ليسمح لنا أهل الطب والصناعة الدوائية باستعارة هذا المفهوم، واستهلاكه بعيدًا عما وضع له في المعجم الصحي، حيث أجده من الألفاظ الدالة والقمينة بتوصيف حالة نجد أنفسنا نسبح في مستنقعاتها، ونحمل جراءها أصنافًا من الميكروبات والفيروسات المؤذية.
الانتخابات فعل حضاري، وعملية سياسية تسمح بتداول السلطة بشكل سلمي، تمكن من تدبير مصالح المواطنين، وتأمين مستلزمات حياتهم، واستمرار كيانهم. ولهذه الأهمية التي تحظى بها، تُبذل الجهود حرصًا على انتظامها وتكريس إجرائها في مواعيدها، مهما ارتفعت فاتورة تكاليفها، ما دامت أحسن وسيلة لحد الساعة لفرز نخبة كفؤة لتدبير الشأن العام، وتجسيد إرادة العامة في التشريع. وهي بالإضافة لهذا وذاك، فرصة للتكوين السياسي لأفراد المجتمع، وفتح الآفاق أمامهم للاطلاع على جزء من الفكر السياسي، وأشكال تصريفه في واقع الناس. وهي المهمة الموكولة للأحزاب السياسية، باعتبارها الوسيلة لتجسيد العملية الديمقراطية، ومدارسَ للتنشئة السياسية وقيمها الأخلاقية، وإجراءاتها العملية. فهي محطة ينتعش فيها الخطاب السياسي، وفرصة تسمح لكل المهتمين بإبداء رأيهم في سلوك الحاكمين، وتقييم أدائهم، واقتراح ما يراه كفيلًا بتجويد الممارسة السياسية.
لكل هذا وغيره، انتعشت الفضاءات العامة ومواقع التواصل الاجتماعي بأصناف من هذا الخطاب. جنح غيرُ قليلٍ منه عن أدبيات الحوار، والذوق في اختيار الألفاظ في توجيه سهام النقد والتجريح. فقد عشنا أيامًا من تبادل الهمز واللمز، وحتى الشتم والافتراء بين معظم الفرقاء. وغاب الحوار في كثير من الأحيان، المبني على الطرح الفكري الرصين، والتوجهات الإيديولوجية الموجهة لعمل الفاعل السياسي، التي لا تمكن المتلقي من الارتقاء بمعرفته السياسية، وتهذيب طرقه الحوارية، ما دامت غائبة لدى نخبه. بل قد ينأى الخطاب في مسار عكسي تمامًا، وهذا ما تجسد في كثرة النكت والصور التي تبخس العملية الانتخابية، وتنفر من الممارسة السياسية، وتهزأ بكل قول يستهلك الديمقراطية وكل مشتقاتها اللفظية.
خطاب سياسي يراوح بين التنوير والتجهيل:
دأب الخطاب السياسي على تلخيص عرضه في شعارات كبرى تعبئ الجمهور، وتدفعه إلى تبني مشروع صاحبه ودعمه. لكن الذي تمت معاينته، هو غياب مثل هذه الشعارات إلا فيما ندر، وحضرت الفرق الموسيقية الشعبية وما يرافقها من تحريك للأجساد، واستنهاض للغريزة. عوض استنهاض السؤال وإنعاش المادة الرمادية التي تمكّن الفكرة وجوهر الإنسان. والاستعاضة بقاموس الأعراس في المدح كما في الهجو، أما قاموس السياسة فليس له مكان في قاعات تم استئجارها بمقاعدها والقاعدين عليها، والمنشطين لفقراتها. وإمعانًا في استئصال جذوة الفكر النقدي، وضخ مزيدًا من البلاهة في عقول المشايعين، وإماتة الفطنة لديهم، حضرت البطنة، بضخ الأمعاء بما جادت به موائد الحملة من صنوف الطعام. فتحالف الفن الرديء والكرم المشبوه في شحن العواطف، واستمالة القلوب والعقول. فوجدنا أنفسنا أمام مهرجان كبير للإلهاء والتجهيل، عوض القصد الديمقراطي للتنوير، والتأهيل لحسن الاختيار والتمييز. وهكذا يتولد لدى الكثير، ذلك الربط المعيب بين السياسة والفقر الفكري، والتدني الأخلاقي، لدى جيل لم يسمع من الرعيل الأول لرجالات الحركة الوطنية، وقادة الانتقال الديمقراطي، والثقافة الحقوقية. رجالات يطول ذكر عددهم، ويفيض مدح مناقبهم، أمام علو تضحياتهم في سبيل ما اعتنقوه من مذاهب ومبادئ. وتزيد غربة هذا الرعيل في زمن انخفض فيه منسوب القراءة إلى القاع، لدى جيل ارتبط بفيديوهات صناع المحتوى، وأي محتوى للأسف.
كانت الحملة الانتخابية مدرسة لتعلم أساليب المناظرة والإقناع، بالإضافة إلى التزود بقدر قلّ أو كثر من المعرفة السياسية، ومنهجية تحليل خطاب متعاطيها. الشيء الذي يرسم صورة للفاعل السياسي، كصاحب رسالة، وداعية للتغيير والارتقاء بحياة الناس المادية والمعنوية، وغرس قيم المواطنة الحقة، البانية للأوطان، والضامنة لاستمرارها واستقرارها. وربما كان التدني اللفظي والمعرفي وأيضًا الأخلاقي في مجابهة الخصوم لبعضهم، وراء جرأة الكثير ممن لا أهلية لهم سياسية ولا فكرية، ولا خبرة في تدبير الشأن العام، من الإقبال على الترشح لمنصب برلماني لتمثيل أمة في رصيدها 12 قرنًا من الوجود التاريخي، والفعل الحضاري. الشيء الذي يؤثر على جودة التشريع، والوقوف ندًّا للوزير.
البادية مصدر رزقنا ومرمى نيراننا:
يُضاف لكل ما ذكر من الأثافي، الهجوم على أهلنا في البوادي، وأنهم يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية فيما تفرزه صناديق الاقتراع، وبالعطف على رئاسة الحكومة وأعضائها، وخصوصًا حينما يكون الأداء الحكومي باهتًا. ففي القرى ترتفع نسبة التصويت، وهي الخزان الانتخابي للأعيان، وللمرشحين الانتهازيين والوصوليين. حيث يتم استغلال وضع الهشاشة المعنوية والمادية، وانخفاض منسوب التثقيف السياسي. كل هذا يؤثر في توجيه التصويت بعيدًا عن السياسة، وأقرب إلى معيار القرابة والولاء والعطاء. وقلّ نفس الشيء عن أحزمة المدن الهامشية، وكل الفائزين بهذه الأوساط يقعون تحت نيران النقد، والحط من قيمة الفوز إذا ما قورن بالفوز داخل المدن الكبرى. في حين كان الأولى بالنسبة لهؤلاء النخب، مساءلة الذات عن تقصيرها في تعميق الفجوة بين المدن الكبرى والقرى وشبيهاتها من المدن الصغرى. على مستوى المشاريع التنموية، وعلى مستوى التكوين والتأطير. فالوضع الاقتصادي والاجتماعي للمدينة والبادية، هو في نهاية التحليل نتيجة سياسات عمومية، ومبادرات مجتمعية ومدنية تتمركز في المدن، وسكانها في الكثير من الأحيان قادمون من هناك، من القرى منبتهم أو منبت آبائهم. كما هي منبت الزرع ومرعى الضرع، فيصدق على مثل هؤلاء النخب القول الدارج: «يأكل الغلة ويسب الملة». فكان جزاء البادية التنقيص، عوض الاهتمام ورد الجميل. فلا الطرق معبدة، ولا المدارس تسر الناظرين، ولا المستشفيات سلوى للمتألمين. ناهيك عن الدور الثقافية والمنشآت الرياضية والفنية و… المعدومة. البادية صدرت للمدينة الموارد البشرية التي هي في حاجة إليها، كما صدرت لها الطعام والشراب، وصدرت المدينة للبادية اللوم، وقسطًا غير يسير من التهكم.
الأعراض الجانبية للحملة الانتخابية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الأعراض الجانبية للحملة الانتخابية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأعراض الجانبية للحملة الانتخابية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأعراض الجانبية للحملة الانتخابية.
في الموقع ايضا :
- توقعات بنزول كميات هامة من الأمطار ودعوات لتوخي الحذر في كل هذه الجهات
- الناطق باسم الحكومة اليمنية: ندعو شركات الطيران إلى الابتعاد عن المطارات السعودية لسلامتها وسلامة ركابها حيث أن الأجواء والمطارات السعودية أصبحت ضمن مسرح عمليات القوات المسلحة اليمنية عاجل
- مركز تنسيق العمليات الإنسانية في حكومة صنعاء: أجواء السعودية مسرح لعمليات القوات المسلحة اليمنية باستثناء أجواء مكة والمدينة المنورة عاجل