صفقة.. دفع ثمنها ترامب من جيب أوكرانيا وأوروبا
لكن الحقيقة أن هذه كانت فدية بكل معنى الكلمة: إمبراطورية تتسوّل من خصم فرضت عليه عقوبات أربع سنوات، للحصول على وقود يحرّك اقتصادها. الأرقام لا تكذب: ثلاثمئة ألف طن تكفي أقل من يوم واحد من الاستهلاك الأمريكي البالغ نحو أربعمئة ألف طن يومياً، وحتى مع الشحنات اللاحقة لا يتجاوز الإجمالي استهلاك ثلاثة إلى خمسة أيام، وقد وصفت هيئة الإذاعة الأسترالية التأثير الفعلي بأنه “ضئيل للغاية”. فلماذا هذه الصفقة إذن؟ لأن ترامب لم يكن يشتري الديزل، بل كان يشتري موقفاً، سردية يقول فيها للناخب “أنا أفعل شيئاً”. أما الثمن الحقيقي، فدفعته أوكرانيا وأوروبا.
الديزل مقابل أوكرانيا
فلم تكن صفقة الديزل معزولة، بل كانت حلقة في سلسلة بدأت قبل أشهر: في أغسطس الماضي زار مدير CIA جون راتكليف موسكو سراً واقترح قمة ثلاثية، فرفض بوتين؛ وفي سبتمبر زار المبعوثان ويتكوف وكوشنر موسكو لمناقشة خطط إنهاء الحرب؛ وفي التاسع من أكتوبر أُلغيت زيارة المبعوثين، وفي اليوم نفسه أُعلن اتفاق الديزل. المعادلة صارخة: الديزل مقابل أوكرانيا.
استبعاد زيلينسكي من المشهد
وفي اليوم التالي، ضربت أوكرانيا مصفاة نوفوشاختينسك الروسية، فردّ ترامب بمهاجمة زيلينسكي علناً: “أوكرانيا تحتاج إلى رئيس جديد”. وفي اليوم نفسه، دعا النائب الأوكراني السابق نوفينسكي — أوليغارشي مقرّب من الكرملين — زيلينسكي إلى الاستقالة، متهماً إياه برفض شروط معتدلة في إسطنبول 2022، وتفيد تقارير لـبوليتيكو عن “اتفاق غير معلن” بين بوتين وترامب على استبعاد زيلينسكي من المشهد.
فأوكرانيا لم تكن طرفاً في الصفقة، بل كانت ثمنها. وهنا يصدق تحذير كيسنجر: “عندما يتعارض الاحتياج الداخلي للدولة المهيمنة مع المصالح الجماعية للتحالف، تعطي الدولة المهيمنة الأولوية لنفسها دائماً تقريباً”.
أوروبا.. الضحية الصامتة
وفي هذه الصفقة، لم تكن أوروبا شاهداً، بل كانت الضحية الصامتة. فبعد أربع سنوات من الانقياد الأعمى لمواقف الناتو، وقطع الاعتماد على الطاقة الروسية، واستضافة اللاجئين، وتمويل أوكرانيا بعشرات المليارات من اليورو، وجدت نفسها أمام استدارة أمريكية مفاجئة لم يُستشرْ فيها أحد. بلغ سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي 2.24 يورو للتر في سبتمبر 2026، وتآكلت القدرة التنافسية للصناعة الألمانية، وأُغلقت مصافٍ كبرى، وخرج المزارعون الأوروبيون بجراراتهم إلى الشوارع. قطعت أوروبا جسور الطاقة مع روسيا رهناً بوعود أمريكية، ثم اكتشفت أن واشنطن نفسها تعود للتجارة مع موسكو حين تتطلب مصلحتها ذلك، فباتت الحكومات الأوروبية في موقف محرج أمام شعوبها ومطالَبة بتفسير لماذا ضحّت بمصالح مواطنيها في حرب لا تعنيهم مباشرة، ثم خُذلت من حليفها الأكبر.
“فراغ إستراتيجي” بين خياري “الإنصياع الكامل” و”الاستقلال الاستراتيجي”
السؤال مصيري، والخيارات ضيقة ومؤلمة: إما الانصياع الكامل وابتلاع الخيانة والاعتراف ضمنياً بفشل الاستراتيجية الأوروبية، وإما بناء استقلال استراتيجي ذاتي يحتاج إلى إرادة سياسية غائبة وتوافق فرنسي-ألماني مفقود، وإما التطبيع مع روسيا والاعتراف بالهزيمة الاستراتيجية وتفكيك تدريجي لمنظومة الناتو، وإما الانكفاء القومي وعودة كل دولة إلى مصالحها الفردية وانزلاق القارة إلى تنافس داخلي خطر. والحقيقة أن أوروبا، بعد أن راهنت على حامٍ يغيّر رأيه، باتت أمام معادلة قاسية: لا تستطيع أن تثق بأمريكا، ولا أن تواجه روسيا وحدها، ولا أن تستغني عن الناتو، ولا أن تُقنع شعوبها بمزيد من التضحيات.
وهذه هي بالضبط لحظة “الفراغ الاستراتيجي” التي حذّر منها ديغول ذات يوم: “الأمم لا تصنع تحالفاتها بدافع العاطفة، بل بدافع المصالح ومن ينسى ذلك يدفع الثمن مرتين”.
تفوق المقاومة البحري يكشف هشاشة إمبراطورية
لكن اللوحة الحقيقية لا تكتمل إلا في المضائق. يمكن أن يختلف اثنان على أن محور المقاومة قد فرض شروطا أو أنه حقق تفوقاً بحرياً ساحقاً. لكن لا يمكن الانكار أن ما فعله كشف هشاشة الإمبراطورية من أضعف نقطة: الطاقة. إغلاق إيران لمضيق هرمز لم يكن انتصاراً عسكرياً بقدر ما كان كشفاً لعراء استراتيجي فبوسائل غير متماثلة، من ألغام بحرية وزوارق سريعة وصواريخ تحوّل ممر ضيق لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات إلى مرآة تُظهر عجز أعظم قوة بحرية في التاريخ عن حماية شريان التجارة العالمي.
وفي الوقت نفسه، ضغطت القوات المسلحة اليمنية في البحر الأحمر على قناة تصدير النفط السعودي عبر باب المندب، فاكتملت حلقة العرقلة على الممرين معاً.
نظرية الحرب الطويلة لـ”ماو تسي تونغ” في أنقى صورها
هذا التنسيق لم يكن دليلاً على قوة محور المقاومة بقدر ما كان دليلاً على أن الإمبراطورية لم تعد قادرة على حماية مصالحها الحيوية في أكثر نقاط العالم حساسية. وهي نظرية الحرب الطويلة لماو تسي تونغ في أنقى صورها: حين يمتلك العدو تفوقاً تقنياً مطلقاً، لا يبحث الأضعف عن معركة فاصلة، بل يتحكم بالعقد الحاسمة ويستنزف إرادة العدو ووقته حتى يكتشف العدو نفسه أنه لم يعد يحتمل.
وهكذا، فالإمبراطورية التي كان يفترض أن تفرض معادلاتها على العالم، وجدت نفسها تدفع فدية الديزل لبوتين، وتقدّم هدية أوكرانيا على طبق، فقط لترميم صورة داخلية أمام ناخبيها. وحين طلب ترامب الديزل من بوتين، لم يكن ينحني أمام قوة محور المقاومة، بل أمام حقيقة أشد إحراجاً: أن هشاشته الداخلية أصبحت مكشوفة، وأن شعبه لم يعد يحتمل ثمن الحرب، وأن خصومه باتوا قادرين على اختباره من نقاط ضعف لا يملك القدرة على اخفائها.
مصير “أوكرانيا” تقرره غرفة مغلقة بين “واشنطن” و”موسكو”
وكأن ثوكيديدس قد عاد ليذكّرنا: “الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحمّلون ما يجب عليهم”. فصفقة أكتوبر 2026 قلبت المعادلة من زاويتها الأكثر إحراجاً: إمبراطورية تدفع فدية الديزل، وهدية أوكرانيا تُقدَّم لخصم على حساب حليف، ومحور مقاومة لا يفرض شروطاً بل يكشف ضعفاً، وأوروبا تجلس على مقاعد المتفرجين في مأساتها الخاصة تُقدّم التضحيات، وتتحمّل العقوبات، ثم تُترك وحدها في مواجهة العواقب. وحين سُئل زيلينسكي عن الصفقة، لم يتردد: “إنها هدية لبوتين”. قالها بمرارة من يعرف أن الهدية لم تُقدَّم لخصمه من فراغ، بل من جيبه هو من أرضه، ومن دم شعبه، ومن مستقبل بلد يُقرَّر مصيره في غرفة مغلقة بين واشنطن وموسكو، دون أن يكون له فيها صوت.
النفط أسود والسياسة رمادية والتأريخ يكتبه العقلاء بأحرف من ذهب..
لكن هناك، في مضيق هرمز وباب المندب، تُكتب اليوم معادلة مختلفة، لا لأن محور المقاومة فرضها بقوته فحسب، بل لأنه كشف عري من كان يظن نفسه فوق الحساب.
النفط أسود، والسياسة رمادية، والتاريخ لم يكن دائما إلى جانب المبادئ لكنه، في لحظات نادرة، يقف إلى جانب من يعرف كيف يقاوم. لا لأن المقاومة أقوى، بل لأنها أطول نفَساً، وأصدق عزيمة، وأقدر على تحمّل الألم من إمبراطورية لم تعد تحتمل حتى فاتورة الديزل. وهناك، في المضائق الضيقة، تُثبت المقاومة أن القوة ليست في الترسانة وحدها، بل في الإرادة التي لا تُشترى والدم الذي يُفتدى.
مشاهدة الديزل وأوكرانيا ومعادلة المضائق كيف كشف محور المقاومة هشاشة الإمبراطورية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الديزل وأوكرانيا ومعادلة المضائق كيف كشف محور المقاومة هشاشة الإمبراطورية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الديزل وأوكرانيا ومعادلة المضائق: كيف كشف محور المقاومة هشاشة الإمبراطورية.
في الموقع ايضا :
- La coopération éducative tuniso-espagnole se renforce : vers des programmes concrets et une formation modernisée des enseignants d’espagnol
- L’ambassadeur d’Espagne en Tunisie en visite chez Agromillora : l’innovation agricole au cœur du partenariat tuniso-espagnol
- بلجيكا تتعهد بتزويد أوكرانيا بـ10 مقاتلات F-16