عاد ملف مصفاة «لاسامير» وتسقيف أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش في المغرب، مع تجدد الدعوات إلى اتخاذ إجراءات لحماية القدرة الشرائية وتعزيز الأمن الطاقي. ولا يتعلق الأمر بمطلب واحد، بل بمسارين مختلفين: استعادة جزء من قدرات تكرير النفط داخل المملكة، والتدخل في آلية تحديد أسعار الوقود التي يؤديها المستهلك في محطات التوزيع.
وتكتسب القضية أهمية إضافية في ظل ارتفاع فاتورة واردات المنتجات النفطية. فقد أورد تحليل نشرته صحيفة «Médias24» يوم 6 أكتوبر 2026 أن واردات المغرب من الغازوال والفيول بلغت 50.7 مليار درهم حتى نهاية غشت، بزيادة 44.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. لكن هذه الأرقام لا تعني أن كامل الزيادة ناتج عن توقف المصفاة؛ إذ تتأثر الفاتورة أيضا بأسعار الأسواق الدولية وتكاليف التكرير والنقل والتأمين.
لماذا عادت لاسامير إلى النقاش؟
توقفت مصفاة «لاسامير» بالمحمدية عن التكرير سنة 2015، ومنذ ذلك الحين أصبح المغرب يعتمد على استيراد المنتجات النفطية المكررة لتلبية حاجته من المحروقات، بدل استيراد النفط الخام وتكرير جزء منه محليا.
وكانت المصفاة تتوفر على قدرة تكريرية تقارب 200 ألف برميل يوميا، بحسب التحليل نفسه. وتكمن أهمية هذه القدرة في أن التكرير ليس مجرد مرحلة تقنية بين استخراج النفط واستهلاكه، بل نشاط صناعي يمكن أن يؤثر في أمن الإمدادات، وحاجيات التخزين، وكلفة استيراد المنتجات النهائية.
وتظهر أهمية هذه المسألة عندما لا ترتفع أسعار النفط الخام وحدها، بل ترتفع أيضا كلفة المنتجات المكررة. ففي مثل هذه الحالات، لا يكفي انخفاض سعر البرميل الخام لضمان تراجع سريع في أسعار الغازوال والبنزين، لأن المستورد يؤدي كذلك كلفة التكرير في الخارج والشحن والتأمين وبقية المصاريف المرتبطة بوصول المنتج إلى السوق المغربية.
وهذا ما يجعل إعادة تشغيل المصفاة مطلبا مرتبطا بالسياسة الصناعية والأمن الطاقي، إلى جانب النقاش بشأن أسعار المحروقات.
هل ستؤدي إعادة تشغيل المصفاة إلى انخفاض أسعارالمحروقات ؟
قد تمنح عودة التكرير المحلي المغرب خيارات أوسع في تأمين احتياجاته، وتتيح له الموازنة بين استيراد النفط الخام واستيراد المنتجات المكررة، بحسب الأسعار والظروف المتاحة. كما يمكن أن تساهم في تقليص التعرض لبعض الاختناقات التي تصيب سوق المنتجات المكررة دوليا.
لكن إعادة تشغيل لاسامير لا تعني تلقائيا انخفاض أسعار الوقود في محطات التوزيع. فالنتيجة ستتوقف على كلفة شراء النفط الخام، ومصاريف تشغيل المصفاة وصيانتها، والاستثمارات اللازمة لإعادة تأهيلها، وكفاءة الإنتاج، وكلفة التمويل، ومدى قدرة المنتجات المنتجة محليا على منافسة المنتجات المستوردة.
وحتى في حال عودة الإنتاج، ستظل أسعار المحروقات مرتبطة بجزء من التكاليف الدولية وبمصاريف النقل والتخزين والتوزيع والضرائب. لذلك، فإن قياس جدوى إعادة التشغيل ينبغي ألا يقتصر على السؤال عن مقدار الانخفاض المحتمل في سعر اللتر، بل يجب أن يشمل أيضا أثر المشروع في الميزان التجاري، وفرص الشغل، والقدرات الصناعية، واستمرارية الإمدادات.
وتؤكد هذه المعطيات أن إعادة تشغيل المصفاة مشروع استراتيجي محتمل، لكنه يحتاج إلى تقييم اقتصادي ومالي وتقني واضح قبل تقديمه باعتباره حلا مضمونا لغلاء المحروقات.
ماذا حدث لملف استعادة لاسامير؟
لا يزال مستقبل المصفاة مرتبطا بمسار قضائي ومالي معقد، ولم يؤد تداول عروض لإعادة الاستحواذ عليها إلى إعلان استئناف التكرير.
وفي فبراير 2026، أفادت «Médias24» بأن عرضا قدمته شركة إماراتية للاستحواذ على المصفاة بقيمة 3.5 مليارات دولار اعتُبر غير مقبول بسبب إشكالات مرتبطة بالملف، مع الإشارة إلى أن القرار لم يكن نهائيا في ذلك الوقت. ويمكن الاطلاع على تفاصيل الخبر في تقرير الصحيفة حول العرض الإماراتي.
كما يظهر الملف في المسار البرلماني؛ إذ سجل مجلس النواب سؤالا كتابيا بشأن الإجراءات الممكنة لاستئناف نشاط مصفاة «لاسامير»، وكان السؤال لا يزال مدرجا دون جواب في الصفحة البرلمانية التي جرى الاطلاع عليها. ويمكن مراجعة السؤال الكتابي المتعلق بإعادة تشغيل المصفاة.
وتعني هذه التطورات أن الدعوة إلى إعادة التشغيل تصطدم بأسئلة عملية لا يمكن تجاوزها بالشعارات، من بينها كيفية تسوية الوضعية القانونية والمالية، وتحديد الجهة التي ستتولى الاستثمار والتشغيل، وتوفير التمويل اللازم، وضمان قدرة المصفاة على العمل وفق المتطلبات التقنية والبيئية.
تسقيف أسعار المحروقات.. ما المقصود به؟
يقصد بتسقيف الأسعار وضع حد أقصى لا يمكن تجاوزه عند بيع الغازوال والبنزين للمستهلك، وفق قواعد تحددها السلطات المختصة. ويختلف هذا الإجراء عن دعم الأسعار، الذي تتحمل فيه الدولة جزءا من الكلفة، كما يختلف عن مراقبة المنافسة للتأكد من أن الأسعار وهوامش الربح لا تتضمن ممارسات غير مشروعة.
وقد عاد هذا الخيار إلى النقاش المؤسساتي خلال سنة 2026. ففي جلسة تشريعية يوم 16 يونيو، رفض مجلس المستشارين مقترحات قوانين تتعلق بتسقيف أسعار المحروقات وتأميم «لاسامير». وبحسب الأرقام التي نشرتها «Médias24»، صوت 29 مستشارا ضد النصين، مقابل 10 أصوات مؤيدة، فيما امتنع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عن التصويت.
وبذلك، فإن تسقيف أسعار المحروقات لم يتحول، وفق المعطيات المتاحة في هذه المصادر، إلى إجراء معمول به بموجب تلك المقترحات. ولا ينبغي الخلط بين تجدد المطالب السياسية أو النقابية وبين صدور قرار قانوني جديد يغير طريقة تحديد الأسعار.
هل يحمي التسقيف القدرة الشرائية؟
يمكن أن يساعد تحديد سقف للأسعار على الحد من الارتفاع الذي يتحمله المستهلك مباشرة، خصوصا خلال فترات الصدمات الدولية. غير أن فعاليته تتوقف على طريقة احتساب السقف، ومدى تحديثه، وكيفية التعامل مع ارتفاع تكاليف الاستيراد، والجهة التي ستتحمل الفرق إذا أصبحت الكلفة الفعلية أعلى من السعر المحدد.
فإذا فُرض سقف دون مراعاة تكاليف التوريد والتخزين والتوزيع والضرائب، فقد تظهر ضغوط على هوامش الشركات أو على استمرارية الإمدادات، بحسب تصميم الإجراء وظروف السوق. أما إذا ارتبط السقف بآلية واضحة وشفافة للمراجعة، مع تحديد مسؤولية كل طرف، فيمكن تقييم أثره على المستهلك والميزانية والمنافسة بصورة أدق.
وهنا يبرز سؤال أساسي: هل المطلوب تثبيت الأسعار لفترة محددة، أم وضع حد أقصى يتغير وفق معادلة معلنة، أم تعزيز المنافسة والشفافية مع تدخل استثنائي عند حدوث اضطرابات حادة؟ لكل خيار آثار مختلفة، ولا يمكن الحكم عليها من دون الاطلاع على تفاصيله.
ما دور مجلس المنافسة في أسعار الوقود؟
لا يقتصر تدبير سوق المحروقات على الاختيار بين ترك الأسعار للسوق أو تسقيفها. فهناك أيضا دور رقابي يتعلق بمراقبة المنافسة ومدى انتقال تغيرات الأسعار الدولية إلى السوق الوطنية.
وفي مارس 2026، أعلن مجلس المنافسة المغربي تعزيز آليات تتبع كيفية انتقال تغيرات أسعار المنتجات النفطية الدولية إلى السوق الوطنية، في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية. وأوضح أنه سيكثف مراقبته لأسعار الغازوال والبنزين، مع الانتقال استثنائيا من تتبع فصلي إلى مراقبة شهرية، بهدف رصد تغيرات الأسعار والهوامش والتأكد من احترام قواعد المنافسة.
كما شدد المجلس على أن تغيرات الأسعار المحلية ينبغي أن تعكس، بصورة متناسبة وفي آجال معقولة، التغيرات المسجلة دوليا، مع أخذ قيود التزويد والتخزين في الاعتبار. ويمكن الاطلاع على بلاغ مجلس المنافسة بشأن تعزيز مراقبة سوق المحروقات.
ويكتسي هذا المسار أهمية بالنسبة إلى المستهلك، لأن حماية القدرة الشرائية لا ترتبط فقط بمستوى السعر النهائي، بل أيضا بوضوح طريقة احتسابه، ووجود منافسة فعلية، والتحقق من أي ارتفاع غير مبرر في الأسعار أو الهوامش.
ماذا تكشف أرقام الواردات عن الأمن الطاقي؟
تظهر أرقام واردات الغازوال والفيول حتى نهاية غشت 2026 حجم التعرض الذي يمكن أن يواجهه المغرب عندما ترتفع أسعار المنتجات المكررة في الأسواق الدولية. ومع ذلك، ينبغي قراءة هذه الأرقام بحذر؛ فالزيادة في قيمة الواردات قد تنتج عن ارتفاع الأسعار، أو زيادة الكميات، أو تغير مزيج المنتجات المستوردة، ولا يمكن نسبتها بالكامل إلى توقف المصفاة.
وفي تقرير نشرته وكالة «رويترز» في أبريل 2026، قالت وزارة الانتقال الطاقي إن المخزون المتاح آنذاك كان يكفي لنحو 51 يوما من استهلاك الغازوال و55 يوما من البنزين. وهذه أرقام تعكس الوضع في تاريخ نشر التقرير، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها بيانات المخزون الحالية.
وتوضح هذه المعطيات أن الأمن الطاقي لا يعتمد على التكرير وحده، بل يشمل أيضا تنويع مصادر الاستيراد، وتوفير مخزونات كافية، وتطوير البنية التحتية للتخزين والنقل، وتحسين كفاءة الاستهلاك، والتوسع في مصادر الطاقة البديلة حيثما كان ذلك ممكنا.
ما الذي يحتاج إليه المواطن لمعرفة جدوى المطالب؟
بالنسبة إلى المستهلك المغربي، لا تكفي الدعوة إلى إعادة تشغيل المصفاة أو تسقيف الأسعار وحدها. الأهم هو معرفة الكلفة المتوقعة لكل خيار، والمدة اللازمة لتنفيذه، والجهة التي ستتحمل المخاطر المالية، والأثر المحتمل على أسعار البيع النهائية.
وتحتاج إعادة تشغيل «لاسامير» إلى تصور واضح بشأن إعادة التأهيل والتمويل والتشغيل، وإلى بيان ما إذا كانت كلفة الإنتاج المحلي ستكون تنافسية مقارنة باستيراد المنتجات المكررة. أما تسقيف الأسعار، فيحتاج إلى تحديد معادلة شفافة للسقف، وطريقة مراجعته، وكيفية التعامل مع ارتفاع الكلفة الدولية، حتى لا تتحول الحماية المؤقتة للمستهلك إلى مشكلة أخرى في التزويد أو المالية العامة.
كما يمكن أن تسهم مراقبة المنافسة ونشر بيانات دورية حول الأسعار الدولية وكلفة الاستيراد والتخزين وهوامش التوزيع في جعل النقاش أكثر وضوحا، وتسمح للمواطن بفهم أسباب تغير الأسعار بدل الاكتفاء بالمقارنة بين سعر النفط الخام وسعر الوقود في المحطة.
بين حماية القدرة الشرائية وبناء أمن طاقي مستدام
إن إعادة تشغيل مصفاة «لاسامير» وتسقيف أسعار المحروقات مطلبان مختلفان، وإن كانا يلتقيان عند هدف تخفيف العبء عن الأسر وتعزيز قدرة المغرب على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية. فالأول يتعلق باستعادة قدرة صناعية واستثمار طويل الأمد، والثاني يتعلق بكيفية تنظيم الأسعار وتوزيع كلفة الصدمات بين المستهلكين والشركات والدولة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن ملف المصفاة لا يزال محاطا بتحديات قضائية ومالية وتقنية، فيما لم تُعتمد مقترحات التسقيف التي رُفضت في مجلس المستشارين خلال يونيو الماضي. لذلك، فإن الخطوة الأكثر فائدة للمواطن هي الحصول على معطيات رسمية واضحة حول كلفة إعادة التشغيل، والخيارات القانونية المتاحة، وأثر كل صيغة لتنظيم الأسعار على الفاتورة النهائية.
وفي النهاية، لا يقاس نجاح أي سياسة طاقية بمجرد إعلان هدفها، بل بقدرتها على تأمين الإمدادات، وتعزيز الشفافية والمنافسة، والحد من تقلبات الأسعار، وتقديم حماية قابلة للاستمرار للقدرة الشرائية للمغاربة.
المصادر: Médias24 حول كلفة غياب التكرير، مجلس المنافسة المغربي، مجلس النواب المغربي، رويترز حول مخزونات المحروقات في أبريل 2026.
لاسامير وتسقيف المحروقات.. هل يملك المغرب مفاتيح تخفيف أسعار الوقود؟ أنا الخبر - Analkhabar.
مشاهدة لاسامير وتسقيف المحروقات هل يملك المغرب مفاتيح تخفيف أسعار الوقود
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ لاسامير وتسقيف المحروقات هل يملك المغرب مفاتيح تخفيف أسعار الوقود قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنا الخبر ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، لاسامير وتسقيف المحروقات.. هل يملك المغرب مفاتيح تخفيف أسعار الوقود؟.
في الموقع ايضا :
- الرياض تعلن إطلاق “عملية واسعة” ضد الحوثيين
- مصدر عسكري يمني لقناة المنار: أفشلنا محاولة التقدم واحراق وإعطاب 6 اليات للعدوان السعودي وسقوط العشرات بين قتيل وجريح عاجل
- السيسي يؤكد مركزية القضية الفلسطينية وملك ماليزيا يشيد بالدور المصري الإقليمي