في بعض الأوطان، تحتاج إلى عمرٍ كامل كيْ تُثبت أنَّك تستحقّ مقعدًا، وفي أوطان أخرى يكفي أن تثبت أنكّ تنتمي إلى المقعد نفسه! هناكٌ شعوب تبحث عن مُمثلين يحملون هُمومها، وهناك كراسٍ يبدو أنها تبحثُ عن أقاربِ أصحابها. وحينَ تختلط السّياسة بشجرة النّسب، يصبح صندوق الاقتراع أشبه بصندوق الهدايا العائلية، ويغدو البرلمان المكان الوحيد الذي يمكن أن تتحوّل فيه صِلة القرابة إلى مُؤهل سياسي رفيع، دون أن تمرَّ بالضّرورة عبر امْتحان الكَفاءة!
يا لها من عبقرية سياسية تستحق أن تُدرَّس في أرقى الجامعات! فبينما يقضي البعض سنوات في دراسة القانون والاقتصاد والتشريع، تكفي آخرين دروس قصيرة في فنّ الجُلوس، وحسن الابتسام أمام الكاميرات، وإتقان التّصفيق في اللحظة المناسبة. أما بقية المعارف، فيمكن اكتسابها أثناء ممارسة المهمة، فالوطن صَبور، والمواطن مُعتاد على الانتظار، والمقاعد لا تشترط شهادة في فهم مُعاناة الناس.
والأجمل في هذه الحكاية أن التجربة السّياسية لم تعد تحتاج إلى الانتقال من جيل إلى جيل عبر الكتب أو الأفكار أو المواقف. لقد أصبحت تنتقلُ بسُهولة مدهشة من اسم إلى اسم، ومن بيت إلى بيت، حتى ليخيَّل للمرء أن البرلمان اكتشف أخيرًا سرّ الاستمرارية السياسية: أن تبقى السّلطة التّمثيلية في مُحيط العائلة، حيث يسهل تبادُل الخبرات على مائدة الغداء، ومناقشة الشّأن العام بين فنجان قهوة وطَبق حَلوى.
تأمَّلوا روعَة المشهد! وجهان تجمعُهما رابطة الدّم، وتوحدهما قبة واحدة، وتظلهما المؤسسة التشريعية نفسها. أحدهما يحمل خبرة الطريق الذي سبق أن سلكه، والأخرى تمضي في طريق يبدو أن معالمه كانت واضحة قبل أن تبدأ الرحلة. ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في هذا النموذج أن الطموح السياسي لم يعد مضطرًا إلى مغادرة البيت بحثًا عن مستقبله؛ المستقبل صار يعرف العنوان، ويطرق الباب بنفسه، وربما يدخل دون استئذان!
أما المواطن البسيط، ذلك الكائن العجيب الذي يظهر بكثافة في الخطب الانتخابية ثم يتضاءل حضوره في ذاكرة بعض ممثليه، فلا يزال يعتقد في سذاجة مؤثرة أن البرلمان وُجد لمناقشة مشكلاته. يظن أن البطالة تحتاج إلى حلول، وأن المستشفيات تحتاج إلى تجهيزات، وأن المدارس تحتاج إلى إصلاح، وأن الأسعار تستحق مساءلة جادة. لم يدرك بعد أن منجزًا سياسيًا آخر قد يفرض نفسه على المشهد: ضمان الاستمرارية العائلية داخل المؤسسة التي يفترض أنها تمثل الجميع.
القرابة تحت القبّة!
وما أروعَ المساواة حين تُمارَس بهذه الطريقة! يستطيع المواطن أن يحلم بالوصول إلى البرلمان، ويستطيع آخر أن يحلم به لأبنائه، فيما يبدو بعض المحظوظين وكأنهم ولدوا وهم يعرفون مكان الكرسي ورقم الصف والباب الذي يؤدي إليه. الجميع متساوون في حق الحلم، أما فرص تحقيقه فتلك مسألة أخرى تحتاج إلى تفسير لا تجيده دائمًا كتب التربية على المواطنة.
ولا شك أن لهذا النموذج مزايا لا تخطر على بال. فالبرلماني قد لا يحتاج إلى البحث طويلًا عن زميل يفهم وجهة نظره؛ يكفي أن يلتفت إلى المقعد القريب. وإذا استعصى عليه تفسير موقف سياسي، فربما وجد الشرح في جلسة عائلية هادئة. وحتى الاختلاف في الرأي، إن حدث، يمكن تسويته بعيدًا عن صخبِ المؤسسة، وسط أجواء من الألفة التي تعجز عن توفيرها أشدُّ اللجان البرلمانية حرصًا على التوافق.
وقد يأتي يوم يصبح فيه السؤال السّياسي الأهمّ ليس: ماذا قدّم هذا النائب للوطن؟ وإنما: من سيأتي بعده من العائلة؟ عندها تتحوّل البرامج الانتخابية إلى ملاحق لشجرة الأنساب، وتصبح الخبرة السياسية إرثًا معنويًا ينتقل مع الاسم، ويغدو الحديث عن تجديد النخب مجرد تغيير للأعمار والصّور مع الاحتفاظ بالعناوين نفسها.
المشكلة ليست في أن يدخل شخصان من عائلة واحدة إلى البرلمان؛ فالكفاءة لا يحرمها النسب، والقرابة ليست دليل إدانة، المفارقة تبدأ عندما يبدو الطريق إلى تمثيل الشعب أقصر داخل بعض البيوت منه داخل المجتمع كله، وعندما تصبح الأسماء الموروثة أكثر حضورًا من المشاريع الجديدة، وتنجح الوجوه في تجديد نفسها دون أن يشعر المواطن بأن واقعه يتجدد معها.
البرلمان ليس إرثًا… لكنه أحيانًا يشبه التّركة!
أخذا بالاعتبار ما يلف، يبقى السّؤال الذي لا يحتاجُ إلى جواب بقدر ما يحتاج إلى شيء من الحَياء السّياسي: هل البرلمان مؤسسة تصعد إليها الكفاءات لخدمة الأمة، أم فضاء يمكن أن تتحوّل فيه المقاعد، مع مرور السنوات، إلى جزء من الأثاث العائلي؟ يا لسُخرية الأقْدار! المواطنُ يورّث أبناءَه القلق على المستقبل، وبعضُ المحظوظين يورّثُون أبناءَهم الاطمئنان إليْه.
الأول يترك لهم فواتير الحياة، والآخر يفتح أمامهم أبواب السياسة. وبين ميراث الهموم وميراث المقاعد، تستمرّ الديمقراطية في أداءِ دورها العَظيم: تمنح الجميع صوتًا يوم الاقتراع، ثم تترك لبعض الأسماء فرصة أن يظل صداها مسموعًا لسنوات طويلة!
ولعلّ أعْجَب ما في الحكاية أن الشّعب، الذي قيل له إن البرلمان بيته، قدْ يكتشفُ ذات صباح أنّه مُجرد ضيفٍ في بيتٍ يعرفُ أصحابُه بعضَهم بعضًا منذ زمَن بعيدٍ!
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
بَرلمانٌ مفاتيحُه في جَيْبِ العَائلة! Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة ب رلمان مفاتيح ه في ج ي ب الع ائلة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ب رلمان مفاتيح ه في ج ي ب الع ائلة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بَرلمانٌ مفاتيحُه في جَيْبِ العَائلة!.
في الموقع ايضا :
- وزارة الاقتصاد الألمانية: الوزيرة كاثيرينا رايخه علقت في الرياض إثر هجوم استهدف المطار مما اضطرها الى البقاء في العاصمة السعودية حتى الثلاثاء عاجل
- Fête nationale espagnole en Tunisie: un partenariat stratégique au-delà de la géographie et des messages de solidarité avec la Palestine
- اللجنة الوطنية اليمنية تدشن ورشتين تدريبيتين في عدن لتعزيز التحول الرقمي والتخطيط الإستراتيجي بالتعليم