تواجه بورصة الدار البيضاء اختباراً حقيقياً لقدرتها على الاحتفاظ بالمستثمرين الأفراد، بعدما بدأت موجة الإقبال القوي على سوق الأسهم، التي انطلقت منذ سنة 2024، تفقد زخمها خلال السنة الجارية، تحت تأثير التقلبات المتزايدة للأسعار، وتراجع المؤشرات الرئيسية، وندرة عمليات الإدراج الجديدة.
وأعادت هذه التطورات طرح تساؤلات بشأن قدرة السوق المالية المغربية على تحويل الاهتمام الظرفي بالاستثمار في الأسهم إلى حضور مستدام للمدخرين الأفراد، خصوصاً أولئك الذين التحقوا بالبورصة خلال فترة الانتعاش، ولم يسبق لهم اختبار تداعيات التصحيحات النزولية على قيمة محافظهم الاستثمارية.
وكشفت معطيات حديثة صادرة عن بورصة الدار البيضاء عن تحول لافت في سلوك المستثمرين الأشخاص الذاتيين المغاربة، الذين ارتفعت حصتهم من أحجام التداول من حوالي 10 في المائة إلى نحو 30 في المائة خلال سنتين، قبل أن تتراجع إلى 22,6 في المائة خلال الفصل الأول من 2026، مقابل 24,9 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وتزامن هذا التراجع مع انخفاض مشتريات هذه الفئة بنسبة 19,8 في المائة، لتستقر عند 6,2 مليار درهم، مقابل تقلص مبيعاتها بنسبة 29,5 في المائة إلى 5,6 مليارات درهم، في مؤشر على تنامي الحذر وتراجع وتيرة تدوير المحافظ الاستثمارية.
وأظهرت المؤشرات ذاتها مفارقة بين التوسع الكبير لقاعدة زبائن شركات البورصة ومحدودية المشاركة الفعلية في التداولات، إذ قفز عدد الزبائن بنسبة 142,3 في المائة سنة 2025، ليبلغ 135 ألفاً و287 زبوناً، فيما لم يتجاوز عدد المستثمرين المغاربة النشطين من الأشخاص الذاتيين حوالي 32 ألفاً.
وتأتي هذه التحولات في سياق اتسم بتراجع مؤشر “مازي” بنسبة 8,9 في المائة خلال الفصل الأول من 2026، وانخفاض الحجم الإجمالي للتداولات إلى 26,9 مليار درهم، بعدما بلغ 33,3 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، فيما اقتصرت عمليات الإدراج الجديدة خلال السنة الجارية، إلى حدود الفترة المعنية، على عملية واحدة همت مجموعة “T2S Group Holding”.
واستفادت السوق، قبل ذلك، من عمليات إدراج شركات “Vicenne” و”Cash Plus” و”SGTM”، التي عبأت استثمارات بقيمة 6,1 مليارات درهم، بالتزامن مع توسع استخدام المنصات الرقمية، التي استحوذت على 69 في المائة من أوامر التداول خلال النصف الأول من السنة الماضية.
ودفع هذا الوضع بورصة الدار البيضاء إلى إطلاق دراسة معمقة بشأن سلوكيات المستثمرين الأفراد ومدى تحملهم للمخاطر، في محاولة لاستيعاب أسباب تباطؤ نشاطهم وتحديد التدابير الكفيلة بتعزيز ارتباطهم بالسوق، بعيداً عن تأثير موجات الصعود والتراجع.
أعادت التقلبات التي شهدتها بورصة الدار البيضاء خلال الأشهر الماضية ترتيب سلوكيات المستثمرين الأفراد، بعدما انتقلت السوق من مرحلة اتسمت بارتفاع متواصل للأسعار وتزايد فرص تحقيق الأرباح إلى مرحلة أصبحت فيها المحافظة على قيمة المحافظ الاستثمارية أولوية متقدمة لدى شريحة واسعة من المتعاملين.
وعكس هذا التحول طبيعة الارتباط الذي نشأ بين عدد من المدخرين وسوق الأسهم خلال فترة الانتعاش، عندما شكلت الأرباح السريعة وعمليات الإدراج الجديدة أبرز دوافع دخولهم إلى البورصة.
وأبرزت المقارنة بين الفصول الأولى من سنوات 2024 و2025 و2026 حجم التغير الذي طرأ على هذه الدينامية؛ إذ سجل مؤشر “مازي” ارتفاعاً بنسبة 7,6 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2024، بالتزامن مع نمو الحجم الإجمالي للتداولات بنسبة 82,8 في المائة، فيما استحوذ المستثمرون الأشخاص الذاتيون المغاربة على 24 في المائة من المبادلات بالسوق المركزية، بمشتريات بلغت 2,7 مليار درهم ومبيعات قاربت 2,8 مليار درهم.
وتسارعت وتيرة الإقبال خلال الفصل الأول من 2025، بعدما قفز مؤشر “مازي” بنسبة 20,2 في المائة، وارتفع الحجم الإجمالي للتداولات إلى 33,3 مليار درهم، بزيادة سنوية بلغت 185,2 في المائة. وواكب المستثمرون الأفراد هذا الانتعاش برفع مشترياتهم إلى 7,7 مليارات درهم، ومبيعاتهم إلى 7,9 مليارات درهم، بما يقارب ثلاثة أضعاف المستويات المسجلة قبل سنة، في انعكاس مباشر لتنامي جاذبية الأسهم المغربية وسط توقعات باستمرار منحاها التصاعدي.
غير أن تغير اتجاه السوق خلال الفصل الأول من السنة الجارية كشف عن بداية فتور في نشاط هذه الفئة، دون أن يترجم بالضرورة إلى موجة انسحاب جماعي، فقد أظهرت البيانات احتفاظ المستثمرين الأفراد بوضعية مشترين صافين للأسهم، بفارق إيجابي ناهز 600 مليون درهم، خلافاً للفصلين الأولين من سنتي 2024 و2025، اللذين سجلا خلالهما صافي مبيعات محدوداً، رغم الأداء الإيجابي للمؤشرات.
واكتسى هذا المعطى أهمية خاصة في قراءة مدى صمود المستثمرين الأفراد أمام التصحيحات التراجعية؛ ذلك أن انخفاض المبيعات بوتيرة تفوق المشتريات يوحي بميل جزء من المتعاملين إلى الاحتفاظ بأسهمهم وانتظار تحسن الأسعار، عوض التخلص منها تحت ضغط الخسائر المحتملة. غير أن هذه الوضعية لا تكفي وحدها للجزم بارتفاع قدرة المستثمرين على تحمل المخاطر، بالنظر إلى احتمال ارتباطها أيضاً بتردد بعضهم في تسجيل خسائر فعلية بعد انخفاض القيمة السوقية لاستثماراتهم.
وفي تعليق على هذه التطورات شدد محمد أمين بوخلال، المستشار المالي المتخصص في تدبير المحافظ بالبورصة، على ضرورة التمييز بداية بين المستثمر الذي يلج السوق اعتماداً على إستراتيجية طويلة الأمد، وآخر تتحكم في قراراته توقعات تحقيق أرباح سريعة، خصوصاً خلال فترات ارتفاع الأسعار، موضحا أن “هذا التمييز يثير إشكالية قدرة المحافظ الفردية على امتصاص التقلبات، ومدى اعتماد أصحابها على توزيع الاستثمارات بين قطاعات وأصول مختلفة لتقليص التعرض للمخاطر”.
وأضاف بوخلال، في تصريحات لهسبريس، أن “التحولات المسجلة أثارت أيضاً مسألة التدبير النفسي للخسائر، باعتبار أن المستثمرين الذين دخلوا السوق خلال فترة الصعود قد يجدون صعوبة في التكيف مع انخفاض الأسعار، خصوصاً عندما تكون قراراتهم مبنية على تتبع الأداء اليومي للأسهم، بدلاً من تقييم الوضعية المالية للشركات وآفاق نمو أرباحها”، مؤكدا أن هذه الظروف قد تدفع بعض المتعاملين إلى تجميد استثماراتهم أو تقليص وتيرة التداول، فيما قد يستغل آخرون التصحيحات لتعزيز مراكزهم في أسهم يعتبرونها مقومة بأقل من قيمتها.
ونبه المستشار المالي في السياق ذاته إلى دور شركات البورصة ومستشاري الاستثمار في مواكبة المستثمرين الجدد، من خلال توفير المعلومات المتعلقة بالمخاطر وتنويع المحافظ وتحديد الآفاق الزمنية المناسبة للاستثمار، خصوصاً أن توسع قاعدة الزبائن لا يعني بالضرورة امتلاك جميع الملتحقين الجدد بالبورصة الخبرة اللازمة للتعامل مع الدورات المتعاقبة للسوق.
ويظل التحدي الأساسي مرتبطاً بقدرة هذه الفئة على الاستمرار في السوق عندما تتراجع فرص تحقيق الأرباح قصيرة الأمد، بما يسمح بالتمييز بين نمو حقيقي لقاعدة المستثمرين، قائم على الادخار والاستثمار المنتظم، وبين موجات إقبال مؤقتة ترتبط أساساً بالارتفاعات القوية للأسهم وعمليات الاكتتاب الجديدة.
تحديات الاحتفاظ بالمدخرين ورهان الاستثمار المستدام
وضعت التطورات الأخيرة بورصة الدار البيضاء أمام تحديات تتجاوز الأداء الظرفي للمؤشرات، لتشمل محدودية الأدوات الاستثمارية المتاحة للأشخاص الذاتيين، وضعف الثقافة المالية لدى فئات من المدخرين، فضلاً عن استمرار الاعتماد الكبير على عمليات الإدراج الجديدة باعتبارها إحدى الآليات الرئيسية لاستقطاب المستثمرين. وتزداد أهمية هذه الإشكالات في الفترات التي تتراجع فيها جاذبية السوق الثانوية، وتتقلص خلالها فرص تحقيق عوائد رأسمالية سريعة.
وكشفت تجربة السنتين الماضيتين عن الدور المحوري للسوق الأولية في توسيع قاعدة المستثمرين، بعدما ساهمت عمليات إدراج شركات تنشط في قطاعات مختلفة في تعبئة مدخرات جديدة واستقطاب أشخاص يخوضون تجربتهم الأولى في الاستثمار بالأسهم. غير أن اقتصار الإدراجات سنة 2026، إلى حدود الفترة المذكورة، على عملية مجموعة “T2S Group Holding”، المنجزة في يوليوز الماضي، قلص فرص تجديد هذا الزخم، في وقت أصبحت السوق مطالبة بالاحتفاظ بالمستثمرين الذين استقطبتهم العمليات السابقة.
وتواجه هذه المهمة عائقاً إضافياً يرتبط بطبيعة الأدوات المتاحة للمستثمرين الأفراد، إذ تظل خياراتهم المباشرة خلال فترات انخفاض الأسعار محدودة، في الغالب، بين الاحتفاظ بالأسهم أو بيعها أو تعزيز المراكز الاستثمارية، مع محدودية الولوج إلى آليات التحوط التي تسمح بتخفيف آثار التصحيحات النزولية. ويجعل هذا الوضع أداء المحافظ الفردية أكثر ارتباطاً بالاتجاه العام للسوق، خصوصاً عندما تكون الاستثمارات مركزة في عدد محدود من الأسهم.
وبهذا الخصوص أشار عبد اللطيف ويجمان، خبير متخصص في تحليل بيانات الأسواق المالية، إلى أهمية العلاقة بين تراجع أحجام التداول وتغير سلوك المستثمرين، من خلال التمييز بين انخفاض النشاط الناتج عن الحذر المؤقت وبين الانكماش المستمر في المشاركة الفعلية، مشددا على وجوب تتبع مؤشرات إضافية، من قبيل عدد المستثمرين النشطين وتواتر تنفيذ الأوامر ومتوسط قيمة المعاملات، عوض الاكتفاء بقياس حصتهم من إجمالي المبادلات.
وأكد ويجمان، في تصريحات للجريدة، أن “البيانات المتاحة تظهر ضرورة التعامل بحذر مع نسب المشاركة في التداولات، باعتبار أنها تتأثر أيضاً بحجم العمليات التي تنجزها المؤسسات المالية والأشخاص المعنويون؛ وبالتالي فإن انخفاض حصة المستثمرين الأفراد لا يعني بالضرورة تراجعاً مماثلاً في عددهم، مثلما لا يشكل ارتفاع هذه الحصة دليلاً كافياً على توسع قاعدة المستثمرين المنتظمين، دون الاستناد إلى معطيات بشأن الحسابات النشطة وتطور المحافظ على مدى زمني أطول”.
واعتبر محلل الأسواق المالية أن أهمية هذا التمييز تزداد بالنظر إلى الفارق المسجل بين عدد زبائن شركات البورصة، الذي تجاوز 135 ألفاً خلال 2025، وعدد المستثمرين المغاربة النشطين من الأشخاص الذاتيين، البالغ حوالي 32 ألفاً، موردا أنه رغم اختلاف نطاق المؤشرين فإن هذه المعطيات تطرح إشكالية تحويل فتح الحسابات إلى مشاركة منتظمة في السوق، بما يضمن استمرار تدفق المدخرات نحو الأسهم خارج فترات الاكتتابات الكبرى.
ويشكل التحول الرقمي أحد المداخل الممكنة لمعالجة جانب من هذه الإشكالية، بعدما أظهرت المعطيات أن المنصات الإلكترونية أصبحت تستحوذ على الحصة الأكبر من أوامر التداول. غير أن تسهيل الولوج التقني إلى البورصة لا يضمن، بمفرده، تحسن جودة القرارات الاستثمارية، في غياب أدوات مبسطة لتحليل المخاطر وتقييم الشركات وفهم طبيعة المنتجات المالية، بما يحول دون اتخاذ قرارات متسرعة تحت تأثير التقلبات اليومية للأسعار.
وفي محاولة لاستيعاب هذه التحديات أطلقت بورصة الدار البيضاء دراسة معمقة تستهدف تحديد الخصائص السلوكية للمستثمرين الأفراد، مع التركيز على الآفاق الزمنية لاستثماراتهم ومستويات تحملهم المخاطر وطبيعة تفاعلهم مع موجات الارتفاع والتصحيح. وتشمل الدراسة أيضاً استخدام الوسائط الرقمية، بما يسمح بتكوين صورة أكثر دقة عن دوافع المشاركة في السوق والعوامل التي قد تدفع بعض المستثمرين إلى تقليص نشاطهم أو مغادرتها.
ومن شأن نتائج هذه الدراسة أن توفر أرضية لتطوير تدابير موجهة إلى المستثمرين الأفراد، بتنسيق مع شركات البورصة وباقي المتدخلين في المنظومة المالية، سواء تعلق الأمر بتعزيز التثقيف المالي أو تحسين جودة المعلومات المتاحة أو توسيع فرص الاستثمار وتنويع المنتجات التي تستجيب لاختلاف مستويات المخاطر والقدرات الادخارية.
ويرتبط نجاح هذه الجهود كذلك بقدرة السوق على استقطاب شركات جديدة وتحسين سيولة الأسهم المدرجة، بما يتيح للمستثمرين فرصاً أوسع لتنويع محافظهم، ويحد من تركيز المعاملات في عدد محدود من القيم. كما يظل تعزيز الثقة في شفافية السوق وجودة التواصل المالي للشركات عاملاً حاسماً في تشجيع المدخرين على تبني إستراتيجيات استثمارية طويلة الأمد.
تقلبات الأسهم تختبر صمود المستثمرين الأفراد في بورصة الدار البيضاء Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة تقلبات الأسهم تختبر صمود المستثمرين الأفراد في بورصة الدار البيضاء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تقلبات الأسهم تختبر صمود المستثمرين الأفراد في بورصة الدار البيضاء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تقلبات الأسهم تختبر صمود المستثمرين الأفراد في بورصة الدار البيضاء.
في الموقع ايضا :
- منتدى مصر 2026.. ماذا تتناول جلسة أمن الوطن والمواطن؟
- من سيخلف سانشيز في رئاسة الحكومة الإسبانية؟
- لبنان يلغي ترخيص بنك صادرات الإيراني وسط ضغوط أمريكية لعزل طهران ماليا