عائد من الجنوب ...لبنان

قناة المنار - اخبار عربية
عائد من الجنوب

بقلم: عبدالله البحراني

في الماحوز، حيث تحمل البيوت القديمة شيئًا من ذاكرة البحرين، كان اسم الشيخ علي جعفر الماحوزي يُنطق بمحبةٍ تشبه الدعاء. لم يكن أحدٌ يتخيّل أن الطريق سيحمله يومًا بعيدًا عن نخيل البحرين، إلى الجنوب اللبناني؛ إلى أرضٍ لا يعرفها إلا الذين حملوا قلوبهم على أكفّهم، ومضوا حيث يكون الناس في حاجةٍ إلى من يقف إلى جانبهم.

    كان الشيخ علي، وقد ناهز الخمسين، يعرف أن المسافات لا تُقاس بعدد الكيلومترات. فبين الماحوز وبنت جبيل، كانت هناك مسافة قلب؛ قلبٌ يرى أن المظلوم، مهما ابتعد، جارٌ في العقيدة والإنسانية، وأن الوقوف إلى جانبه ليس غربةً كاملة، بل عودة إلى معنى أعمق للانتماء.

    ولعلّ الغربة بين لبنان والبحرين لم تكن يومًا غربة شعوبٍ بالمعنى الكامل. فبين ضفتي الخليج والمتوسط، ظلت هناك ذاكرة إنسانية تتجاوز الحدود والجغرافيا؛ محبةٌ تتوارثها القلوب، ووجوهٌ تتعارف عليها قبل أن تلتقيها العيون. وحين يبتعد الإنسان عن وطنه، يكتشف أن الوطن ليس ترابًا وحده؛ قد يكون وجهًا يطمئن إليه، أو قريةً تحتضنه، أو أناسًا يشعر بينهم أنه لم يبتعد تمامًا. وربما كانت أجمل صور الغربة أن يجد الإنسان في مكانٍ آخر من يفتح له بابًا، فيصبح الغريب مألوفًا، والبعيد قريبًا، والوطن الأول حاضرًا في وطنٍ ثانٍ لا يلغي الأصل، بل يحفظه في الذاكرة.

    في السابع من نيسان (أبريل)، تغيّر كل شيء.

    كانت السماء فوق الجنوب مثقلةً بالدخان، والأرض ترتجف تحت قصفٍ لا يترك للخطوات وقتًا كي تلتفت إلى الوراء. مضى علي في مهمته، كما مضى رفاقه، هادئًا رغم ضجيج الخطر. لم يكن يحمل معه سوى ما يحتاجه رجلٌ ذاهب إلى واجبه: يقينٌ لا يضطرب، وذكرى بعيدة لقريةٍ بحرينيةٍ ستبقى تنتظره، ودعاءٌ لم يكتمل آخره.

    ثم انقطع الخبر.

    قيل إن القصف اشتدّ، وإن المكان صار مغلقًا بالنار، لا يستطيع إليه أحدٌ سبيلًا. ظلّ اسمه معلّقًا بين الرجاء واليقين، كأنّه بابٌ لم يُفتح بعد.

    وفي البحرين، كانت العيون تبحث في كل خبر، والأمهات يرفعن أيديهنّ إلى السماء، فيما كان الذين عرفوه يقولون:

    — سيعود… ولو بعد حين.

    لكن بعض الغائبين لا يعودون بالطريقة التي ننتظرها.

    بعد وقتٍ طويل، عثرت الفرق الصحية على الجثمان. لم يكن الطريق آمنًا، ولم تكن المعارك قد هدأت بما يكفي لنقله بعيدًا. فدُفن علي مؤقتًا، وديعةً في إحدى قرى الجنوب المتاخمة لمكان استشهاده، كأن الأرض قالت لأهله: اطمئنوا، لن أتركه وحيدًا.

    مرّت الأشهر.

    وفي صباح الثلاثين من أيلول (سبتمبر)، كانت الضاحية الجنوبية لبيروت تستعد لاستقبال الأمانة.

    تزيّنت الطرقات بصور الشيخ الشهيد، وارتفعت الرايات، وتقدمت الفرق الكشفية مسيرة التشييع. كان النعش محمولًا على الأكتاف، لكن الذين رأوه شعروا أن الذي يُحمل ليس جسد رجلٍ واحد، بل حكاية قريةٍ بحرينيةٍ قطعت البحر، وحكاية جنوبٍ احتضن غريبًا حتى صار من أبنائه.

    كان في المشهد شيءٌ يتجاوز التشييع نفسه. رجلٌ خرج من وطنه، وعاش جزءًا من حكايته بعيدًا عنه، ثم عاد إلى أرضٍ أخرى كانت قد احتضنته في غيابه. وكأن المسافة التي تفصل البحرين عن لبنان لم تعد مسافة جغرافيا، بل طريقًا حمل الذكرى من مكانٍ إلى آخر، ثم أعادها إلى أهلها وقد تركت أثرها في قلوب أناسٍ لم يولدوا في القرية نفسها، ولم يعرفوا شوارعها، لكنهم عرفوا صاحب الاسم الذي جاءهم من بعيد.

    على جانبي الطريق، وقف الناس صامتين. بعضهم كان يعرفه، وبعضهم لم يلتقه قط، غير أن صوره كانت كافيةً ليشعروا بأن بينهم وبينه عهدًا قديمًا.

    في مقدمة المشيعين سار الأطفال، يرفعون صورته بأيدٍ صغيرة، بينما كانت أصوات الهتافات الحسينية تتصاعد، لا كصوت وداع فحسب، بل كشهادةٍ على أن الإنسان قد يرحل عن وطنه، لكن أثره يستطيع أن يجد وطنًا آخر في قلوب الناس.

    وعندما بلغ النعش روضة «جنة الزهراء»، ألقى المشيعون نظرتهم الأخيرة.

    بدا وجه علي ساكنًا، كأن التعب الذي رافقه في الطريق قد انتهى أخيرًا. أمّ الصلاة على الجثمان الطاهر السيد علي فحص، ثم أُنزل الشهيد إلى مثواه، إلى جوار رفاق الدرب والشهادة.

    في تلك اللحظة، تخيّل رجلٌ من الماحوز أن الشيخ علي يفتح عينيه للمرة الأخيرة، لا ليرى الوجوه الحزينة، بل ليرى البحرين ولبنان في مشهدٍ واحد: نخلةً عند شاطئ الخليج، وتلةً خضراء في جنوب لبنان، وبينهما طريقٌ من نور.

    قال الرجل في سرّه:

    — لقد عدت يا شيخ علي.

    ولم يكن يقصد عودة الجثمان فحسب، بل عودة الحكاية أيضًا؛ حكاية رجلٍ خرج من قريةٍ صغيرة، وترك خلفه أثرًا أكبر من الحدود. كانت الأمانة التي دُفنت وديعةً تحت القصف قد عادت إلى روضة الشهداء، لكن اسم الماحوز سيظل يُنادى في الجنوب، وحكاية صاحب الاسم ستظل تمشي بين الناس، من بيتٍ إلى بيت، ومن جيلٍ إلى جيل.

    وربما كانت تلك هي المفارقة الأخيرة في حكاية الغريب: أن الإنسان قد يغادر وطنه بحثًا عن معنى يؤمن به، فيجد نفسه بعد سنواتٍ في أرضٍ بعيدة، لكنها لم تعد بعيدة تمامًا. تصبح هناك وجوهٌ تعرف اسمه، وطرقاتٌ حفظت خطاه، وأناسٌ يرون في حكايته جزءًا من حكايتهم. وحين يعود، لا يعود وحده؛ يعود معه وطنه الأول، في ذاكرة المكان الذي احتضنه.

    أما الشيخ علي الماحوزي، فقد وجد أخيرًا المكان الذي تمنّاه: بين الشهداء، قريبًا من رفقاء الدرب، وتحت سماءٍ تعرف أن بعض الغائبين لا يغيبون أبدًا.

    وهكذا عادت الأمانة إلى الضاحية.

    لكنها لم تعد كما خرجت.

    خرجت من الماحوز رجلًا يحمل وطنه في قلبه، وعادت إلى الضاحية حكايةً تحمل البحرين ولبنان معًا؛ حكاية إنسانٍ ابتعد عن وطنه، لكنه لم يفقده، لأن الوطن، في بعض الحكايات، لا يبقى خلفنا حين نغادره… بل يمشي معنا، حتى نصل إلى آخر الطريق.

    صور من مراسم تشييع الشهيد رحمه الله:

    tiny.cc/0lfb101

    مشاهدة عائد من الجنوب

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عائد من الجنوب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على قناة المنار ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عائد من الجنوب.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار