لأول مرة في تاريخ المغرب، تتولى امرأة رئاسة الحكومة. تعيين فاطمة الزهراء المنصوري ليس مجرد تغيير في اسم من يقود الجهاز التنفيذي، بل كسر لحاجز ظل قائما منذ الاستقلال.
غير أن قوة الرمز لا ينبغي أن تحجب صعوبة اللحظة السياسية: أغلبية يجب بناؤها، وبرلمان تغيرت موازينه، ومعارضة لن تكون سهلة يقف في مقدمتها حزب العدالة والتنمية العائد بـ54 مقعدا، وإلى جانبه تحالف يساري أكثر حضورا، فضلا عن حقيقة أثقل من كل الحسابات الحزبية: أغلبية كبيرة من الناخبين لم تتوجه أصلا إلى صناديق الاقتراع.
سيكون هناك، من الآن فصاعدا، ما قبل 29 شتنبر 2026 وما بعده. الملك محمد السادس عين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بـ97 مقعدا. ولأول مرة، تصبح امرأة مسؤولة عن تشكيل الحكومة وقيادتها، بعدما ظلت هذه الوظيفة، رغم الحضور المتزايد للنساء في البرلمان والحكومة والجماعات والمؤسسات، آخر الأبواب السياسية الكبرى التي لم تعبرها امرأة.
لهذه اللحظة دلالتها التي لا تحتاج إلى مبالغة. فمنذ اليوم، تستطيع فتاة مغربية أن تنظر إلى رئاسة الحكومة دون أن تكون أمام منصب لم تصل إليه امرأة قط. تلك في حد ذاتها صورة جديدة للسلطة ولإمكان الوصول إليها. لكن الرمزية، مهما كانت قوية، لها حدودها؛ فمن الغد لن يكون السؤال من هي أول امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة، بل ماذا ستفعل فاطمة الزهراء المنصوري وهي على رأسها؟
قطيعة تاريخية داخل استمرارية دستورية
لعل أول ما يلفت الانتباه في هذا التعيين أن الحدث تاريخي، لكن المسار الذي أنتجه دستوري ومألوف. حزب الأصالة والمعاصرة تصدر انتخابات 23 شتنبر، والملك عين رئيسة للحكومة من الحزب الذي جاء أولا، وفقا للفصل 47 من الدستور. الجديد، إذن، ليس في القاعدة، بل في الشخصية التي أصبحت تجسدها.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم دلالات اللحظة. فالمنصوري لم تصل إلى رئاسة الحكومة عبر استثناء صمم خصيصا لامرأة، بل عبر المسار نفسه الذي أوصل رؤساء الحكومات السابقين إلى المنصب. وهي أيضا ليست اسما ظهر فجأة بعد الانتخابات؛ فقد راكمت تجربة في تدبير مدينة مراكش، ثم في العمل الحكومي، قبل أن تصبح منسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة.
غير أن الانتقال من قيادة حزبية جماعية إلى رئاسة الحكومة سيغير بالضرورة طبيعة موقعها السياسي. فـ »البام » خاض الانتخابات بقيادة جماعية تضم، إلى جانب المنصوري، محمد المهدي بنسعيد وفاطمة السعدي، وانتصر بهذه الصيغة. أما الحكومة فلها منطق آخر: شخص واحد سيقود المشاورات، ويقترح فريقه الحكومي، ويعرض برنامجه أمام البرلمان، ويتحمل مسؤولية الاختيارات والقرارات. القيادة الجماعية للحزب قد تستمر، لكن مركز الثقل السياسي انتقل، منذ لحظة التكليف الملكي، إلى مكان آخر.
الفوز بالانتخابات لا يعني امتلاك الحكومة
حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدا من أصل 395. الرقم يكفي لمنحه المرتبة الأولى، لكنه لا يكفي للحكم منفردا. لذلك تبدأ الآن المهمة الأكثر تعقيدا: تحويل الفوز الانتخابي إلى أغلبية حكومية قادرة على نيل ثقة مجلس النواب والاستمرار متماسكة أمام الاختبارات التي ستفرضها الولاية المقبلة.
وهنا ستظهر أولى ملامح « منصوري رئيسة الحكومة »، لا « المنصوري أول امرأة رئيسة للحكومة ». مع من ستتحالف؟ وكم حزبا ستحتاج إليه؟ وما حجم التنازلات المتبادلة الضرورية لبناء الأغلبية؟ وكيف يمكن التوفيق بين برامج ومصالح وطموحات حزبية مختلفة داخل فريق حكومي واحد؟ فالتحالف الحكومي ليس عملية حسابية لجمع المقاعد حتى الوصول إلى الأغلبية، بل عقد سياسي ستظهر متانته الحقيقية عندما تبدأ الخلافات حول الميزانية والإصلاحات الاجتماعية والقرارات غير الشعبية.
في الجهة المقابلة… معارضة لن تكون سهلة
بعد تشكيل الأغلبية، ستبدأ معركة أخرى. فالمعارضة التي ستواجهها المنصوري تختلف كثيرا عن تلك التي عرفتها الولاية السابقة، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية الذي انتقل من 13 مقعدا سنة 2021 إلى 54 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، وحسم مجلسه الوطني بالإجماع قرار عدم المشاركة في الحكومة والاصطفاف في المعارضة. وبذلك يستعيد الحزب كتلة برلمانية تمنحه قدرة أكبر بكثير على المساءلة والمراقبة وصناعة النقاش السياسي.
وعلى الضفة الأخرى يوجد تحالف اليسار، المكون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، والذي انتقل إلى ثمانية مقاعد واختار بدوره موقع المعارضة. وزنه العددي أقل بكثير من العدالة والتنمية، لكن خطابه في قضايا العدالة الاجتماعية والحريات والحكامة وتوزيع الثروة قد يمنحه حضورا يتجاوز عدد مقاعده، خصوصا إذا استطاع تحويل خطابه الانتخابي إلى عمل رقابي وتشريعي منتظم.
وسيكون من الخطأ اختزال المشهد في جبهة واحدة ضد الحكومة. فالعدالة والتنمية وتحالف اليسار ينطلقان من مرجعيتين سياسيتين وفكريتين متباعدتين، وقد يعارضان الحكومة نفسها لأسباب مختلفة، بل وقد يختلفان بينهما في ملفات أساسية. وهذا بالضبط ما قد يجعل البرلمان المقبل أكثر حيوية: حكومة تواجه نقدا من يمينها ومن يسارها، كل بلغته وأولوياته وأدواته.
ولن تحظى المنصوري، على الأرجح، بمعاملة خاصة لأنها أول امرأة تقود الحكومة. سيحاسبها العدالة والتنمية على قراراتها، وسيعارضها اليسار انطلاقا من مرجعيته، وستستخدم بقية مكونات المعارضة أدواتها البرلمانية ضد حكومتها كلما رأت ذلك ضروريا. وربما تكون تلك، في حد ذاتها، إحدى علامات التطبيع الحقيقي مع هذا التحول: أن تعامل رئيسة الحكومة كرئيسة للحكومة، لا كامرأة ينبغي تجنيبها قسوة الصراع السياسي.
وهناك معارضة أخرى اسمها العزوف
لكن أمام فاطمة الزهراء المنصوري رقما ربما يكون أثقل سياسيا من مقاعد جميع أحزاب المعارضة: نسبة المشاركة التي لم تتجاوز حوالي 38 في المائة. أي أن ما يقارب ستة ناخبين من كل عشرة مسجلين لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع. وهنا تظهر مفارقة المرحلة بوضوح: المغرب يقدم واحدة من أقوى صور التجديد الرمزي في تاريخه السياسي بوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، في الوقت الذي اختارت فيه أغلبية الهيئة الناخبة البقاء خارج العملية الانتخابية.
لا تناقض بين الأمرين. وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمكن أن يغير صورة السلطة ويفتح أفقا جديدا أمام أجيال من المغربيات، لكنه لا يعيد وحده الثقة في السياسة. تلك الثقة تبنى في مكان آخر: في مستشفى يجد فيه المواطن طبيبا، ومدرسة تؤدي وظيفتها، وفرصة عمل لا تفرض على الشاب التفكير في الرحيل، وقدرة شرائية تحمي كرامة الأسرة، وإدارة تحترم المواطن، وشعور بأن صوته في صندوق الاقتراع يمكن أن يغير شيئا في حياته اليومية.
من « أول امرأة » إلى « رئيسة الحكومة »
سترافق عبارة « أول امرأة » فاطمة الزهراء المنصوري لبعض الوقت. ستكون أول امرأة تترأس مجلسا للحكومة، وأول امرأة تعرض برنامجا حكوميا بصفتها رئيسة للحكومة، وأول امرأة تقف في البرلمان للدفاع عن حصيلة حكومتها والرد على المعارضة. وهذا طبيعي، لأن اللحظات التاريخية تحتاج بعض الوقت قبل أن تتحول إلى أمر عادي.
لكن النجاح الحقيقي لهذا التحول سيظهر يوم نتوقف عن تكرار العبارة. يوم تناقش المنصوري باعتبارها رئيسة للحكومة فقط، وتحاسب على اختياراتها وتحالفاتها وقراراتها ونجاحاتها وإخفاقاتها، لا على كونها امرأة. فإسقاط سقف زجاجي لا يعني فقط أن تعبره امرأة لأول مرة، بل أن يصبح عبوره بعد ذلك أمرا لا يحتاج إلى تفسير.
فاطمة الزهراء المنصوري دخلت التاريخ يوم 29 شتنبر 2026، وهذه حقيقة أصبحت محسومة. أما مكانها في السياسة فلم يحسم بعد؛ فهو سيبدأ من قدرتها على بناء أغلبية، وتدبير اختلافاتها، ومواجهة عدالة وتنمية عاد بقوة إلى البرلمان، ويسار يريد استعادة صوته، والأهم من ذلك كله، إقناع جزء من المغاربة الذين لم يصوتوا بأن السياسة ما زالت تستحق اهتمامهم.
أن تكون أول امرأة على رأس الحكومة يضمن لفاطمة الزهراء المنصوري مكانا في التاريخ. أما ما ستفعله بالسلطة التي وضعت بين يديها، فهو الذي سيحدد مكانها في السياسة.
مشاهدة فاطمة الزهراء المنصوري التاريخ أولا والسياسة تبدأ غدا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ فاطمة الزهراء المنصوري التاريخ أولا والسياسة تبدأ غدا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، فاطمة الزهراء المنصوري.. التاريخ أولا والسياسة تبدأ غدا.
في الموقع ايضا :
- تربية ساحل حضرموت تستهدف 83 كادراً تربوياً في ورشة عمل حول "التقييم المستمر للصفوف (1&3): المشكلات والمعالجات"
- عاجل: صفارات الإنذار تدوي في نجران والدفاع المدني السعودي يعلن التأهب بعد رصد إطلاق صواريخ باتجاهها
- تحرك عاجل من وزارة الأسرة في قضية الطفلة يقين
