تحالفات عابرة للخصومات ...المغرب

هسبريس - اخبار عربية

لا تكشفُ نتائج الانتخابات دائماً عن كامل حقيقَتها؛ فبعض أكثر معاركها حسماً يبدأ بعد إغلاق صناديق الاقتراع، حين تخفُت لغة التّنافس لتعلو حسابات أكثر تعقيداً، وتفسح خصُومات الأمس المجال لتقاربات غير متوقعة، تعيد رسم ملامح المشهد السياسي وتفتح الغد على احتمالات لم تكن في الحسبان.

وفي مثل هذه المنعطفات، تصبح قراءة المشهد السياسي أبعد من متابعة التصريحات والمواقف المعلنة؛ فالصمت أحياناً يحمل من الدلالات ما لا تقوله الكلمات، والتريّث في اتخاذ القرار قد يخفي وراءه مفاوضات شائكة، فيما تكشف التحركات الهادئة عن إعادة تقدير للمصالح وموازين القوى.

    وهنا تتجلّى مفارقات السياسة، حين يصبح ما يجري بعيداً عن الأضواء أكثر تأثيراً في مجرى الأحداث مما يتصدّر واجهتها.

    ليست كل التحولات السياسية ثمرة اقتناع جديد، فقد تُولد أحياناً من إدراك متأخر بأن موازين القوة تغيّرت، وأن المواقع التي كانت تمنح أصحابها أسباب التباعد أصبحت تفرض عليهم ضرورات التقارب.

    ومن هذه الزاوية، يكتسب التقارب بين حزب الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة الديمقراطية، الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، أبعاداً سياسية تتجاوز حسابات الأغلبية الحكومية، وتفتح آفاقاً أوسع للتأمل في قدرة الخصومات التاريخية على إفساح المجال لتفاهمات جديدة، وفي استعداد القوى السياسية لمراجعة مواقعها وإعادة صياغة تحالفاتها.

    وفي عمق هذا التحوّل، تتقاطع شرعية صناديق الاقتراع مع ثقل الذاكرة السياسية، وتبرز معادلة أكثر تعقيداً، تجعل من الوصول إلى السلطة بداية لاكتمال التحدّي السياسي، ومن القدرة على بناء التوافقات والحفاظ عليها شرطاً أساسياً للاستمرار فيها.

    من هذه الزاوية، تبدو عودة أحزاب الكتلة إلى واجهة التحالف أقرب إلى استعادة وظيفة سياسية منها إلى استعادة مجد تاريخي. فالأصالة والمعاصرة، الذي نشأ في سياق إعادة تشكيل الحقل الحزبي ومنافسة قوى راسخة فيه، يجد نفسه اليوم أمام إغراء الاستناد إلى ما راكمته تلك القوى من خبرة وامتداد ورمزية.

    وفي المقابل، تدرك أحزاب راكمت على مدى عقود رصيداً من النضال الوطني والديمقراطي أن عراقة تاريخها، مهما بلغت قيمتها، لا تكفي لضمان حضورها في المشهد السياسي مستقبلاً.

    لا شك أن الحزب المتصدر يحتاج إلى عمق سياسي ومجتمعي يعزز رصيده الانتخابي، فيما تحتاج الأحزاب التاريخية إلى تجديد رؤيتها واستشراف آفاق مستقبلية تتجاوز أمجاد الماضي.

    إنها علاقة تتبادل فيها الأطراف ما تفتقده، وتستعيد من خلالها السياسة قدرتها على تحويل التناقضات القديمة إلى مصالح جديدة.

    لقد كان بوسع حزب الأصالة والمعاصرة أن يواصل رهانه على الشراكة السابقة، غير أن هذا الخيار كان سيضعه أمام مفارقة سياسية يصعب تجاوزها: كيف يقنع الناخبين بملامح مرحلة جديدة من خلال تحالف يحمل في بنيته السياسية صورة المرحلة التي يسعى إلى تجاوزها؟

    من هنا، يكتسب تغيير الشركاء دلالة سياسية أعمق من مجرد تعديل خريطة التحالفات، إذ يفتح المجال أمام إعادة بناء التوازنات وصياغة أفق سياسي جديد، يجمع بين تجديد الخيارات والحفاظ على الاستمرارية المؤسساتية.

    وفي هذا السياق، تبرز أحزاب الكتلة، بما تختزنه من ذاكرة وطنية ورصيد نضالي ومرجعيات اجتماعية، شريكاً محتملاً في بلورة هذا الأفق، بما يمنح التحول المرتقب مضموناً سياسياً، ينقل التّجديد من مستوى الأشْخاص والتّحالفات إلى مُستوى الرؤية والمشروع.

    التّحالفات لا تنسى التّاريخ… لكنها تُعيد تأويله

    وتزدادُ دَلالة هذا الاختيار حين نستحضر أن الأصالة والمعاصرة نفسه كان شريكاً في المسؤولية الحكومية السابقة. فهو لا يستطيع أن يتعامل مع حصيلتها كما لو أنه كان خارجها، ولا أن يتحمّل وحده أعباء خيارات شاركت في صنعها أطراف أخرى.

    وعليه، قد يتيح التحالف الجديد إعادة صياغة العلاقة مع حصيلة التجربة السابقة، وتأسيس مرحلة سياسية تتحدد فيها المسؤوليات على ضوء رهانات المستقبل وأولوياته.

    ولعل المفارقة الأكثر عمقاً أن الأحزاب التي ساهمت في ترسيخ مطلب التناوب والمشاركة تجد نفسها اليوم أمام حزب أحدثَ منها نشأةً، يتصدَّرُ المشهد ويملك فرصة قيادة تحالف تشارك فيه.

    إنها صورة مُعبرة عن انتقال مركز الثقل من الشرعية المستمدة من التاريخ إلى الشرعية التي تمنحها موازين القوة الجديدة.

    وراء هذه الترتيبات جميعها يبرز تحول أعمق في سلوك الأحزاب؛ فقد أصبحت المسافات الإيديولوجية أقل قدرة على منع التّقارب، وأصبحت اعتبارات البقاء والتأثير وتجنب العزلة أكثر حضوراً في صناعة التّحالفات.؛ لا يعني ذلك اختفاء المرجعيات، وإنما تغير موقعها داخل القرار السياسي.

    ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه هذه الصيغة أن تنجح في تسوية خلافات الأحزاب دون أن تنجح في معالجة أسباب تراجع الثّقة في السياسة.

    نهاية الخُصومة أم نهاية أسْبابها؟

    لعلّ الدلالة الأعمق لتحالُف الأصالة والمعاصرة مع أحزاب الكتلة تكمنُ في تقاطع رهانَيْن سياسيين مختلفين: فالحزب المنتصر يتطلع إلى أن يجد لدى خصوم الأمس ما يعجز التّفوق الانتخابي وحدَه عن منحه، فيما تتطلَّع الأحزاب التاريخية إلى أن تَستعيد، من خلال مُنتصر اليوم، موقعاً في المستقبل لم يعد مجْدُ الماضي كافياً لصِيانته.

    وهكذا يلتقي حزبٌ يبحث عن عمق يرسّخ انتصاره، بأحزابٍ تبحثُ عن أفُق يعيد إلى تاريخها فاعليته. ومن هذا التّقاطع قد تنشأ مُعادلة سياسية تُعيد تشكيل خريطة التَّحالفات، وتضع في الوقت نفسه قدرة الأحزاب على تجْديد أدوارها مَوضع اختبار.

    غيرَ أنَّ القيمة الحقيقية لهذا اللّقاء لن تتحدَّد بما يُضيفه كلُّ طرف إلى رصيدِ الآخر، وإنّما بما يستطيع الطّرفان إضافته إلى حياة المجتمع؛ فالتاريخ يمنح الأحزاب جذورها، والانتخابات تمنحُها مواقعها، أما المستقبل فتحدِّده قُدرتها على تَحويل رصيدِ الماضي وشَرعية الحَاضر إلى مشروعٍ سياسي يستجيبُ لتحوُّلات المجتمع وتطلُّعاته.

    لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

    تحالفات عابرة للخصومات Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

    مشاهدة تحالفات عابرة للخصومات

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تحالفات عابرة للخصومات قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تحالفات عابرة للخصومات.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار