احترموا من صوّتوا! ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

لم تتجاوز نسبة المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 38.08 في المائة من المسجلين. أي أن أقل من أربعة ناخبين مسجلين من كل عشرة قرروا الذهاب إلى مكتب التصويت والمشاركة في اختيار البرلمان الذي يفتتح اليوم ولايته الجديدة، والحكومة التي يجري وضع اللمسات الأخيرة على تشكيلها. وواحد من كل ستّة مصوّتين ذهبوا فعلا إلي مكاتب التصويت، اختاروا ألغاء صوتهم، بترك البطاقة بيضاء أو التصويت بشكل خاطئ.

هذه النسبة، مهما اختلفنا في تفسيرها، تجعل من كل واحد من هؤلاء الذين ذهبوا إلى الصندوق مواطنا ينبغي أن نتعامل مع صوته بكثير من الاحترام، ليس لأنه منح ثقته لهذا الحزب أو ذاك، بل لأنه قرر، وسط كل أسباب الشك والعزوف واللامبالاة، أن يمنح السياسة فرصة أخرى.

    احترام هذا الصوت لا ينتهي عند التأكد من سلامة الورقة داخل الصندوق، ولا عند جمع المحاضر وإعلان النتائج. بل يبدأ، في جانب أساسي منه، بعد ذلك تماما.

    فالمواطن الذي صوّت للأصالة والمعاصرة أو للاستقلال أو للعدالة والتنمية أو لتحالف اليسار… صوّت على وعود وبرامج ووجوه وتصورات، وبغض النظر عن مدى معرفته التفصيلية بكل ذلك، فقد قام بفعل سياسي واضح، كونه “اختار”. والمطلوب اليوم هو ألا تأتي مرحلة ما بعد الانتخابات لتقول له إن اختياره لم يكن سوى مدخلا شكليا إلى عملية أخرى تتم بقواعد مختلفة تماما.

    من هذه الزاوية تحديدا ينبغي النظر إلى تشكيل الحكومة المقبلة. فالمرحلة الأولى من المشاورات حملت، إلى حدود الآن، مؤشرات مقبولة. والاتجاه نحو أغلبية من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية حافظ على قدر من المعنى السياسي، ولم ينزلق إلى جمع أكبر عدد ممكن من المقاعد. لكن الأهم لم يبدأ بعد.

    فالأغلبية السياسية لا تصنعها أسماء الأحزاب فقط، بل يصنعها أيضا الأشخاص الذين سيمثلون هذه الأحزاب داخل الحكومة. وإذا كان الاختيار الذي جرى حتى الآن قد أعطى معنى سياسيا للتحالف، فإن تركيب الفريق الحكومي نفسه ينبغي أن يترجم هذا المعنى، وإلا عدنا بسرعة إلى النقطة التي حاولت المشاورات تجاوزها.

    فاطمة الزهراء المنصوري قالت أمام المجلس الوطني لحزبها إنها تريد “حكومة سياسية قوية”، وإن الاختيار ينبغي أن يقوم على الكفاءة والنزاهة، بعيدا عن الزبونية والمجاملة في توزيع المسؤوليات. وهذا في الحقيقة، أول تعاقد سياسي علني لرئيسة الحكومة المقبلة. ولهذا ينبغي أن يكون “الكاستينغ” الحكومي في مستوى تلك العبارة.

    الحكومة السياسية لا تعني أن يتقلّد زمام الوزارات من يحملون بطاقات حزبية، كما أن حكومة الكفاءات لا تعني العودة إلى فكرة أن الخبير القادم من خارج السياسة أكثر صلاحية بالضرورة من المنتخب أو المسؤول الحزبي.

    الحكومة السياسية، في معناها الجدي، هي حكومة تتكون من أشخاص لديهم كفاءة في الملفات التي سيتولونها، لكن لديهم أيضا قدرة على الدفاع عن اختياراتهم، وتحمل مسؤوليتها أمام البرلمان والرأي العام، والاشتباك السياسي حولها.

    الوزير السياسي، أو الوزيرة، هو أو هي شخص يعرف ما الذي وعد به حزبه، وما الذي يريد تغييره، وما الذي سيدافع عنه إذا اعترضت المعارضة، وما الذي سيقوله للمواطن إذا فشل. والكفاءة لا تعني أن يتحول الوزير إلى مدير عام كبير لا نراه إلا في البلاغات، ولا أن يصبح الحزب مجرد آلة لتوفير الغطاء السياسي لمسؤولين لا يعرف أحد كيف وصلوا إلى الحكومة.

    من المنطقي أن تظهر مع كل مفاوضات لتشكيل حكومة مطالب الأحزاب وحساباتها الداخلية. هناك من يريد تمثيل جهة، ومن يطالب بمكافأة اسم ساهم في النجاح، ومن يريد الحفاظ على توازنات داخل القيادة، ومن يرى أن هذا الشخص “يستحق” الوزارة لأنه انتظر طويلا، ومن يجد في الحكومة مناسبة لترتيب خلاف داخلي أو ترضية جناح أو إبعاد منافس. كل هذه الحسابات موجودة في السياسة، ولا يمكن إنكارها، لكنها تصبح خطيرة حين تتحول إلى معيار أساسي في اختيار الوزراء.

    المواطن الذي ذهب يوم 23 شتنبر إلى مكتب التصويت لم يفعل ذلك لكي تُحل مشكلة تنظيمية داخل حزب، ولم يعبر الطريق نحو الصندوق لكي يكافأ فلان على إخلاصه أو تُرضى عائلة سياسية أو يُعوّض شخص عن منصب لم يحصل عليه. ذلك المواطن اختار أن يمنح الأحزاب شيئا ثمينا جدا اسمه الشرعية الانتخابية، ومن حقه أن يرى مقابل ذلك فريقا حكوميا يمكن الدفاع عنه أمامه.

    لو كانت لدينا انتخابات يشارك فيها سبعة أو ثمانية مواطنين من كل عشرة، لكان بإمكاننا القول إن الديمقراطية تملك خزانا واسعا من الثقة يسمح لها بامتصاص بعض الخيبات. لكننا لسنا في هذا الوضع المريح. نحن أمام جسم انتخابي منكمش، ونسبة واسعة من المواطنين اختارت أصلا عدم الدخول إلى اللعبة، وبعضهم لم يسجل نفسه في اللوائح من البداية.

    لا ينبغي أن “نندّم” من صوّت. ولا أن ينظر المواطن بعد أسبوعين إلى أسماء الحكومة فيقول لنفسه: هل لهذا ذهبت إلى مكتب التصويت؟ ولا ينبغي أن يشعر من اختار حزبا لأنه وعده بالتغيير أن الانتخابات انتهت عند باب الوزارة، وأن قواعد أخرى بدأت بعده. بل ينبغي أن يكون العكس.

    ينبغي أن تجعل الحكومة الجديدة من لم يسجل نفسه في اللوائح الانتخابية، يرى أن الذين شاركوا أنتجوا شيئا يستحق النظر. وأن يقول من بقي في البيت يوم 23 شتنبر “ربما كان عليّ أن أصوّت”. ليس لأن الحكومة ستعجبه بالضرورة، فهذا مستحيل في الديمقراطية، بل لأنه سيشعر بأن هناك علاقة مفهومة بين الانتخابات ومخرجاتها.

    الأحزاب التي تتجه إلى المشاركة في الحكومة الجديدة لها مؤسسات داخلية وتاريخ وقواعد ومراجع متفاوتة، وقد أظهرت الأيام الأخيرة أن قرارات المشاركة نفسها مرت عبر نقاشات وهيئات، وليس عبر مجرد تفاهم بين الأشخاص. كل ذلك جيد. لكن هناك فرق بين هندسة سياسية جيدة وبين حكومة جيدة. الأولى تكاد تنتهي الآن. والثانية تبدأ بإعلان أسماء الوزراء.

    يهمّنا كثيرا من سيُسند إليه قطاع التعليم؟ ومن سيحمل حقيبة الصحة؟ ومن سيواجه البطالة؟ ومن سيتولى الاقتصاد والمالية؟ ومن سيقود الإصلاح القانوني وترميم العدالة؟ وهل ستكون لدينا أسماء تستطيع أن تقف داخل البرلمان أمام معارضة قوية وتشرح وتقنع وتدافع؟ وهل ستأتي الحكومة بنساء ورجال لهم وزن سياسي وكفاءة فعلية؟

    الحكومة الجديدة لن تبدأ من نقطة الصفر. بل ستكون أمام مجتمع عبّر، بأكثر من طريقة، عن ضيقه بالسياسة وبالمؤسسات وبالوساطة الحزبية. وأمام شباب اختار قسم مهم منه إدارة ظهره للانتخابات، فيما راهن جزء آخر، ولو بصعوبة، على أن الصندوق يمكن أن يغير شيئا. والذين آمنوا وراهنوا يستحقون جوابا.

    سيكون من السهل جدا أن نحتفل بعد بضعة أيام بالتداول، وبأول امرأة تقود الحكومة، وبعودة المعارضة، وبأغلبية سياسية ذات معنى. لكن الامتحان الحقيقي أبسط وأكثر قسوة، ويكاد يلخّصه سؤال “هل سيشعر الذين صوّتوا أن ما خرج من أصواتهم يستحق كونهم صوّتوا؟”.

    إذا حدث ذلك، فربما نكون قد بدأنا بالفعل طريق استعادة الذين غابوا. وإذا لم يحدث، فلا ينبغي بعد خمس سنوات أن نتفاجأ حين نجد مكاتب التصويت أكثر فراغا.

    احترموا أصوات من صوّتوا أولا، إذا كنتم تريدون إقناع من لم يصوّت بأن يأتي في المرة المقبلة.

    احترموا من صوّتوا! صوت المغرب.

    مشاهدة احترموا من صو توا

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ احترموا من صو توا قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، احترموا من صوّتوا!.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار