ عبر تأسيس “ملاذات فكرية” في مناطق الطبيعة الساكنة مخصصة للنخب الفكرية والأدباء وصنّاع القرار من مختلف دول العالم الراغبين في الاعتكاف للكتابة والبحث، حيث تبيع عُمان هنا “البيئة الأخلاقية والهدوء الفكري والأمان المجتمعي” بأسعار نخبوية تدر أرباحاً عالية.
إنشاء “مركز عُمان الدولي للتحكيم الأخلاقي وحل النزاعات”: استلهام الحكمة السياسية العُمانية المتزنة والأعراف المتوارثة في الصلح وفض الخلافات، وتطويرها كـ “مدرسة فكرية رائدة” لتقديم خدمات الاستشارات والتحكيم الدولي التجاري والسياسي بأسلوب عُماني رصين يحظى بثقة العالم ومصداقيته، ليدر أرباحاً استشارية عالية. “مختبرات الفراهدة المتقدمة للغويات الحوسبية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي”: ربط عبقرية الخليل بن أحمد الفراهيدي الرياضية في تأسيس علم العروض ومعاجم اللغة بالثورة الصناعية الحديثة، لإنشاء مختبرات وطنية كبرى تجمع بين كبار علماء اللغة وعُلماء البيانات لتطوير محركات وخوارزميات المعالجة الطبيعية للغة العربية، وبيع هذه الحلول الفكرية الرقمية لشركات التكنولوجيا العالمية. إطلاق “صكوك الوقف الاستثماري المعرفي للمبتكرين”: تسييل الوقف الثقافي التقليدي وتحويله إلى صيغ مالية حديثة (صكوك)، تُخصص عوائدها بالكامل لتمويل المشاريع المعرفية وبراءات الاختراع لشباب المحافظات، مما يخلق بيئة تمويل ذاتية لا تعتمد على ميزانية الدولة وتضمن استدامة الابتكار العلمي القائم على مبادئ التكافل العُماني الأصيل.أخيرا.. الإنسان العُماني.. حارس الهوية ومحرك الاستثمار
إن القيمة الحقيقية للقطاع الثقافي المعرفي العُماني لا تكمن في سمته التاريخي فحسب، بل في صوته المعاصر؛ ولا تُقاس بقيمة الأصول المادية، بل بجودة العقول التي تديرها وتنتجها. ومن هنا، يصبح الإنسان العُماني المبدع، والباحث الشغوف المحافظ على قيمته، هو نقطة البداية والنهاية في هذه المعادلة الاستثمارية الجسورة. إن حماية المعرفة وتوثيقها دولياً، ودعم عقول طلاب العلم والباحثين، هما مجرد تهيئة لأرض المعركة الاقتصادية، أما كسب المعركة فيتوقف بالكامل على بناء “المستثمر الثقافي والمبدع الريادي” القادر على تحويل الفكرة والبحث العلمي إلى أرقام صاعدة في الناتج المحلي الإجمالي. وإن الاستثمار في عقول الشباب – عبر برامج هجينة العمق الثقافي بمهارات الابتكار، وإدارة الأعمال الجريئة – هو الاستثمار السيادي الحقيقي الذي لا ينضب. وحين يؤمن صناع القرار بأن العقل العُماني المفكر ليس بحاجة لرعاية أو دعم عابر، بل هو شريك استراتيجي في التنمية ومولّد للثروة، عندها فقط ستتحول سلطنة عُمان من منارة لحفظ التاريخ، إلى مصنع عالمي لتصدير المعرفة، ليبقى العقل العُماني المبتكر هو “النفط الدائم” الذي يقود عُمان نحو آفاق المستقبل الواعد بكل ثقة واقتدار.
مشاهدة سالم البادي يكتب الاستثمار الثقافي رافد اقتصادي واعد
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سالم البادي يكتب الاستثمار الثقافي رافد اقتصادي واعد قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سالم البادي يكتب: الاستثمار الثقافي.. رافد اقتصادي واعد.
في الموقع ايضا :
- العراق: حكم قضائي بالسجن 7 سنوات بحق النائب محمد فرمان شاهر بتهم فساد (الجزيرة)
- سوسة.. حجز مواد مخدّرة وايقافات خلال حملة أمنية
- العراق: حكم قضائي بالسجن 7 سنوات بحق النائب محمد فرمان شاهر بتهم فساد
