كتلة المصالحة التاريخية ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

بعد أول يوم من المشاورات التي فتحتها رئيسة الحكومة المعيّنة، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري، مع قادة الأحزاب السياسية، بدأت ملامح الأغلبية الحكومية في الظهور، بعدما مالت المؤشرات، العلنية والداخلية لحزب التجمع الوطني للأحرار، إلى أنه أقرب إلى موقع المعارضة منه إلى تحالف يقوده حزب الأصالة والمعاصرة في الحكومة.

وأكثر ما ظهر خلال الساعات الماضية هو أن فرضية إعادة إنتاج الأغلبية الحكومية السابقة، مع مجرد تبادل المواقع بين التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، لم تعد الاحتمال الأقرب إلى الواقع، وربما لم تعد حتى الأكثر بساطة من الناحية السياسية، رغم أنها تبقى الأسهل حسابيا.

    التصريحات التي أعقبت لقاء وفد الأحرار بفاطمة الزهراء المنصوري ظلت شديدة العمومية؛ تحدث محمد شوكي عن “الوضوح والصراحة” وعن استحضار “المصلحة العليا للوطن”، دون أن يعلن رغبة حزبه في المشاركة، فيما تميل معطيات ونقاشات داخلية إلى إبقاء فرضية المعارضة واردة بقوة.

    في المقابل، محور الأصالة والمعاصرة والاستقلال لا تظهر في طريقه، إلى حدود الساعة، عقبات سياسية كبيرة، وإلى جانبه الاتحاد الاشتراكي الذي جاء إلى المشاورات دون مؤشرات على انغلاق مسبق تجاه المشاركة، ثم حزب التقدم والاشتراكية الذي خرج أمينه العام نبيل بنعبد الله ليقول إن القرار لم يُحسم بعد، لكنه تحدث بوضوح عن “نقاط التقاء” بين حزبه والبام وبين برنامجيهما الانتخابيين.

    قبل يوم واحد فقط، عندما استعرضت في هذا الركن السيناريوهات الممكنة لتشكيل الحكومة، بدا لي أن جمع البام بأحزاب “الكتلة الديمقراطية” السابقة واحد من الاحتمالات التي تستحق التوقف عندها، وجعل الصديق عبد الله الترابي، خلال حلقتنا الأخيرة من برنامج “من الرباط”، هذا السيناريو يبدو أكثر تماسكا من مجرد عملية تركيب حسابي للمقاعد، والتي يمكن أن تمرّ عبر طريق آخر يضم الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، بدل حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

    اليوم، وبعد الجولة الأولى من المشاورات، يبدو أن هذا الاحتمال يستحق أن يؤخذ بجدية أكبر، ليس لأنه يضمن بلوغ الأغلبية العددية في مجلس النواب (207 مقاعد من أصل 395)، بل لأنه قد يحمل، إن تحقق، معنى سياسيا يتجاوز بكثير مسألة الوصول إلى عتبة الأغلبية الحسابية.

    قبل أكثر من ثلاثة عقود، تأسست “الكتلة الديمقراطية” في سياق سياسي مختلف تماما، وضمت أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، إلى جانب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. وكانت وقتها تعبيرا عن تنسيق لقوى خرج جزء كبير منها من الحركة الوطنية والمعارضة، وحملت مطالب إصلاحية ودستورية انتهت، بعد مسار طويل، إلى تجربة التناوب التوافقي.

    لا يمكن طبعا إعادة إنتاج تلك اللحظة اليوم، ولا معنى لمحاولة استنساخ تاريخ انتهت شروطه وسياقاته. لكن السياسة، مثل التاريخ، تحب أحيانا أن تعيد تركيب عناصر قديمة في أشكال جديدة.

    وإذا اجتمع الأصالة والمعاصرة اليوم مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية في أغلبية حكومية واحدة، فلن نكون أمام عودة “الكتلة الديمقراطية”، بل أمام شيء آخر مختلف تماما، وربما أمام ما يمكن تسميته، باستعارة معدّلة من قاموس محمد عابد الجابري، “كتلة المصالحة التاريخية”.

    أستخدم كلمة “المصالحة” هنا بكامل معناها السياسي. فحزب الأصالة والمعاصرة لم يولد في فراغ. بل ظهر سنة 2008 في سياق إعادة هندسة واسعة للمشهد الحزبي، وكان أحد أبرز عناوين مرحلته الأولى مواجهة صعود حزب العدالة والتنمية. هذا جانب موثق ومعروف من قصة التأسيس. لكن الرسالة التي حملها ظهوره لم تكن موجهة إلى الإسلاميين وحدهم. فقد بدا، في جزء من الخطاب والممارسة السياسية اللذين رافقا صعوده، كما لو أن النظام الحزبي القديم كله أصبح متجاوزا، وأن الأحزاب التاريخية التي خرجت من رحم الحركة الوطنية أو من المعارضة اليسارية لم تعد قادرة على ضمان التوازن أو إنتاج نخب سياسية بالحيوية المطلوبة لمواكبة صعود الإسلاميين.

    بمعنى آخر، لم يكن “الجرار” ينافس العدالة والتنمية فقط، بل كان في إحدى قراءات لحظة ظهوره يعلن بشكل ضمني أن الزمن الحزبي القديم انتهى، وأن فاعلا جديدا جاء ليملأ فراغ الأحزاب التي استُهلكت تنظيميا وانتخابيا.

    لهذا قد يكون دخول البام اليوم إلى الحكومة متكئا على الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أكثر من مجرد تحالف بين أربعة أحزاب. سيكون، إن تحقق، تسوية رمزية مع جزء كبير من التاريخ الحزبي الذي جاء الحزب الجديد في لحظة ما وكأنه يريد تجاوزه.

    قبل سنوات طويلة، كتب محمد عابد الجابري عن “الكتلة التاريخية”، ولم يكن يقصد مجرد جبهة حزبية أو اتفاق انتخابي، بل وفاقا سياسيا واجتماعيا أوسع بين القوى القادرة على الفعل في المجتمع حول أهداف تاريخية مشتركة. ولسنا هنا بصدد إسقاط مفهوم الجابري على الحكومة الاخذة في التشكل، ولا الادعاء بأن أربعة أحزاب يمكنها اليوم إنتاج ما كان يقصده هذا المفكّر في سياق فكري وسياسي مختلف كثيرا.

    لكن ما قد يحصل اليوم، إذا اكتمل هذا السيناريو، هو مصالحة بين حزب عمره أقل من عشرين سنة، يحمل ثقلا انتخابيا وتنظيميا كبيرا ويقود الحكومة للمرة الأولى، يجد نفسه مطالبا بالاستناد إلى أحزاب عمر بعضها يقترب من قرن كامل، وبناء شرعيته الحكومية معها لا ضدها.

    هل يحتاج الأصالة والمعاصرة إلى هذه “الشرعية التاريخية”؟ ربما ليس بالمعنى القانوني أو العددي، فهو تصدر الانتخابات وعيّن الملك زعيمته رئيسة للحكومة وفقا للدستور. لكنه يحتاج، مثل أي حزب يقود الحكومة لأول مرة، إلى إنتاج معنى سياسي لتحالفه، وإلا تحولت الأغلبية إلى مجرد مجموع مقاعد يضمن تمرير القوانين والتصويت على الميزانية. وهنا تصبح صيغة الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ذات جاذبية سياسية خاصة.

    الاستقلال لا يمثل مشكلة كبيرة في هذا التركيب. تعادليته ومحافظته الاجتماعية سمحتا له تاريخيا بالتعايش مع قوى يسارية وليبرالية مختلفة، وهو كان أصلا أحد أعمدة تجربة الكتلة الديمقراطية. أما الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية فيمنحان أي تحالف من هذا النوع نبرة “يسارية-حداثية” أو على الأقل قدرة على تقديم نفسه بهذا الشكل.

    لكن هنا تبدأ المشكلة أيضا. فإذا كان البام يريد أن يستند إلى هذه الأحزاب لبناء أغلبية ذات معنى سياسي، فلا يكفي أن تكون حداثته هي الدفاع عن الحريات الفردية، أو أن تقتصر يساريته الاجتماعية على عناوين الحملات الانتخابية. سيكون مطالبا بإظهار حداثة سياسية أيضا في علاقة الحكومة بالمؤسسات، وفي احترام مكانة البرلمان، وفي تدبير الاختلاف، وفي تخليق الحياة العامة، وفي بناء الثقة التي أظهرت نسبة المشاركة الانتخابية الأخيرة مقدار ما أصابها من عطب.

    وهذه تحديدا بعض النقاط التي قال نبيل بنعبد الله إنه طرحها خلال لقائه بالمنصوري، وهي الديمقراطية والحقوق، والانفراج السياسي، وتخليق الحياة العامة، والوضع الاجتماعي، وإعادة بناء الثقة، قبل أن يتحدث عن “نقاط التقاء عديدة” بين برنامجي الحزبين.

    ستكون “كتلة المصالحة التاريخية” التي قد تنشأ اليوم، أمام سؤال هل يمكن للأحزاب التاريخية أن تمنح الأصالة والمعاصرة عمقا سياسيا، وفي المقابل يمنحها الحزب المتصدر للانتخابات فرصة للعودة إلى قلب القرار الحكومي، دون أن يذوب الجميع في حكومة بلا لون ولا هوية؟ وهل نحن أمام تحالف سيعيد الاعتبار للعمل الحزبي، أم أمام مجرد تبادل جديد للمواقع بين نخب تعرف بعضها منذ سنوات وتلتقي وتفترق حسب موازين المقاعد؟

    يمكن للبام والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أن يشكلوا أغلبية كافية حسابيا. لكن الأهم هو أن اجتماعهم، إذا وقع، سيجمع داخل حكومة واحدة الحزب الذي مثّل قبل أقل من عشرين سنة عنوانا لـ”الجديد” الذي جاء لتجاوز القديم، مع أبرز ما بقي من ذلك “القديم” نفسه.

    قد تكون هذه مفارقة السياسة، كما يمكن أن تكون إحدى فضائلها. فالأحزاب، في النهاية، لا تعيش كي تنتقم من تاريخها، بل كي تتكيف معه. وإذا انتهت مشاورات فاطمة الزهراء المنصوري إلى هذا الخيار، فلن نكون أمام عودة “الكتلة الديمقراطية”، ولا أمام “كتلة تاريخية” بالمعنى الذي أراده الجابري.

    سنكون، ببساطة، أمام كتلة مصالحة تاريخية بين حزب جاء في زمن ما ليعلن نهاية مرحلة، وأحزاب قد يحتاج إليها اليوم كي يبدأ مرحلته الجديدة.

    كتلة المصالحة التاريخية صوت المغرب.

    مشاهدة كتلة المصالحة التاريخية

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ كتلة المصالحة التاريخية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، كتلة المصالحة التاريخية.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار