رمز من رموز التفكير في حركة الإبداع بالمغرب، وتدريس الفنون، تكرّم بموسم أصيلة الثقافي في دورته السابعة والأربعين، الذي خصّص ضمن فعالياته ندوتين فكريّتين وعرض فيلم وثائقي حول حياة وعطاء الناقدة الفنية البارزة طوني مريني، أحد أعلام مدرسة الدار البيضاء للفنون المعاصرة وأحد أهم الأقلام والمدرّسين الكاشفين أغوار الفنون المغربية، قديمها وحديثها.
دافع الناقد الفني محمد رشدي على أن “تاريخ الفنون بالمغرب لا يمكن اختصاره في الفنانين”، مردفا: “إن تاريخ الفنون يشمل كل من مارسوا الوساطة الفنية، ومن فكروا في الفن، وكتبوا حوله، ومن درسوه، وجعلوه مجالا للتشارك والتفكير”.
ثم أكّد أن “طوني ماريني وتجسيرها عبر مدرسة الدار البيضاء كان مؤثرا في تاريخ الفنون بالمغرب، فقد درّست الفنانين المستقبليين، وأثر في ممارساتهم منذ الستينيات”، فضلا عن كون كتاباتها حول الفن والفنانين المغاربة، “واضحة، وبإحالات مفصّلة، هي وثائق ثمينة لفهم رهانات الساحة الفنية في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات أيضا”؛ لأن “النقد ذاكرة، تحافظ على آثار حقبة، وتسهم في كتابة تاريخها”.
ووضّح المتدخل أن كتابات طوني ماريني “ليست فقط كتابات في الفن المغربي”؛ بل تقدم إطارا “لفهمه ونقله”، وتمثل “مسؤولية النقد وفهم السياق الذي أنتجت في قلبه الأعمال”؛ لأن “النقد ليس فقط رأيا شخصيا في عمل، بل بحث، وتأريخ، ووساطة، ونقل”.
ومن بين ما أوضحه رشدي أن اهتمامات طوني ماريني غير منحصرة في ماضي الفنون والكتابات حولها؛ بل تمتد أيضا إلى ما يكتب حول تاريخ الفنون والفكر حولها، وما يكتب ويحدث في الحاضر، مقدما مثالا باهتمامها ومناقشتها له في مقال خطّه سنة 2008، “رغبة في المساءلة والتعميق والبحث عن الفهم (…) دون انقطاع عما يحدث الآن”.
لحظة فارقة
في “ندوة طوني ماريني والمشهد التشكيلي المغربي”، قال شرف الدين ماجدولين، منسق الندوة التكريمية، إن هذا اللقاء “لحظة فارقة واستثنائية في تكريم شهود كانوا مؤسسين للحظة منتظرة (…) لأن طوني ماريني لم تكن مجرد فرد في عائلة كبرى، ولم تكن مجرد فاعل ضمن مشهد ضيق، وإنما كانت فردا انتمى إلى جغرافية خارج جغرافيتها، وانتمى إلى معتقد خارج معتقدها، وانتمى إلى لغة ليست لغتها، وإلى حقل رمزي لم يكن هو الذي نشأت عليه”.
وأضاف الأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان أن ماريني تمثل “علاقة فرد بجغرافية كاملة وثقافات كاملة، ولغات مجتمع كبير هو المجتمع الإسلامي؛ ولحظة تأسيس نهضوية في حداثة ضمن المشهد التشكيلي المغربي، ولحظة تأسيس الحداثة المغربية التي كانت مجرد مغامرات، والانتماء إليه محفوف بشتى المخاطر والمجازفات”.
ثم وضح أن هذه “الإيطالية المولودة في اليابان أخذت ثقافتها وانتمت إلى مجتمع (…) في شمال إفريقيا عاشت داخله لعقود، وساهمت في حراكه وأسئلته، وما يتمخض فيه من سعي إلى صياغة دور نهضوي، ولم تكن مجرد ناقدة فن؛ ولكنها كانت جزءا من مشهد أدبي وثقافي واسع، كان فيه الشاعر والناقد والسينمائي يشكلون حلقة الحداثة المغربية (…) واضطلعت بأدوار تأطير ومشاغل، ومسارات لم تكن لتتطور لولاها”، ثم ختم متحدثا عن أثر لحظة تدريسها بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، ثم إنضاجها “النقد الفني إلى جانب عبد الكبير الخطيبي وأسماء أخرى”.
حاتم البطيوي، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة، تذكّر طوني مريني مؤطرة مشرفة على ورشات الفنون التشكيلية لأطفال المدينة التي كان من خرّيجيها، وأضاف: “هي من شهود التأسيس لهذا المنتدى الثقافي، وواكبت المشهد الفني المغربي منذ بداياته، بعيدا عن أشكال الهيمنة أو الوصاية الجمالية (…) ورهانها الأبدي هو تعرية المشترك الإنساني في عمق الأعمال”.
وقدم البطيوي ماريني بوصفها نموذجا “للنقد الكاشف”، موردا أنها “لم تقف عند حدود التمحيص الجمالي؛ بل كانت صوتا حيا ومدافعا شجاعا عن الفنانين الجدد”، و”أسهمت في انتشار رموز والتعريف بآخرين”.
ثم استرسل قائلا: “طوني ماريني تتميز بقدرة على الإصغاء في الواقع كما في النصوص، ولم تنظر للفن المغربي بالمقارنة (…) بل باعتباره كونا فنيا مستقلا، وجزءا من الفن الحديث والمعاصر بالعالم”، وشكّلت عبر عطائها لأصيلة والمغرب “رمزا حيا للحوار الثقافي بين الشمال والجنوب”.
دَينٌ
قال محمد الأشعري، الشاعر والروائي ووزير الثقافة الأسبق، “في المغرب نحن مدينون لطوني ماريني”، واهتم بمختارات مقالاتها المنشورة بعنوان “كتابات في الفن”، معتبرا إياها “سيرة ثقافية، وخريطة لثقافتنا في الستينيات والسبعينيات (…) ونفوذ إلى همومنا وشكوكنا وردود فعلنا الشديدة أحيانا، وردود فعلنا النابعة من صدمة الاستعمار”، مع إنصات “بصبر، لتجربة الآخر بكثير من التعاطف والتضامن، وأكاد أقول رغبة في التعلم”.
وتتبع الأشعري إحساس واستقبال طوني ماريني المغرب بواقعه ومتخيله، في “شغف متبصر”، واهتمام بالمعرفة “أكثر من اهتمامها بالأحكام الإيديولوجية والأخلاقية”.
ورغم القدوم “من ثقافة عالمة ومتفوقة”، وتدبيرها “العلاقة الشائكة مع الغرب المتسلط والملهم في نفس الوقت”، سجل الروائي أن ماريني لم يكن لها “أي مشكل في ألا تبني أي شيء وحدها هنا، بل مع الآخرين”، مستحضرا تجربتها مع “فريد بلكاهية في مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء، وكونها في قلب تجربة مجلة ‘أنفاس’ مع عبد اللطيف اللعبي، ثم تجربة ‘مجلة إنتيغرال’. وكونها هي في قلب بناء المشترك، دون الوصول إلى يقينيات حاسمة؛ بل مقاربات لفتح آفاق جديدة للتفكير والممارسة الفنية”، علما أن عملها المكتوب كان متلازما ومزدوجا “عن الفن المعاصر وأبحاث مدققة في فهم الماضي”.
انطلق محمد نور الدين أفاية، الفيلسوف وأستاذ الجماليات، من كتاب “كتابات في الفن” لطوني ماريني، معتبرا إياه “كتاب مسار شخصي وفكري، بدأ بالصدفة ثم انتقل إلى المشاركة، فالبحث، ثم إنتاج الفكر”، لناقدة “تساوقت في طرح أسئلة على الإبداع، وبناء فهم ديكونوليالي للفن والإبداع” واكتشفت، “كما تقول، أن المغرب: وطن الفن، وكان بلد فنّ.. وأن محاولة فهم مظاهره التاريخية المتنوعة ومعرفتها، والشهادة على صيرورته الدينامية كانت تكتسي أهمية عظيمة”.
ووضح أفاية أن ماريني قد “وجدت هيمنة لقراءات استشراقية للإنتاج البصري والتشكيلي المغربي في ستينيات القرن الماضي، واختيارات فنية أصرّت على النظر إلى هذا الإنتاج، بشكل حصري، من منظور أوروبي، استعلائي، وتنميطي يختزل أحكامه في اعتباره فنا ‘ساذجا’ و’عفويا’، ولا يمكنه أن يرقى إلى مستوى الممارسات الإبداعية الأوروبية”، ثم كشفت “حين نبشت في المغرب عن وثائق الإنتاج الفني السابق عن فترة الاستعمار، واجهت خطأ كبيرا شائعا تمثل في القول إن ‘التصوير الصباغي’ لم يوجد في المغرب قبل دخول الأوروبيين، وأن ما يعرضه المغاربة ليس سوى استنساخ لتجارب إبداعية مستوردة”.
هنا أورد المتحدث رأي المكرّمة: “الحال أن الفنانين/الحرفيين أبدعوا، قبل ذلك، وابتكروا، وصوروا أشياء، وأحداثا سواء كانت فردية، أو جماعية، جهوية أو وطنية شكلت، في نهاية المطاف، التاريخ النفسي والاجتماعي والتكنولوجي والاقتصادي لما يمثل ما تسميه بـ’اقتصاد المتخيل’ حيث لا شيء يتعرض للضياع مما كان يتصور كلغة فنية، ما دام تحليل الأعمال المعاصرة يؤدي إلى المناطق النائية للمتخيل، الذي ليس بكرا أبدا بقدر ما يكثف صراعات وانكسارات واكتشافات وتحولات تشكل ‘مصدر اندهاش كل فنان”.
ماريني التي تتبنى “التصور الأنثروبولوجي للتصوير الصباغي” وتنظر إلى التراث التشكيلي بوصفه “كل ما يمت إلى العمل المصبوغ، والمرسوم، والمخطوط، والمنقوش، والمنسوج، على مساحات السطح وعلى مادة ملونة”، تبقى كتاباتها، وفق أفاية، شهادة حية على “واقع، وآمال، وإحباطات، كما على إنجازات ‘المختبر البصري’ المغربي (…) و’وثيقة تاريخية’ تحولت مع الزمن إلى مرجع إلهام نقدي”، مقدمة للفنون التشكيلية والبصرية المغربية إسهاما كبيرا ومساءلة جدية للثقافة المغربية، وجهدا تأمليا عميقا “هو إنجاز لا يقل شأنا في نوعيته وقيمته، مما قام به مفكرون وباحثون في تحليل البنيات الاجتماعية والأنثروبولوجية للمجتمع المغربي على غرار بول باسكون وعبد الكبير الخطيبي، كل ضمن إشكالياته المخصوصة وأسلوب كتابته”.
منجز عملاق
كلوديا اسبوزيطو، أستاذة الأدب الفرنسي بجامعة مساتشوستس، تحدثت عن “العمل العملاق الذي يمثله منجز طوني ماريني” المكرم اليوم بأصيلة؛ “رغم أن مثل هذا التعبير سيقلقها، خاصة وهي تهتم بالمجموع، أكثر من تعظيم الأفراد”.
وتحدثت المتدخلة عن انطلاقة طوني ماريني في المغرب “وهي شابة في الثانية والعشرين من العمر، بمقهى في طنجة، مع ثلاثة فنانين تشكيليين، سيصيرون مشهورين فيما بعد خارج حدود المغرب، وهو ما أطلق حركية بناء طبعت حياتها”، وحيوات وتاريخا آخر.
ووضحت الباحثة أن ماريني كانت أصل العديد من البيانات الفنية، والمبادرات، وكانت اهتماماتها البيداغوجية مؤثرة”؛ حيث آمنت بـ”الفن ودوره التغييري في المجتمع المغربي، وكانت ورشاتها تخرج الفن من حيطان مؤسسات التكوين، لجعلها متاحة للجميع”.
ماريني فكرت وعاشت في إفريقيا والمتوسط “باعتبارهما مراكز لا هوامش”، وكانت تعتبر الكتابة فعلا “من أجل مستقبل العالم”، مع وعي وتضامن “ضد الاستعمار”، و”طريقة لعيش العالم دون تملّكه”، والانتصار لـ”الوجود المتبادل”، عكس نموذج مفهوم “سلطة الملاحظ الأوروبي”، فقد كان عملها لقاء وبناء طويلا كتوما.
أما عبد الرحيم كمال، أستاذ بجامعة محمد بن عبد الله، فتحدث عن طوني ماريني “المفكرة الكبيرة”، التي يعد حاليا “معجمها الفني”، مع تطرقه لمقاربتها المختلفة للنقد الفني، ووعيها بذلك، وما تمثله لكونها شاهدة، وفاعلة رئيسية في الشأن الفني المغربي، وإشكالاته الكبرى، نظرا لهوسها باللغات السرية، والحوار بين الثقافات، وأشكالها وعلاماتها وآثارها الفردية والجماعية، وحلمها بـ”عالمية الإبداع” و”فن دون حدود”، واشتغالها مثل عالمة آثار تنقّب عن الكتابات الصامتة، المشتغلة في الفنان وهو يشتغل بالمادة، من لغات، وذاكرة، وأصول ضاربة في القدم.
من جهته، شهد عبد الله زيوزيو، الطبيب النفسي، على حياة عرف فيها طوني ماريني منذ سنة 1976، ومبادرات كان لها أثر فيها مثل استقبال عروض اللوحات التشكيلية في مصحة الأمراض النفسية ببرشيد، ودور ذلك في أنسنة المعازل الصحية.
وتابع الشاهد: “طوني ماريني أنثروبولوجية وبيداغوجية للفن (…) ولم تكن تهتم بفناني مجور الدار البيضاء والرباط فقط، بل أيضا فناني الهوامش (…) ولم تكن تهتم بأصحاب طلبات العروض الممولين للـ’أبحاث’حول الفنون؛ بل كانت تهتم بالحفر الأنثروبولوجي في الفنون”.
تكريم طوني ماريني بأصيلة.. مسار استثنائي في ذاكرة الفن المغربي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة تكريم طوني ماريني بأصيلة مسار استثنائي في ذاكرة الفن المغربي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تكريم طوني ماريني بأصيلة مسار استثنائي في ذاكرة الفن المغربي قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تكريم طوني ماريني بأصيلة.. مسار استثنائي في ذاكرة الفن المغربي.
في الموقع ايضا :
- عاجل: العميد سريع: نحذر شركات الطيران العالمية من استمرار رحلاتها في أجواء السعودية لأنها أصبحت مسرحا لعملياتنا إلا أجواء مكة والمدينة
- عاحل / الطيران يدمير منصة إطلاق ومخزن للصواريخ الباليستية في صنعاء وصعدة عقب إطلاق صاروخ باليستي حوثي باتجاه لحج
- عاجل: العميد سريع: العملية الثانية استهدفت شركة أرامكو في رابغ وأدت إلى اشتعال النيران في الموقع المستهدف
