المسار | مقالات الرأي
د. لهية القريني
في عصر تتجدد فيه الأدوات والتطبيقات الرقمية بوتيرة متسارعة، وتتضاعف فيه مصادر المعرفة وتتنوع، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه إحدى الأدوات التقنية التي أحدثت تحولًا ملحوظًا في طريقة تعاملنا مع المعلومات وإنجاز المهام. فقد أصبح كثير منا يوظّف تطبيقاته في العمل والتعلم والبحث العلمي، بل وفي جوانب متعددة من حياته اليومية، لما توفره من وقت وجهد، وما تتيحه من سهولة في الوصول إلى المعلومات وتنظيمها ومعالجتها.
لم يعد دور الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على استرجاع المعلومات، بل امتد إلى توليد الأفكار، وإعداد الخطط، وإنتاج المحتوى النصي والبصري، وإنشاء مقاطع الفيديو، فضلًا عن المساعدة في تحليل البيانات وتلخيص النتائج. ويمكن الاستفادة من هذه الإمكانات في مجالات متعددة، من بينها التعليم والصحة والبحث العلمي والإدارة وغيرها من مجالات الحياة.
لكن، أمام هذه الإمكانات المتعددة، يبرز سؤال مهم : كيف نتعامل مع المحتوى الذي أنتج بالذكاء الاصطناعي؟ ويتفرع عن هذا السؤال تساؤل آخر أكثر أهمية: ما مدى صحة هذا المحتوى ودقته وموثوقيته؟ أصبح من المألوف أن يتساءل القارئ عند الاطلاع على نص أو تقرير أو دراسة: هل أُنتج هذا المحتوى بواسطة الإنسان أم بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟ وقد يتجاوز السؤال مصدر المحتوى إلى التساؤل عن مدى صحة المعلومات الواردة فيه، وسلامة الأدلة التي يستند إليها، ودقة الاستنتاجات التي يقدمها. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف نستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، ثم نتردد في الثقة بالمحتوى الذي تنتجه؟
في اعتقادي، لا تكمن المشكلة في كون المحتوى منتجًا بالذكاء الاصطناعي في حد ذاته، وإنما في مدى صحة ما يتضمنه هذا المنتج، وجودة الأدلة التي يستند إليها، وطريقة استخدامه وتوظيفه. فسلامة الصياغة، وجمال العرض، وترابط الأفكار، لا تعني بالضرورة صحة المعلومات. وقد يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى يبدو منظمًا وواضحًا، لكنه يتضمن معلومات غير دقيقة، أو تفسيرات غير مناسبة، أو مراجع يحتاج نتأكد منها.
ومن هنا، فإن الحكم على جودة المحتوى وصحته يتطلب معرفة متخصصة بالمجال الذي ينتمي إليه. فمعلم التاريخ، على سبيل المثال، يستطيع الاستعانة بخبرته للتحقق من صحة الأحداث وتواريخها وسياقاتها التاريخية، كما يستطيع الباحث المتمكن من مناهج البحث العلمي تقييم سلامة التصميم البحثي، ودقة التحليل، ومدى اتساق النتائج مع البيانات والأدلة. فلكل مجال علمي مفاهيمه ومصطلحاته وأصوله المنهجية التي ينبغي مراعاتها عند إنتاج المعرفة أو تقييمها.
إذن، كيف يمكننا التحقق من صحة المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي؟ يمكن البدء بمجموعة من الممارسات التي تعزز موثوقية المحتوى، من أهمها الرجوع إلى المصادر الأصلية والمراجع العلمية الموثوقة، والتحقق من صحة المعلومات والبيانات والإحالات المرجعية، والاستعانة بأهل الاختصاص عند الحاجة، والالتزام بالمفاهيم والمصطلحات المعتمدة في كل مجال. كما ينبغي توظيف التفكير النقدي في فحص الأفكار والحجج، والتمييز بين الحقائق والآراء والتفسيرات، وعدم الاكتفاء بقبول المحتوى لمجرد أنه صيغ بلغة سليمة أو عُرض بطريقة مقنعة. وفي مجال البحث العلمي، تزداد أهمية هذه الممارسات عند التعامل مع البيانات الإحصائية ونتائج التحليل. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد الباحث في تنظيم البيانات، أو اقتراح أساليب التحليل، أو تلخيص النتائج وتوليد تفسيرات أولية لها، إلا أن ذلك لا يعفي الباحث من التحقق من سلامة الإجراءات الإحصائية، وصحة تفسير المؤشرات، ومدى توافق الاستنتاجات مع البيانات الفعلية. كما ينبغي أن يظل للفكر البشري دوره الأساسي في مناقشة النتائج ونقدها وربطها بالإطار النظري والدراسات السابقة والسياق الذي أُجريت فيه الدراسة.
إن توظيف الذكاء الاصطناعي بفاعليّة لا يعني تفويضه جميع المهام أو التسليم بكل ما ينتجه، كما أن التحقق من المحتوى لا يعني رفضه أو التشكيك فيه لمجرد أن أداة ذكية أسهمت في إنتاجه. المطلوب هو بناء علاقة متوازنة تجمع بين الاستفادة من قدرات هذه الأدوات، والاحتفاظ بالمسؤولية البشرية عن التحقق والتفسير واتخاذ القرار.ربما لا ينبغي أن يكون السؤال هو: هل أنتج الإنسان هذا المحتوى أم أنتجه الذكاء الاصطناعي؟ بل الأهم أن نسأل: هل هذا المحتوى صحيح؟ وما الأدلة التي تدعمه؟ وهل يمكن التحقق منه؟ ومن يتحمل مسؤولية استخدامه، وما هي مصادره الرئيسة؟ وهل هذه المصادر حقا لها وجود؟
إن مستقبل المعرفة لا يتطلب منا الخوف من الذكاء الاصطناعي بقدر ما يتطلب تنمية قدرتنا على التعامل معه بوعي ونقد ومسؤولية. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في إنتاج المزيد من المحتوى، وإنما في إنتاج معرفة موثوقة، وفهمها، والتحقق منها، وتوظيفها توظيفًا سليمًا. وسيظل الإنسان، بما يمتلكه من خبرة وحكم نقدي ومسؤولية أخلاقية، عنصرًا أساسيًا في ضمان جودة المعرفة ومصداقيتها. في الوقت نفسه يجب علينا أن نتحقق من مصداقيه كل محتوى وألا نلجأ في أدوات البحث العلمي في كتابة أصول العلوم وفروعها، فكل علم له كيانه القائم على المعارف الحقيقية، كذلك من واجبنا توجيه غيرنا في تحري الدقة والموثوقية في محتوى الذكاء الاصطناعي (صورة، نص، فيديو) فكم من صورة مولّدة تعطي معلومات غير دقيقة، ويظل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للإنسان المبتكر المبدع، موفرة عليه الوقت والجهد.
مشاهدة د لهية القريني تكتب ذكاء الاصطناعي ومصداقية المعرفة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ د لهية القريني تكتب ذكاء الاصطناعي ومصداقية المعرفة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، د. لهية القريني تكتب: ذكاء الاصطناعي.. ومصداقية المعرفة.
في الموقع ايضا :
- بتوجيهات النائب العام نيابة الأمن والبحث وإدارة مكافحة المخدرات يتلفان ٥٧٠٥٤ ألف شريط حبوب بريجبالين المضبوطة بالأمن الوطني عدن
- The Ministry of Health in Gaza is calling for urgent international intervention to save the life of Dr. Marwan al-Hams.
- مستشار محافظة أبين الأستاذ عادل عبدالله حسين موسى يبارك ويؤيد قرارات المحافظ اللواء الدكتور مختار بن الخضر الرباش الهيثمي بشأن التكليفات الإدارية الجديدة
