ترددتُ كثيرًا قبل أن أكتُبَ عن هذه الصورة، احترامًا لحرمة الموتى، وتقديرًا لمشاعر الأحياء، وإجلالًا لمشهد تتعانق فيه رهبة المقابر مع وقار الحاضرين. خشيت أن تخونني الكلمات أمام صمت القبور، أو أن يجرّني التأمل إلى ما لا يليق بمقام الحزن، فآثرت الصمت برهة، ثم قلت في نفسي: ولِمَ لا أكتب؟ أليس من حق الصورة أن تبوح بما وراء ملامحها؟ أليس من واجب القلم أن يسائل المشهد دون أن يمسّ كرامة أصحابه؟ أنا المتأمل في الوجوه والظلال، والكاتب لأحاديث عابرة وغابرة، أستوقف اللحظات التي يمرّ بها الآخرون مرور الكرام، وأبحث في تفاصيلها عن حكايات أغفلها الكلام.
وها أنا أمام صورة اجتمع فيها الوقار الرسمي والخشوع الديني وصمت الموتى؛ انحنت الرؤوس، وتشابكت الأيدي، وانتظمت الصفوف، وتزاحمت الشواهد المرقّمة في مقدمة المشهد، كأنها تذكّر الجميع بأن أصحابها كانوا يومًا بشرًا بأسماء وأحلام وأوطان.
لم تستفزني مظاهر الاحترام، بقدر ما استوقفني سؤال أشدُّ إيلامًا: كيف استطاع هؤلاء الراحلون أن يجمعوا حول قبورهم كل هذا الحضور، بعدما عجزوا في حياتهم عن العثور على ممرٍّ آمن نحو أحلامهم؟ يا لقسوة المفارقة حين يصبح الوصول إلى المقبرة أيسر من الوصول إلى برّ الأمان! ولأنني لا أريد أن أحمّل الصورة ما لا تقوله، ولا أن أعفي الواقع مما يستحق المساءلة، فقد قررت أن أكتب… لا عن الذين وقفوا أمام القبور، وإنما عن الذين يرقدون فيها، وعن عالم يتقن فنّ الوقوف احترامًا للموت، ولا يتقن دائمًا فنّ حماية الحياة.
يا لها من صورة تستحق التأمل! إسبانيا التي لم تجد دائمًا طريقًا آمنًا يمرّ منه المهاجرون نحو الحياة، وجدت طريقها بكل سهولة إلى قبورهم! لم تتسع الحدود لأحلام الأحياء، فاتسعت المقبرة لاستقبال كبار المسؤولين، وعدسات المصورين، وحراس البروتوكول. في مقدمة المشهد، يقف ملك إسبانيا فيليبي السادس منحني الرأس، يضع يده على صدره، وإلى جانبه زوجته الملكة ليتيثيا، تطأطئ رأسها وتضم يديها في خشوع.
خلفهما يصطف رجال السياسة والدين في مشهد بالغ الانضباط؛ بدلات داكنة، ونظارات سوداء، وأيادٍ تتشابك أمام الصدور أو ترتفع في إشارات الدعاء.
اجتمعت الأديان والمناصب والسلطات أمام الموت، في صورة تتقن لغة الاحترام وتترك أسئلة الحياة معلّقة بلا جواب. تأملوا تلك الشواهد الحجرية! أرقام باردة تحتل المكان الذي كان ينبغي أن تحمل فيه القبور أسماء أصحابها. 5397، 5377، 5376، 5392… أرقام لا تخبرنا عن أمّ انتظرت، ولا عن طفل حلم، ولا عن شاب حمل في جيبه عنوانًا أوروبيًا وظن أن البحر مجرد طريق. على كل شاهد رقم، وخلف كل رقم حياة كاملة اختزلها الموت في مساحة صغيرة من الحجر.
في الحياة غرباء… وفي الموت ضيوف شرف
في الصفوف الأمامية، تبرز القبور البيضاء والرمادية، بينما يقف أصحاب السلطة فوق أرض صلبة، مصفوفة بعناية. حتى المشهد يوحي بفارق المسافات بين عالمين: عالم يمتلك المنابر والحماية والقدرة على العبور، وعالم انتهت رحلته عند حفرة من تراب ورقم لا ينطق باسمه أحد. ما أروع قدرة السياسة على تنظيم الحزن! يعرف البروتوكول أين يقف الملك، وأين تقف الملكة، وكيف يصطف المسؤولون، ومتى تنحني الرؤوس، وأين تتجه الكاميرات.
يعرف الجميع كيف يمنح الموتى دقيقة صمت مهيبة، بينما تظل الأسئلة الأكثر إزعاجًا خارج إطار الصورة: من ضيّق مَسالك العُبور الآمن؟ منْ حوّل الحُدود إلى اختبار للبقاء؟ ومن يتحمَّل مسؤولية السياسات التي تدفع البشر إلى طرق أشد خطرًا؟
لا تحمل هذه الصورة وحدها الإجابة، ولا تمنحنا حق اتهام كل وجه فيها. لكنها تفتح بابًا واسعًا للمساءلة. فالخشوع أمام الضحايا لا يعفي الدول من مراجعة قراراتها، واحترامُ القبور لا يعوّض حماية الأرواح، وحضور رجال الدين لا يحوّل المأساة إلى قدر لا دخل للسياسة فيه.
ولعل أكثر ما يثير المرارة أن هؤلاء المهاجرين احتاجوا في حياتهم إلى اعتراف بإنسانيتهم، وحين ماتوا حصلوا على مشهد رسمي تتقدمه أعلى المقامات. يا للمفارقة! صار الوصول إلى الموت أيسر من الوصول إلى الضفة الأخرى، وصار تكريم المهاجر الميت أقل تعقيدًا من إنقاذ المهاجر الحي.
ما لم تقله الرؤوس المنحنية
تنحني الرؤوس أمام الحجارة، بينما يبقى السؤال منتصبًا في وجه الجميع: ما قيمة الانحناء أمام ضحايا الحدود، إذا ظل الأحياء يدفعون أرواحهم ثمنًا لعبورها؟ يا لها من حضارة بارعة في استقبال الموتى! تمنحهم مقابر مرقمة، ومراسم مهيبة، وصلوات متعددة الأديان، وصورًا تليق بصفحات التاريخ. أما الأحياء… فما زال عليهم أن يثبتوا للحدود أنهم يستحقون الحياة قبل أن تمنحهم المقابر حق الاعتراف بوجودهم.
أغادر الآن هذه الصورة كما دخلتها، مثقلًا بالأسئلة، مترددًا بين هيبة المشهد ومرارة المفارقة. لا أشكك في صدق الخشوع، ولا أستخف بحرمة الوقوف أمام القبور، لكنني أتساءل: ماذا لو حظي هؤلاء الراحلون، وهم أحياء، ببعض هذا الاهتمام، وبشيء من هذا الوقار، وبقدر من تلك الإنسانية التي جمعت حول رفاتهم كل هذه الوجوه؟ لعل بعضهم كان سيعود اليوم إلى أهله حاملًا حكاية نجاة بدل أن يترك لهم رقمًا على شاهد قبر.
وما أعجب هذا العالم! يختلف على استقبال المهاجرين أحياء، ثم يجتمع على تكريمهم أمواتًا؛ يضيّق أمامهم معابر الحياة، ثم يفتح أمام قبورهم أبواب المراسم.
أما أنا، الكاتب لأحاديث عابرة وغابرة، فسأترك للصورة صمتها، وللضمائر أسئلتها، وللتاريخ ذاكرته. وسأكتفي بمفارقة تختصر الحكاية كلها: كم يحتاج الإنسان من الموت حتى يستحق من الأحياء كل هذا الاحترام؟
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
للقُبُورِ خُشُوع .. ولِلْفَاجِعَة جفَاء! Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة للق ب ور خ ش وع ول ل ف اج ع ة جف اء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ للق ب ور خ ش وع ول ل ف اج ع ة جف اء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، للقُبُورِ خُشُوع .. ولِلْفَاجِعَة جفَاء!.
في الموقع ايضا :
- الطيران السعودي استهدف بـ3 غارات منطقة المساحين بمديرية الشمايتين جنوبي محافظة تعز جنوب غرب اليمن عاجل
- "موديز" ترفع تصنيف مصر الائتماني درجة وتبدي نظرة مستقبلية إيجابية
- وقفة احتجاجية أمام القنصلية الإسبانية بأكادير تنديداً بالزيارة الاستفزازية لملك إسبانيا لسبتة ومليلية المحتلتين (فيديو)