… وأين الثقافة التي تبني الإنسان
*بقلم الفنان الناقدعزّ الدين الباجي
منذ تولّي أمينة الصرارفي، (ذات التكوين الموسيقي)، وزارة الشؤون الثقافية، بدا لي أنّ الثقافة اختُزلت بصورة متزايدة في تكاثر التظاهرات الموسيقية والحفلات واستقدام الفنانين، حتى أصبح النشاط الموسيقي يحتل مساحة تكاد تطغى على بقية مجالات الثقافة. وأنا لا أتحدث هنا عن غياب النشاط، ولا أعترض على أن يكون للموسيقى والفن حضورهما داخل المشهد الثقافي، وإنما أطرح سؤالاً أعمق: أين هو المشروع الثقافي الشامل الذي ينظر إلى الثقافة باعتبارها منظومة تبني الإنسان، وتصون الذاكرة، وتنتج المعرفة والقيمة، وتصنع المستقبل؟
فالوزارة ليست مؤسسة لتنظيم الحفلات، والوزيرة لا تُقاس مهمتها بعدد السهرات التي أقيمت في عهدها، والتي حضرت معظمها، وإنما بما تتركه من أثر في الإنسان والمجتمع، وبما تبنيه من مشاريع تستمر بعد انتهاء التظاهرة وانطفاء الأضواء.وما يلفت الانتباه، بل يستحق أن يكون مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة السياسة الثقافية خلال هذه الفترة، هو أن استقدام الفنانين العرب والأجانب لم يعد يقتصر على المهرجانات الصيفية الكبرى، مثل مهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الحمامات الدولي ومهرجان أوذنة ومهرجان بوقرنين، ولا على مهرجان طبرقة للجاز الذي كان تابعاً لوزارة السياحة، قبل أن تحوّل الوزيرة وجهته هذه السنة إلى وزارة الشؤون الثقافية، بل تعدّى ذلك ليصبح استقدام الفنانين الأجانب على مدار السنة، وفي مناسبات وتظاهرات متعددة.ففي سنة 2025 أحيا رامي عياش حفلاً بمناسبة اليوم العالمي للموسيقى، ثم تواصل هذا التوجه في مناسبات أخرى، من بينها «أكتوبر الموسيقي» و«رمضان في المدينة». وفي الدورة السادسة من «رمضان في المدينة» سنة 2026، برمجت تظاهرة مسرح أوبرا تونس، إلى جانب الفنانين التونسيين، أسماء عربية وأجنبية من بينها عبير نعمة، والشاب مامي، والعازف التركي آيتاش دوقان، وفرقة ناس الغيوان المغربية، وكارول سماحة. كما عادت وزارة الشؤون الثقافية لتنظيم مهرجان طبرقة للجاز سنة 2026 بعد انقطاع دام ست سنوات، ببرمجة تجمع أسماء تونسية وعالمية.أنا لا أعترض على حضور الفنان الأجنبي، ولا أعتبر الانفتاح على التجارب العربية والعالمية خطأ في حد ذاته، ولكنني أسأل عن الكلفة والغاية والتوازن: كم تُصرف من العملة الصعبة؟ وما المردود الثقافي الحقيقي؟ وما نصيب الفنان التونسي من هذه السياسة؟ وأين هو التبادل الثقافي إذا كان الاستقدام يسير أساساً في اتجاه واحد؟فالتبادل الثقافي ليس أن يأتي الفنان الأجنبي إلى تونس فقط، بل أن يخرج الفنان التونسي أيضاً إلى العالم، وأن تتحول الدولة من مستهلك للعروض الأجنبية إلى شريك قادر على تصدير تجربته وفنانيه ومبدعيه.وهنا تصبح مسألة العملة الصعبة أكثر إلحاحاً. فقد صرحت المكلفة بالإعلام، في إحدى القنوات التلفزية وكذلك بإذاعة موزاييك، بأن السقف محدد بالنسبة إلى الحفلات الخاصة، بينما لا يبدو، وفق ما ورد في ذلك التصريح، أن السقف نفسه محدد بالنسبة إلى التظاهرات العمومية. وهذا يطرح سؤالاً واضحاً: إذا كان للإنفاق الخاص سقف، فأين سقف الإنفاق العمومي على الفنانين الأجانب؟ ومن يحدد هذا الإنفاق؟ وبأي معيار؟ وما المقابل الثقافي الذي تحصل عليه تونس؟إن الأمر لا يتعلق هنا برفض الفنان الأجنبي، وإنما بضرورة أن تكون للعملة الصعبة التي تنفقها الدولة وظيفة ثقافية واضحة، وأن نعرف هل نحن أمام سياسة للتبادل الثقافي أم أمام استقدام متواصل لفنانين من الخارج دون سياسة موازية لإخراج الفنان التونسي.وحين أرى شاباً في مقتبل العمر، في سنّ المراهقة، يبكي من أجل فنان، أو فتيات مراهقات ينتظرن الفنانين في المطارات والفنادق، فإنني لا ألوم هؤلاء الشباب على حبهم لفنان أو إعجابهم به، وإنما أسأل عن مسؤولية المنظومة التي تصنع المشهد وتحدد ما يراه الطفل والمراهق يومياً.المراهق لا يولد وهو يحمل هذا التعلق، وإنما يتشكل وعيه وذوقه تحت تأثير ما نضعه أمامه باستمرار.فإذا كانت الدولة تفتح المنابر والأضواء والفضاءات الكبرى للنجم الغنائي، وتمنحه حضوراً جماهيرياً وإعلامياً واسعاً، ثم لا تمنح الكاتب والشاعر والمسرحي والمخرج والموسيقي والفنان التشكيلي والمفكر الحضور نفسه، فماذا ننتظر من هذا الجيل؟أين الكتاب؟ أين المسرح؟ أين السينما؟ أين المشاريع الموسيقية؟ أين نوادي القراءة؟ أين مسرح الطفل؟ أين السينما في الأحياء والجهات؟ أين اكتشاف المواهب؟ وأين البرامج التي تجعل الثقافة جزءاً من حياة المواطن اليومية، لا مجرد موعد موسمي ينتظره ليتفرج ثم ينصرف؟ليس مطلوباً من الثقافة أن تمنع المراهق من أن يحب فناناً، وإنما المطلوب أن تمنحه خيارات ثقافية أوسع، وأن تفتح أمامه أبواب الكتاب والمسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية والتراث، حتى لا يصبح النجم الغنائي هو النموذج الثقافي الوحيد الذي يعرفه ويتعلق به.وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية: ماذا فعلت منظومتنا الثقافية حتى أصبح هذا النموذج هو الأكثر حضوراً وتأثيراً في وجدان أبنائنا؟فهل مهمة وزارة الشؤون الثقافية أن تملأ الساحات بالنجوم، أم أن تبني الإنسان؟وهنا يكمن الخلط الذي أراه خطيراً بين النشاط الثقافي والسياسة الثقافية.النشاط ينتهي بانتهاء الحفل، أما السياسة الثقافية فتبدأ نتائجها بعد انتهاء الحفل.المهرجان وسيلة وليس غاية، والحفل جزء من الثقافة وليس الثقافة كلها، والنجم جزء من المشهد وليس المشهد كله.حتى امتلاء المسارح لا يمكن أن يكون وحده معياراً لنجاح السياسة الثقافية. السؤال الحقيقي هو: ماذا بقي بعد المهرجان؟ هل خرج طفل وفي يده كتاب؟ هل اكتُشفت موهبة؟ هل تأسست فرقة؟ هل وُلد مشروع مسرحي أو سينمائي؟ هل وصل الفنان التونسي إلى جمهور جديد؟ هل خرج فنانون تونسيون إلى الخارج؟ هل تحول الإنفاق إلى قيمة ثقافية واقتصادية مستدامة؟
أما أن ينتهي المشهد بانتهاء السهرة، بعد أن يبقى الفنان والجمهور والصورة والفيديو والانتشار على شبكات التواصل، ثم لا نجد مشروعاً ثقافياً متراكماً، فهنا نكون أمام ثقافة استهلاك لا ثقافة بناء.وأنا لا أحمل الثقافة وحدها مسؤولية العنف والجريمة والانحراف، فهناك الأسرة والمدرسة والإعلام والأمن والقضاء ومؤسسات التنشئة الاجتماعية. لكن الثقافة تظل قادرة على المساهمة في بناء الشخصية، وصناعة الذوق، وتقديم نماذج أخرى للشباب، وربط الإنسان بالكتاب والمعرفة والفن والإبداع.لذلك فإن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس: كم مهرجاناً أقيم؟ وكم حفلاً نظمنا؟ وكم فناناً أجنبياً استقدمنا؟السؤال هو: ماذا تغير في حياة التونسي الثقافية؟ماذا حدث للكتاب؟ ماذا حدث للمسرح؟ ماذا حدث للسينما؟ ماذا حدث للموسيقى؟ ماذا حدث للفنون التشكيلية؟ ماذا حدث للتراث؟ ماذا حدث للثقافة في الأحياء والجهات؟ وماذا حدث للفنان التونسي الذي يفترض أن يكون محور السياسة الثقافية، لا مجرد اسم يضاف إلى برنامج يضم نجوماً من الخارج؟إن تونس لا تحتاج إلى وزارة تعدّ عدد التظاهرات، وإنما إلى وزارة تقيس القيمة التي تتركها التظاهرات.وهنا نصل إلى جوهر ما أسميه «ثقافة المعنى».ثقافة تنتقل من إدارة النشاط إلى بناء السياسة الثقافية، ومن الحفل إلى المشروع، ومن المناسبة إلى التراكم، ومن المركزية إلى الجهات والأحياء، ومن الدعم الظرفي إلى الاستثمار في الإنسان والمبدع والمشروع، ومن عدّ الأنشطة إلى قياس أثرها.ثقافة تجعل الكتاب مشروعاً وطنياً، والمسرح أداة لبناء الإنسان، والسينما وسيلة للوعي، والموسيقى مجالاً للإبداع والتربية، والتراث ذاكرة حية تنتج المعرفة والقيمة، والدبلوماسية الثقافية طريقاً لخروج الفنان التونسي إلى العالم، لا مجرد باب لدخول الفنان الأجنبي إلى تونس.فبعد أن تنطفئ الأضواء، ويرحل الفنانون، ويغادر الجمهور الساحات، ماذا يبقى؟يبقى هذا السؤال معلقاً أمام وزارة الشؤون الثقافية: هل نحن بصدد بناء ثقافة، أم بصدد إدارة تظاهرات؟لأن الثقافة ليست عدد الحفلات، ولا عدد النجوم، ولا حجم الضجيج الذي تصنعه المناسبات.الثقافة هي ما يبقى في الإنسان بعد أن ينتهي العرض.وزارة الشؤون الثقافية تبحث عن الثقافة… فأين الثقافة؟ تلك هي ثقافة المعنى.
عز الدين الباجيظهرت المقالة وزارة الشؤون الثقافية تبحث عن الثقافة- سنتان من التظاهرات! فأين المشروع؟ … أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة وزارة الشؤون الثقافية تبحث عن الثقافة سنتان من التظاهرات فأين المشروع
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ وزارة الشؤون الثقافية تبحث عن الثقافة سنتان من التظاهرات فأين المشروع قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، وزارة الشؤون الثقافية تبحث عن الثقافة- سنتان من التظاهرات! فأين المشروع؟ ….
في الموقع ايضا :
- المستشفى الجامعي المنجي سليم بالمرسى.. انطلاق العمل بتطبيقة لتعزيز سرعة التكفل بمرضى الجلطات الدماغية
- تونس توقع مع الجزائر وإيطاليا والنمسا وألمانيا على "إعلان الجزائر الوزاري" بشأن مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي
- الجيش فتح طريق الضنية - طرابلس بعد قطعها من أصحاب شاحنات نقل البضائع والمواد الأولية
