"زوق تبيع" ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

يبدو أن القائمين على شؤون منظومتنا التربوية لم يفرغوا بعد ما في جعبتهم من أفكار بالكامل، إذ ما يزالون يجتهدون ويكدون في وضع التصورات وابتكار المناهج، لا لشيء في اعتقادي إلا ليثبتوا لمشغليهم بأن استمرار صرف أجورهم له فعلًا ما يبرره، شأنهم في ذلك شأن مهندسي “مايكروسوفت” الذين ما فتئوا يطورون إمكانات الحواسيب وأدائها واستعمالاتها حتى أضحت التفاصيل الصغيرة ـ والتي قد لا تنطوي دائمًا على فائدة تذكر ـ تعد بالمئات.

وهكذا، فبعد اختراع مفهوم “مدارس الريادة” ـ الذي لم أمنح لنفسي بعد الفرصة لفهم كنهه، لعلمي المسبق بأن أيامه معدودة، ولعلمي كذلك بأن الوزير الوصي الذي ارتبط اسمه به عائد لا محالة إلى عجين بسكويته ـ انتهى إلى علمي أن خبراء في مجال التربية والتعليم في زمننا العجيب هذا اهتدوا بمختبراتهم الجهنمية إلى استراتيجية جديدة ما أنزل الله بها من سلطان، ألا وهي إخضاع الوافدين الجدد على مؤسسات تعليمية خصوصية بعينها لاختبار قبل قبول تسجيلهم بالقسم التحضيري. لماذا هذا الاختبار؟ ربما هم أنفسهم غير مقتنعين بفائدته، ما دام أن الرسوب فيه يعني تفريط المدرسة في زبون، وفي هذا إضرار واضح بمصالحها المادية قبل كل شيء، اللهم إلا إذا كان الإقبال عليها بنفس درجة إقبال المسلمين على الحرمين الشريفين.

    هذه المهزلة المدوية عاشها قبل سنة من الآن أحد أقاربي عندما هم بتسجيل ابنه بمدرسة من مدارس مدينته “الراقية”. كان على أتم الاستعداد للامتثال لكل الشروط المادية ـ بما في ذلك مصاريف التسجيل المثيرة للجدل ورسوم الدراسة الشهرية التي تكاد تعادل الحد الأدنى للأجور ـ لكنه لم يكن ينتظر إطلاقًا إخضاع ابنه لاختبار الولوج الذي اعتبره المدير التربوي شرطًا من شروط القبول. كان من الطبيعي أن ينفعل القريب، ليس خشية رسوب فلذة كبده، بل لكونه وجد صعوبة كبيرة في استساغة مبدأ الاختبار نفسه، ومن فرط الصدمة لم يتمالك أعصابه فبدأ يزبد ويرغي مطالبًا بتفسير مقنع لما هو حاصل. لقد عدّ الأمر فضيحة وبدعة بكل المعاني وكل المقاييس، وتعسفًا في حق الزبناء الصغار، بل وذهب أبعد من ذلك حيث هدد باللجوء إلى القضاء والترافع بطرق أخرى لانتزاع حق الأطفال في التمدرس في أي مدرسة تتوفر على مقاعد شاغرة، وفي غياب ما يمنع ذلك من الناحية القانونية لا غير، وخاصة على مستوى التعليم الأساسي.

    المنبهرون بهذا الصنف من المدارس لا يهمهم إطلاقًا ما إذا كان هذا الإجراء قانونيًا أم لا. فهذه الصروح العصرية ـ في تصورهم ـ مؤسسات “عظيمة” بنت سمعتها على الجدية والانضباط، وبالتالي فمن حقها أن تصون صورتها ومكتسباتها باتخاذ ما يلزم من تدابير، حتى وإن بدت غريبة وغير منطقية في أعين الكثيرين. ومن الطبيعي ألا يجد هؤلاء حرجًا في قبول شرط إخضاع أبنائهم لاختبار الولوج، ما دام أن “البرستيج” المرتبط بالانتساب لهكذا مدارس أهم بكثير من أي اعتبار آخر.

    ومن المفترض ألا يخفى على أي إنسان قادر على التمييز الأهداف الآنية والبعيدة من وراء فرض الاختبار. فالمدرسة التي تتبنى هذا الإجراء ـ إضافة إلى اعتماد مساحيق تجميلية رخيصة أو نفيسة أخرى ـ غالبًا ما يكون همها الرئيس هو تلميع صورتها حتى تظهر بمظهر المؤسسة الصارمة والجادة التي تضع الجودة ومصلحة الناشئة في مقدمة هواجسها، وتضع “وسخ الدنيا” في ذيل اهتماماتها. والأطفال الذين يفلحون في اجتياز الاختبار غالبًا ما يكونون مؤهلين للتفوق في دراستهم بحكم مؤهلاتهم الذاتية أساسًا، والمدرسة المحتضنة ـ وفي تجاهل تام لقدرات التلاميذ ولمجهودات الأسر والمدرسين السابقين ـ لا تتردد أبدًا في الركوب على هذا التفوق لتعطي للسذج من الآباء الانطباع بأنها هي من صنعت “عبقرية” أبنائهم، وإليها فقط يعود الفضل في بلوغ نسبة النجاح 100% على مستوى الامتحانات الإشهادية، وبالتالي فهي تستحق المدح والتنويه والدعاية وما تراكمه من أموال أيضًا، بينما هي في الواقع لا تصنع التفوق بل تكتفي باشتراط توفره قبل ولوجها.

    إني أتفهم فرض الخضوع لاختبار معين عندما يتعلق الأمر بالالتحاق بالمؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المحدود، أو عندما يكون التقييم بغرض التوظيف، لكن جعل ولوج التحضيري عقبة في أول الطريق بفرضه على طفل غادر للتو روض الأطفال حيث قضى معظم وقته في اللعب والتلوين، ويميز بالكاد بين الأرقام والحروف، فهذا لعمري مس خطير بحقه في التعلم. ليس بهذه الكيفية نقيم رصيد وذكاء المقبل على التسجيل بالمستوى التحضيري، بل لا حق لأي كان أصلًا أن يلتجئ إلى هذا التقييم، ما دام أن منطق الأشياء يقتضي أولًا إخضاع هذا الأخير للتمدرس الرسمي والطويل والمنتظم. بعبارة أخرى، التقييم يأتي بعد التحصيل وليس قبله. أما الرسوب في هكذا اختبار فإنه يعني بكل بساطة أن ابنك بليد، وليس لبلادته علاج، وأن مكانه الحقيقي والطبيعي لا يمكن أن يوجد إلا بمدرسة “واطئة”.

    بكل تأكيد، ليس بالانكباب على تطوير الشكليات سننجح في تطوير منظومتنا التربوية وتحسين مردوديتها (وإلا كيف يمكن تفسير التجاء معظم ـ إن لم أقل كل ـ مرتادي المدارس المخملية لدروس الدعم؟ ألا ينطوي هذا المعطى على مفارقة غريبة ومضحكة؟ وكيف يمكن تفسير النفخ الممنهج في النقط المحصل عليها؟ وكيف يمكن تفسير الاقتصار على ذكر ملاحظات المدرسين الإيجابية؟)، وليس بإنتاج الفقاعات سننقذ مدرستنا المغربية من حالة التخبط والارتجال التي لازمتها لعقود، وليس بتكريس الطبقية في مجال الخدمات التعليمية سيكون بوسعنا تعبئة السواعد والأدمغة لخدمة المجتمع على النحو المنشود.

    للأسف، سياسة “زوق تبيع” أبانت عن نجاعتها حتى أصبح الانتساب للمدرسة العمومية بمثابة سبة في عرف الكثيرين، إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي يعي فيه أولياء الأمور بأن التلميذ أو الطالب المسلح بعزيمة من حديد ونفس طويل هو وحده المؤهل لاجتياز كل المراحل الدراسية بنجاح واستحقاق، وهو وحده المؤهل لانتزاع منصب شغل محترم بعد تخرجه، وذلك بصرف النظر عن قيمة الميزانية التي خصصت لتمدرسه. هناك أطر عليا محترمة كثيرة عرفها المغرب المستقل، وانتماء العديد منها إلى أوساط اجتماعية متواضعة لم يمنعها من فرض ذاتها طوال مسارها الدراسي، بل من هؤلاء من لم يسبق له أن استفاد ولو من حصة دعم واحدة، ناهيك عن رسوم الدراسة التي لم يكن لها وجود تقريبًا على امتداد عقود من الزمن. حتى المقررات المدرسية لم تبخل بها المدارس العمومية، فكانت تتفضل مشكورة بإعارتها للجميع مع انطلاق كل موسم دراسي، على أن تستردها قبيل بداية العطلة الصيفية بعد أن تكون قد أدت مهمتها.

    يبدو أن أزمة التعليم لن تزيد إلا استفحالًا وتعقيدًا، وخاصة إذا ما جيء بوزير وصي جديد من عالم الشوكولاتة أو من عالم “المصاصات” هذه المرة. ويبدو أيضًا أن السلطات التعليمية لن تحرك ساكنًا إلا بعد الشروع في نشر أخبار مؤكدة بعناوين من قبيل:

    إقدام طفل على الانتحار بعد فشله في ضمان مقعد بالقسم التحضيري.

    أو: أب يهدد بإسقاط أسنان مدير مدرسة خصوصية إن هو أصر على رفض إعفاء ابنته من اجتياز اختبار التحضيري.

    أو: منظمات حقوقية دولية تدخل على خط مستجدات التحضيري بالمغرب.

    أو: أم تصاب بالإغماء بعد رسوب ابنها في اختبار ولوج التحضيري وحرمانه من الدورة الاستدراكية.

    … إنها دعابة بطبيعة الحال.

    ملاحظتان ختاميتان تستحقان التأمل:

    1ـ بلغني وأنا أبحث في موضوع هذا المقال أن ثمة مدارس ابتدائية عمومية استثنائية بمقاطعة كيبيك الكندية معروفة بنعت “دولية” وتتخذ من التميز شعارًا لها. انتقاء تلاميذ المستوى الأول الجدد بهذه المدارس يكون اعتمادًا على القرعة بشكل حصري، على أن تتكفل أطرها فيما بعد بصناعة الجودة. علاوة على هذا، تلتزم كل مدرسة من هذا الصنف بقبول تسجيل كل إخوة التلميذ المنتقى عندما يبلغون سن التمدرس، حتى لا يجد الآباء أنفسهم في مواجهة طبقية تعليمية داخل الأسرة الواحدة.

    2ـ في المقابل، بلغني أيضًا ـ والعهدة على الراوي ـ أن ثمة مؤسسات تعليمية خاصة مغربية من الصنف “الراقي” لا تتورع عن الالتجاء إلى ما يشبه الطرد في حق التلاميذ الفاشلين، حتى لا يتسببوا في اختلال نسبة النجاح المحددة سلفًا في 100%!!!!!!

    وكما تلاحظ، عزيزي القارئ، هناك من يحمل عقلًا يفكر به، وهناك من يحمل رأسًا يثقل به كتفيه لا غير.

    "زوق تبيع" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة زوق تبيع

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ زوق تبيع قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، "زوق تبيع".

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار