جامعة "مؤقتة" .. إلى متى؟ ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

يُقدَّم القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.04 بتاريخ 11 فبراير 2026، كنص تأسيسي لـ”جامعة المستقبل”، بعد مرور ربع قرن على القانون 01.00. غير أن قراءة متأنية في مقتضياته وفي الممارسة التي أعقبت صدوره تكشف عن مفارقات صارخة تُثقل كاهل الجامعة المغربية.

في عدد من الجامعات، يمتد التسيير بالنيابة لأشهر طويلة، بل لسنوات، مع تمديد متكرر كل ثلاثة أشهر. وفي إحداها، كان 14 من أصل 18 رئيس مؤسسة يسيرون بالنيابة في انتظار التعيين. وفي أخرى، استمر “المؤقت” لأكثر من 15 شهراً من التمديد المتكرر كل ثلاثة أشهر، قبل أن ينتهي الأمر بكليات “بلا عمداء”. وحين تصبح النيابة هي القاعدة بدل الاستثناء، تفقد الجامعة قدرتها على التخطيط والاستقرار، ويتحول “المؤقت” إلى نظام حكم فعلي بلا مساءلة كاملة.

    ويطرح هذا الوضع إشكالاً مركزياً في المراقبة: فالمسؤول المعيَّن بالنيابة يفتقد الشرعية الكاملة، ومع ذلك لا يسمح القانون بإرسال لجان تفتيش مباشرة إلى الجامعات إلا بطلب كتابي من رئيسها، مما يعني أن المسؤول بالنيابة غير الراغب في الخضوع للمراقبة يجد نفسه في مأمن من أي تدقيق خارجي فعلي.

    التوقيت الميسر: تعليم مدفوع بلا رقابة

    أدرج القانون “التوقيت الميسر” ضمن التكوين الأساسي، لكنه اقترن برسوم تصل إلى 5000 درهم في الإجازة و15000 في الماستر، بينما بلغت رسوم التسجيل في الدكتوراه 20.000 درهم سنوياً. وقد اعتبرت فئات متضررة وفعاليات حقوقية وسياسية هذه الرسوم “كلفة باهظة تُجهز على مبدأ مجانية التعليم”.

    والدفاع الرسمي يقول إن هذه الرسوم “تغطي التكاليف الإضافية”، لكن هذا الدفاع نفسه يكشف الإشكال: فإذا كانت التكاليف الإضافية حقيقية، فلماذا يُحمَّل عبؤها للطالب بدل الميزانية العمومية؟ إن ما يحدث فعلياً هو نقل عبء تمويل التعليم من الدولة إلى الفرد، تحت مسمى “التوقيت الميسر”. والمفارقة البيداغوجية لا تقل عن المفارقة القانونية: فالمستفيدون من هذا النظام، الذين دفعوا رسوماً باهظة مقابل “تيسير” التوقيت، يُلزمون بحضور دروس وندوات وامتحانات في الفترات الصباحية، مما يجعل التوفيق بين العمل والدراسة مستحيلاً عملياً.

    يُعدّ إلغاء بحوث الإجازة وتعويضها بتداريب ميدانية، مع اعتماد النقطة وحدها معياراً للولوج إلى الماستر، من أكثر القرارات إثارة للجدل، ليس بسبب مضمونه البيداغوجي فحسب، بل لأنّه اتُّخذ خارج أي مسار تشاركي حقيقي، إذ لم تُستشر النقابة الوطنية للتعليم العالي بل وُجدت أمام أمر واقع، وهو ما دفعها إلى مقاطعة اجتماعات اللجنة المشتركة وإعلان إضراب وطني احتجاجاً على “منهجية الحكومة الانفرادية” و“تمرير النص دون الأخذ بالملاحظات النقابية”، بل إن المفارقة الأعمق هي أنّ هذا الإلغاء لم يبدأ مع قانون 59.24، بل طُبّق فعلياً منذ 2023، أي قبل أن يوجد الإطار التشريعي الذي يُفترض أن يؤطّره، مما يجعل النقاش العمومي حوله نقاشاً متأخراً حول قرارات اتُّخذت في غياب أي سند قانوني واضح، ويُضعف الثقة في المؤسسات ويجعل القانون أشبه بتغطية بأثر رجعي، وفي التخصصات القانونية والاجتماعية والإنسانية، حيث يُشكّل البحث العلمي جوهر التكوين الجامعي وأساساً لتنمية التفكير النقدي والملكة المنهجية، فإنّ إلغاءه لا يعني مجرد تغيير بيداغوجي، بل يعني إعادة تعريف جوهر التكوين الجامعي نفسه، فالسؤال الجوهري ليس “هل القرار صائب؟” بل “من يملك حق اتخاذه، وبأي شرعية، وبأي مسار تشاركي؟”.

    التعويضات: تُصرف من ميزانية الجامعة

    في يوليو 2026، صادق مجلس الحكومة على المرسوم رقم 2.26.502 الذي يحدد تعويضات نواب رؤساء الجامعات ورؤسائها ونوابهم والكتاب العامين، بهدف “تثمين المهام التدبيرية” و”استقطاب الكفاءات”. لكن هذا التوقيت يطرح إشكالاً منطقياً صارخاً: ففي اللحظة التي تعاني فيها الجامعة من فراغ في المناصب العليا وتسيير بالنيابة ممتد لسنوات، تُصدر الحكومة مرسوماً لتعويضات “النواب” في هذه المناصب. وكأن الإصلاح يبدأ من حيث ينبغي أن ينتهي: بتحفيز شاغلي المناصب، بدلاً من معالجة أزمة الشغور نفسه.

    والأخطر من التوقيت هو مصدر التمويل. فإذا كانت هذه التعويضات تُصرف من ميزانيات الجامعات نفسها، فإننا أمام مفارقة مزدوجة: جامعة تعاني أصلاً من ضعف الموارد تُطالب بتمويل حوافز مسؤوليها المؤقتين، في الوقت الذي يُفترض أن تُمَوَّل منه التكوينات والبحث العلمي والخدمات الطلابية.

    تكشف هذه الملفات عن إصلاح يغلب عليه الطابع الإجرائي والتقني، دون معالجة جذرية لبنية الحكامة الجامعية. وحتى داخل البرلمان، أُثيرت مخاوف من أن “القراءة المتأنية لمشروع القانون تكشف عن فجوة واضحة بين المرجعيات الطموحة ومضمون النص، إذ يغلب عليه الطابع التنظيمي مقابل ضعف في الرؤية المبدئية والاختيارات الاستراتيجية الكبرى”.

    فالتسيير بالنيابة يُعالَج بمراسيم التعويضات بدل التسريع بالتعيينات. والتوقيت الميسر يُنظَّم كخدمة مدفوعة بلا رقابة على الأثمان. وإلغاء بحوث الإجازة والماستر يُعمَّم دون نقاش. والحوافز تُمنح للمسؤولين من ميزانية الجامعة نفسها قبل استقرار المؤسسات التي يديرونها.

    والسؤال الأعمق يظل قائماً: أي جامعة مغربية نريد؟ جامعة “مؤقتة” يديرها نواب بلا شرعية كاملة، وتُموَّل برسوم بلا رقابة، وتُفرِّغ ميزانيتها لتحفيز مسؤوليها، وتُطالب باحثيها بالأداء؟ أم جامعة مستقرة، ممولة عمومياً، خاضعة لمراقبة حقيقية، في خدمة التنمية والعدالة الاجتماعية؟ الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المراسيم الصادرة، بل بقدرته على حل أزمة الشغور، وضمان مجانية التعليم في جميع أسلاكه بما فيها الدكتوراه، وإخضاع التعويضات والرسوم لمراقبة فعلية، وربط التحفيز بالمساءلة.

    -أستاذ باحث في علوم التدبير جامعة ابن طفيل القنيطرة

    جامعة "مؤقتة" .. إلى متى؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة جامعة مؤقتة إلى متى

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ جامعة مؤقتة إلى متى قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، جامعة "مؤقتة" .. إلى متى؟.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار