تعكس تركيبة هياكل مجلس النواب الجديد ملامح التوازنات السياسية داخل المؤسسة التشريعية، من خلال توزيع المسؤوليات بين مختلف الفرق والمجموعات النيابية، في ظل تباين مواقعها بين الأغلبية والمعارضة والمساندة النقدية.
ويطرح هذا التوزيع النقاش حول مدى انعكاس التمثيل النسبي لمختلف المكونات السياسية على تدبير العمل البرلماني، وضمان مشاركة مختلف الفرق في ممارسة الاختصاصات التشريعية والرقابية.
وبموازاة هذه التوازنات، تبرز التمثيلية النسائية في مواقع المسؤولية داخل المجلس، في ظل محدودية حضور النائبات في مكتب المجلس ورئاسة اللجان الدائمة التسعة، رغم ارتفاع عدد النساء المنتخبات إلى 107 نائبات. معطى يعيد طرح النقاش حول مدى انتقال التمثيل النسائي من مستواه العددي إلى مشاركة فعلية في الفعل البرلماني.
وكان مجلس النواب قد انتخب، خلال جلسة عمومية، أعضاء مكتبه من نواب وأمناء ومحاسبتين ورؤساء اللجان النيابية الدائمة، كما أعلن عن لوائح الفرق والمجموعة النيابية ورؤسائها.
وأسفرت العملية عن انتخاب ثمانية نواب لرئيس المجلس، ضمنهم نائبة واحدة، فيما آلت رئاسة لجنة دائمة واحدة وهي لجنة مراقبة المالية إلى امرأة، بينما تتولى ثلاث نساء رئاسة فرق ومجموعة نيابية، وهي معطيات تفتح النقاش حول توازن التمثيل السياسي ومدى تكافؤ الفرص في توزيع المسؤوليات داخل المؤسسة التشريعية.
التمثيل النسبي بين التعددية ومشاركة المعارضة
أكدت الباحثة في العلوم السياسية والمتخصصة في الشأن البرلماني، مريم بليل، أن توزيع المسؤوليات داخل مجلس النواب يؤطره مبدأ التمثيل النسبي والتعددية السياسية، وليس فقط منطق الأغلبية العددية، مستحضرة في هذا السياق مقتضيات النظام الداخلي للمجلس، التي تروم ضمان تمثيلية مختلف المكونات السياسية بما فيها المعارضة.
وأوضحت بليل، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن المادتين 11 و54 من النظام الداخلي تنصان على ضمان تمثيلية المعارضة داخل مكتب المجلس، فيما تخصص المادتان 9 و65 رئاسة لجنتين دائمتين على الأقل للمعارضة، من بينهما وجوبا لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات.
غير أنها نبهت إلى أن “التمثيل النسبي رغم أهميته في عكس التوازنات السياسية، قد يؤدي أحيانا إلى إضعاف حضور التمثيليات الصغرى خصوصا داخل أجهزة المجلس، مما يطرح إشكالية التوفيق بين احترام الوزن العددي للفرق وضمان التعددية السياسية الفعلية”.
وفي قراءتها لتأثير توزيع المسؤوليات على توازن الأغلبية والمعارضة، أكدت الباحثة أن هذا التوزيع يؤثر بشكل مباشر في قدرة المكونات السياسية على ممارسة وظائفها التشريعية والرقابية، مضيفة أن أهمية هذا المعطى تزداد مع وجود مكونات تتبنى المساندة النقدية “بما يضيف مرونة إلى التوازنات التقليدية بين الأغلبية والمعارضة”.
لكن الإشكال، بحسب الباحثة، يبرز بالنسبة للتمثيليات الصغرى، التي قد لا تتجاوز حصتها من زمن التدخل في بعض الجلسات ثواني معدودة بفعل اعتماد التمثيل النسبي، معتبرة أن ذلك يحد من قدرتها على التعبير وممارسة أدوارها الرقابية، كما يمتد التحدي إلى الموارد الإدارية واللوجستية، سواء من حيث المساعدين الإداريين أو توفير مكاتب وفضاءات للعمل داخل المجلس.
وشددت على أن توزيع المناصب البرلمانية، وإن كان مؤشرا مهما على التوازنات السياسية والمؤسساتية، لا يكفي وحده للحكم على نجاعة الأداء البرلماني، مسجلة أن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان قدرة جميع المكونات على ممارسة اختصاصاتها الدستورية، بغض النظر عن حجم تمثيليتها.
ومن هذا المنطلق، سجلت المتخصصة في العمل البرلماني أن التمثيل النسبي “ينبغي ألا يتحول من آلية لضمان العدالة في توزيع المسؤوليات إلى عامل يحد من فعالية التمثيليات الصغرى، خاصة أن هذه الأخيرة غالبا ما تتموقع داخل المعارضة، التي يفترض أن تتمتع بضمانات فعلية لممارسة أدوارها”.
اختبار المناصفة
تنص المادة 3 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنه يتعين على كل جهاز من أجهزة المجلس، إلى جانب السهر على احترام مبادئ التعددية السياسية وضمان تمثيلية ملائمة للمعارضة في أنشطة وأجهزة المجلس، مراعاة تمثيلية النساء والشباب في مختلف أجهزة المجلس وضمان مشاركتهم في أنشطته أيضا.
وفي هذا الإطار، اعتبرت الباحثة في قضايا المرأة بكلية الحقوق أكدال بالرباط، أمينة التوبالي، أن ما أسفرت عنه تمثيلية النساء بعد انتخاب هياكل مجلس النواب لا يعدو أن يكون “تمثيلية رمزية وانتقائية وليست تمثيلية منصفة”، مشيرة إلى أن نائبة واحدة من أصل ثمانية نواب للرئيس تتولى هذه المسؤولية، أي بنسبة 12,5 في المائة، ونائبة واحدة رئيسة لجنة من أصل 9 لجان دائمة، أي بنسبة 11 في المائة.
واعتبرت التوبالي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن هذه الوضعية تطرح مفارقة في سياق وصول امرأة لأول مرة إلى رئاسة الحكومة، وارتفاع العدد الإجمالي للنائبات بفضل اللائحة الوطنية سابقا والجهوية حاليا إلى 107 نائبات.
وسجلت الباحثة أن “هذا التوزيع لا يعكس مشاركة فعلية للنساء في مراكز القرار لسببين، أولهما يرتبط بهرمية السلطة البرلمانية”، موضحة أن مكتب المجلس هو الذي يتولى وضع جدول الأعمال وتوزيع التشريع وتمثيل المجلس في الندوات الخارجية، فيما تتحكم رئاسة اللجان الدائمة في مسار القوانين.
واعتبرت أن غياب النساء عن هذين المستويين يجعلهن “حاضرات في القاعة للتأثيث فقط”، مضيفة أن السبب الثاني يتعلق بوجود ثلاث نساء على رأس فرق ومجموعة نيابية، وهو ما وصفته بالمؤشر الإيجابي، لكنه “غير كاف”.
الفجوة بين التمثيل والتمكين
وبخصوص دلالة استمرار محدودية حضور النائبات في رئاسة اللجان الدائمة، رغم ارتفاع عدد النساء المنتخبات، أكدت التوبالي أن ذلك يكشف بشكل واضح عن “الفجوة البنيوية بين التمثيل العددي والتمكين المؤسساتي”.
وأوضحت أن نظام اللائحة الجهوية حاليا “يضمن دخول النساء إلى البرلمان، لكنه لا يضمن صعودهن داخل أجهزته، وبمجرد دخولهن يشتغل منطق آخر”، مشيرة إلى أن اللجان البرلمانية التي وصفتها بلجان السيادة، ومن بينها العدل والتشريع والمالية والخارجية والداخلية، “لا تزال حكرا على الرجال، بينما توجّه المرأة نحو لجنة القطاعات الاجتماعية أو الثقافة أحيانا”.
كما اعتبرت أن هذه الفجوة تعكس “إعادة إنتاج التمييز داخل الأحزاب نفسها”، موضحة أن “رئيس اللجنة لا يُنتخب صدفة، بل يرشحه حزبه”. وقالت “إذا كانت الأحزاب الأربعة المشكلة للأغلبية لم ترشح نساء لرئاسة اللجان، فهذا يعني أن القرار الحزبي الداخلي لا يزال ذكوريا، رغم الخطاب المتكرر بشأن المساواة والمناصفة”.
وتابعت أن دلالة الفجوة البنيوية تعني أن شرعية المؤسسة “ناقصة”، موضحة أن “ارتفاع عدد النائبات دون تمكينهن من سلطة فعلية يخلق ما يسمى بالحضور بدون تأثير”. ونبّهت إلى أن ذلك “أخطر من ضعف العدد، لأنه يعطي انطباعا بأن المساواة تحققت، بينما يظل القرار محصورا في الدائرة نفسها”.
تعديل النظام الداخلي
وفي ما يتعلق بتأثير حضور النساء أو غيابهن عن مواقع المسؤولية البرلمانية في تحديد الأولويات التشريعية والرقابية، أكدت التوبالي أن التأثير ليس مسألة “قضايا نسائية فقط، بل هو مسألة زاوية نظر”.
وأوضحت أنه “عندما تغيب النساء عن رئاسة اللجان، يحدث تهميش تشريعي، إذ لا تجد قوانين مثل المساواة وتجريم العنف ومدونة الأسرة والمساواة في الأجور والحماية الاجتماعية للعاملات وميزانية النوع الاجتماعي من يفرضها في جدول أعمال اللجان كأولوية، فتظل قوانين عادية”، مسجلة أن “هذا ما عشناه مع الحكومة السابقة بحيث لم يطرأ أي تغيير في تلك المرحلة على القوانين المرتبطة بقضايا المرأة”.
كما أشارت إلى أن العمل الرقابي، من خلال الأسئلة والمهام الاستطلاعية، يركز على ما يراه الرئيس مهما، معتبرة أنه في غياب رئيسات اللجان “لا يتم مثلا تشكيل مهمة استطلاعية حول بعض الظواهر التي تمس المرأة بالمغرب، على سبيل المثال موضوع وفاة نساء إثر الولادة في مستشفى بأكادير، فقد كان من الممكن أن تقترح بعض البرلمانيات تشكيل مهمة استطلاعية وهذا لم يحدث للأسف”.
وبشأن الآليات الكفيلة بالانتقال من التمثيل العددي إلى التأثير الفعلي في صناعة القرار، أكدت التوبالي أن تعديل النظام الداخلي أصبح ضروريا، مستحضرة تجارب دولية، من بينها رواندا والسويد وتونس بعد سنة 2014.
واقترحت، في هذا الصدد، التنصيص في النظام الداخلي على حصة إلزامية لا تقل فيها تمثيلية أي من الجنسين عن 30 في المائة في مكتب المجلس وفي رئاسة اللجان الدائمة والمهام الاستطلاعية، معتبرة أن عدم تحديد نسبة ملزمة يترك الأمر لتقدير الرؤساء، ومشيرة إلى أن “ذلك يندرج ضمن ما يسمى بالمناصفة الأفقية والعمودية”.
وكآلية حزبية داخلية، دعت إلى إلزام الفرق النيابية، عند تقديم ترشيحاتها لرئاسة اللجان، بتقديم ترشيح ثنائي (رجل وامرأة) لكل منصب، مع تفعيل لجنة المناصفة داخل الأحزاب باعتبارها هيئات استشارية ملزمة.
وعلى المستوى المؤسساتي، اقترحت منح اللجنة الموضوعاتية المؤقتة المكلفة بالمساواة والمناصفة بمجلس النواب صلاحية إبداء الرأي الإلزامي في كل مشروع قانون له أثر على النوع، إلى جانب إقرار الميزانية المستجيبة للنوع كوثيقة إجبارية ترافق مشروع قانون المالية في لجنة المالية.
أما على مستوى التمكين، فشددت على ضرورة تخصيص تكوين مستمر للنائبات الجديدات في مجالات التشريع والمالية العامة، وإنشاء شبكة للبرلمانيات عبر الأحزاب لتجاوز الانقسام الحزبي عند الدفاع عن قضايا المساواة، معتبرة أن “التمثيل لا يكفي بدون أدوات للتمكين”.
وأبرزت التوبالي أن المغرب ينتقل من مرحلة “الكوتا العددية” التي نجح فيها إلى مرحلة إدماج النساء في أجهزة البرلمان، وهي المرحلة التي “لم تحقق فيها طموحات الحركة النسائية في تحقيق حتى الثلث في الوصول إلى مراكز قرار البرلمان بعد”.
وخلصت إلى أن “تعيين امرأة على رأس الحكومة لا يجب أن يغطي على ضعف تمكين النساء داخل البرلمان، بل يجب أن يكون حافزا لتعديل النظام الداخلي حتى لا يبقى تمثيل النساء مجرد تأثيث وافتخار بالأرقام في مؤسسة تشريعية ما زالت تدار بعقلية ذكورية”.
هياكل مجلس النواب أمام توازنات الأغلبية والمعارضة واختبار المناصفة صوت المغرب.
مشاهدة هياكل مجلس النواب أمام توازنات الأغلبية والمعارضة واختبار المناصفة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هياكل مجلس النواب أمام توازنات الأغلبية والمعارضة واختبار المناصفة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هياكل مجلس النواب أمام توازنات الأغلبية والمعارضة واختبار المناصفة.
في الموقع ايضا :
- EA Sports FC 27 review: come for The Grounds, stay for Career
- ضربة عسكرية ولكن محدودة
- مدير عام دارسعد يكرم خمسه من المدراء المميزين في مهام عملهم على مستوى المديرية