أزمة في الرياضيات ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

تناول المقال (1) إعلان شركة أوبن إيه آي توصلها، بمساعدة باحثين وآلاف وكلاء الذكاء الاصطناعي، إلى حل مسألة نافييه-ستوكس، إحدى المسائل الرياضية الألفية، وما أثاره ذلك من تساؤلات حول مستقبل البحث الرياضي.

نزاع الأسبقية

إثرها، قال عالما الرياضيات تريستان باكماستر وليفينت ألبوجي إن أبحاثهما السابقة غير المنشورة، التي أدخلاها عبر أداة كودكس التابعة للشركة، ربما ألهمت التوجيهات المقدمة إلى الذكاء الاصطناعي. بمعنى أن الذكاء الاصطناعي كان مجرد أداة في يد الرياضيين بدل أن يكون فاعلا مستقلا. ونفت أوبن إيه آي استخدام عملهما مباشرة، لكنها أقرت باحتمال استخدام بيانات منزوعـة الهوية من تفاعلات المستخدمين في تدريب نماذجها.

    رغم الإنجاز التقني والتحقق الحاسوبي من البرهان باستخدام لِينْ، وهو برنامج للتحقق الصوري من البراهين الرياضية ولغة برمجة، لا يزال معهد كلاي للرياضيات يدرج هذه المسألة ضمن المسائل المفتوحة، في انتظار مراجعة الأقران. وأعلنت أوبن إيه آي أنها لن تطالب بجائزة الألفية البالغة مليون دولار.

    قيمة

    بغض النظر عن لمن الأسبقية، فإن قيمة الرياضيات لا تقتصر فقط على الوصول إلى برهان صحيح، بل تشمل الأفكار والمهارات والاكتشافات التي تتولد أثناء البحث، والتي قد تضيع إذا تولت الآلات المهمة بالكامل، إن نحن فرضنا جدلا أنها تستطيع ذلك باستقلال تام عن الإنسان.

    سنتطرق هنا إلى أزمة داخلية حلت بالرياضيات منذ قرن من الزمان تقريبا مضى وكيف كانت في طَيّ تلك الأزمة نِعمة الحاسوب الذي يقوم الذكاء الاصطناعي على أساسه. لنعرج أولا على تعريف الرياضيات.

    الرياضيات علم يدرس الأعداد، الكميات، الأشكال، العلاقات، والأنماط. تعتمد الرياضيات على المنطق والتجريد والاستدلال للوصول إلى نتائج دقيقة. علاوة على أن الرياضيات علم مستقل له موضوعاته ونظرياته الخاصة، فهي أداة للعلوم الأخرى.

    تُعَدّ الرياضيات لسانا أساسيا للعلوم. الفيزياء تصف الحركة والقوى بالمعادلات الرياضية. الكيمياء تستخدم النسب والنماذج الرياضية. يعتمد علم الفلك على الحسابات. بينما تقوم علوم الحاسوب على المنطق والخوارزميات الرياضية. ولهذا يُقال إن كتاب الطبيعة مكتوب بلسان الرياضيات. فهو يتيح وصف الظواهر الطبيعية بدقة، وقياسها واختبارها والتنبؤ بها.

    أزمة

    كان هناك شعار لدى بعض علماء الرياضيات من بداية القرن العشرين إلى حدود الثلاثينيات منه ينص على أنه “يمكن ويجب أن نبرهن على كل شيء .. وحتما سنفعل”. لكن حقيقة الأمر والمبرهنة التي أثبتها غودل رياضيا هي أنه “نحن لا نعلم كل شيء ببرهان”. ليس هذا فحسب، بل “أحيانا لا يمكننا أن نعرف”.

    في أعماق الرياضيات هناك ثغرة. ثغرة تذكرنا أننا لن نعرف كل شيء رياضيا على وجه اليقين. ستكون هناك دائما حقائق لا يمكن إثباتها. ومع ذلك، وفي محاولة الاستكشاف عن المعرفة، يمكننا اكتشاف أشياء جديدة تُغير العالم. جميع أجهزة الحاسوب الحديثة نبعت، وكان الفضل عليها، من محاولة إثبات رياضيا أننا سنعرف كل شيء ببرهان. لكن ما بُرهن عليه هو أنه مهما عرفنا عن شيء، فستغيب عنا أشياء.

    الرياضيات ليست كاملة بنفسها. فلا يمكن إثبات أن كل تصريح صحيح، أو خاطئ، من داخل النظام الرياضي. لكن الرياضيات متسقة مع نفسها. فلا توجد تناقضات في الرياضيات. لا يمكن إثبات تصريح ونفيه معا.

    يُفترض أنه لا تناقض في الرياضيات. لكن لا يمكن من داخل النظام الرياضي برهنة أن الرياضيات غير متناقضة. زد على هذا أن الرياضيات لا يمكنها الحسم في كل مسألة. فلا توجد خوارزمية رياضية تستطيع تحديد إن كان أي تصريح قابل للإثبات أم لا.

    لم يُجنّ جنون علماء الرياضيات إثر هذه الأزمة. ولم يؤدِّ ذلك إلى تفكك أو تصدع المشروع الرياضي بأكمله. بدلا من ذلك، غيّر الإبحار في هذه المشكلة مفاهيمَ رياضية. لقد أدى مباشرة إلى اختراع جهاز الحاسوب، وتلاه الهاتف الذكي الذي لربما تقرأ الآن هذه السطور عبره.

    لإثبات مبرهنته، ابتكر غودل تقنية لتحويل العبارات المنطقية إلى أعداد، وتُعرف بإسم ترقيم غودل. وقد أسهمت هذه الفكرة، القائمة على تمثيل القواعد والبيانات برموز عددية، في إلهام وتطوير مفهوم الحوسبة العامة، الذي شكّل أساس البرمجيات والحواسيب الرقمية الحديثة. كانت فعلا أزمة أصابت واهتزت لها أركان الرياضيات. لكن كانت في طيها نعمة. نعمة اختراع الحاسوب وبرمجياته.

    الاكتمال والاتساق

    أصبحت الرياضيات لا تدعي إطلاقا أن كل قوانينها مبرهن عليها من داخلها. فقد برهن غودل أن أنظمة رياضية لا يمكن أن تكون كاملة، وأعلن النتيجة سنة 1930. إذ قد أصبح معلوما أنه إن كان نظام رياضي متسقا فلا يمكن أن يكون كاملا، وإن كان كاملا فلن يكون متسقا.

    وهكذا لا يمكن إثبات اتساق البديهيات في نظام الرياضيات الخاص. لقد بُرهن بأنه لابد وأن يوجد على الأقل جزم، أو إن شئت بديهية، لا يمكن البرهنة عليه أو عليها من خلال الرياضيات. أي لابد وأن يكون هذا من خارجها. المثال المشهور في ذلك هو كالتالي.

    هناك قاعدة منطقية تقول أن “كل تصريح إما أن يكون صحيحا أو خاطئا”. وهذا صحيح ولا ضرر به في حد ذاته. لكن ماذا لو كان هذا التصريح بالذات الذي ينص على أن “كل تصريح إما أن يكون صحيحا أو خاطئا” هو خاطئ وليس صحيحا؟ أي ماذا لو أنه هناك على الأقل تصريح صحيح وخاطئ في نفس الوقت؟

    لقد غفل المناطقة عن مفهوم هذه المرجعية الذاتية إلى حدود ثلاثينات القرن العشرين وأدخلت علم الرياضيات في أزمة منطقية. بعدها بُرهن، كما أشرنا إليه، على أن الرياضيات لا يمكنها أن تبرهن على كل مبرهناتها من داخلها. لابد لها، على الأقل، من مبرهنة أو بديهية من خارجها، من مثل “كل تصريح إما أن يكون صحيحا أو خاطئا” البديهية.

    نظرية الأعداد الأولية

    يُعد عدد أوَّليّا إن كان لا يقسم إلا على نفسه وعلى العدد واحد. كمثال على ذلك، الأعداد الأولية الثمانية الأولى هي 2، 3، 5، 7، 11، 13، 17، و 19. نظرية الأعداد الأولية مثال واضح على كيف يمكن لفرع من الرياضيات ظل نظريا لقرون أن يتحول، بعد تطور الحوسبة والتشفير، إلى أساس مهم من أسس الأمن الرقمي الحديث. لقد اشتغل علماء الرياضيات على الأعداد، خصوصا الأولية منها، قرونا عدة إلى أن أصبحت نظرية الأعداد فرعا رياضيا متقدما. لكن كثيرا من نتائجها كانت تُعد آنذاك رياضيات نظرية بحتة لا تطبيق مباشر لها.

    ومع ظهور الحواسيب في القرن العشرين تغيّر ذلك. فقد أصبح بالإمكان التعامل مع أعداد تحتوي على مئات أو آلاف الخانات وتنفيذ عمليات حسابية ضخمة بسرعة. وفي سبعينيات القرن العشرين ظهر نظام خوارزمية تشفير بالمفتاح العام. يعتمد هذا التشفير على اختيار أعداد أولية كبيرة وعلى حقيقة أن ضرب عددين أوليين كبيرين أمر سهل، بينما تحليل حاصل ضربهما إلى عوامله الأولية يمكن أن يكون شديد الصعوبة حسابيا. عند هذه المرحلة يمكن القول إن المعرفة الرياضية المتعلقة بالأعداد الأولية، إلى جانب القدرة الحاسوبية، أصبحت ناضجة بما يكفي لاستخدامها عمليا في حماية الاتصالات الرقمية.

    وعندما ظهرت الشبكة العنكبوتية العالمية في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، كانت هذه الأدوات الرياضية والتشفيرية متاحة بالفعل. أصبحت حينها جزءا من البنية التي سمحت لاحقا بتأمين الاتصالات عبر الأنترنيت، مثل تسجيل الدخول، والخدمات المصرفية، والتجارة الإلكترونية، وتبادل البيانات الحساسة.

    وهكذا ساهمت أزمة في الرياضيات في اختراع الحاسوب بينما كان لنظرية الأعداد الأولية دورا محوريا في تأمين المعاملات عبر الأنترنيت.

    يوجد مشترك بين دراسة الرياضيات، لسان كتاب الله المنشور، وتدبر القرآن، كتاب الله المسطور. هناك من يظن أن الرياضيات تُدرس من أجل تكوين مُدرِّسي الرياضيات فقط. الأمر ليس كذلك كما رأينا. خذ مثالا آخر. الأجرام السماوية كلمات من كلمات الله والرياضيات لسان حالها وقوانينها. وهكذا قد لا ينتبه البعض أن تطبيقات الرياضيات في شتى العلوم المتعلقة بالإنسان وبمحيطه وبالكون كله لا حد لها ولا حصر. مثال اختراع الحاسوب، ومثال الشبكة العنكبوتية ،علاوة على النظام الثنائي بدل العشري الذي ترتكز عليه كل حسابات الحاسوب نزر يسير من كثير.

    كذلك الحال مع القرآن، كلام الله. هناك من يقرأ القرآن لربما من أجل القراءة ونيل الأجر فقط. قد لا ينتبه أن الله عز وجل يدعونا إلى تدبر كلامه. فمجالات تطبيق كتابه في أمور وشؤون حياتنا كأفراد وكجماعات لا حد لها ولا حصر.

    “وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا” (الجن 28:72)

    الهوامش:

    1-أنظر المقال “الذكاء الاصطناعي يحل ’مسألة الألفية‘.. وعلماء الرياضيات أمام ’أزمة وجودية‘”، جريدة هسبريس، 22 شتنبر 2026.

    أزمة في الرياضيات Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة أزمة في الرياضيات

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أزمة في الرياضيات قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أزمة في الرياضيات.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار