ترك برس
في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، وخاصة استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، عادت الحسابات الإقليمية والدولية لتضع تركيا في دائرة الضوء مجدداً. فبين تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تتحدث عن طلب دعم من الرئيس رجب طيب أردوغان، وموقف أنقرة الذي يدين الهجمات ويعلن الوقوف إلى جانب الرياض دون التزام عسكري مباشر، تبرز أسئلة حول حدود التدخل التركي المحتمل.
وفي هذا الإطار، يقدم الكاتب التركي غوكتورغ تشاليشكان تحليلاً مفصلاً في موقع «إندبندنت تركية»، مستعرضاً المسافة بين توقيع اتفاق مكة الدفاعي وإمكانية الانخراط في الجبهة اليمنية.
يقول تشاليشكان إن ترامب صرح يوم 13 أكتوبر للصحفيين بأنه قد يطلب دعماً من الرئيس أردوغان لصالح السعودية، مضيفاً: «أعتقد أن الرئيس أردوغان سيفعل ما أريده». ولم يوضح نوع الدعم المقصود، كما لم يُعلن عن أي طلب رسمي من واشنطن إلى أنقرة. وفي اليوم نفسه، رسمت أنقرة خطها الخاص؛ إذ أجرى أردوغان اتصالاً هاتفياً مع ولي العهد محمد بن سلمان، وأدان هجمات الحوثيين بأقوى العبارات مؤكداً وقوف تركيا إلى جانب السعودية، دون أن يرد أي ذكر للجنود أو لعملية عسكرية في اليمن.
ويشير الكاتب إلى أن ظل مطار الملك خالد كان حاضراً بقوة؛ فقد أسفر هجوم 10 أكتوبر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300، ثم أودى مقذوف سقط قرب المدرج بحياة مواطن باكستاني في اليوم التالي وأصاب 11 آخرين. ويجيب تشاليشكان باختصار على السؤال المطروح قائلاً إن دخول حرب في اليمن لا يبدو مطروحاً على طاولة أنقرة، غير أن الوقوف إلى جانب الرياض له طرق متعددة، وسيحدد اختيار إحداها نقاش الأسابيع المقبلة.
وينتقل الكاتب إلى المسافة بين توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس وتطبيقه العملي. ويوضح أن أبرز بنود الاتفاق ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد الأطراف هجوماً على الثلاثة جميعاً، في صياغة تشبه المادة الخامسة لحلف الناتو، وتجمع تركيا والسعودية وباكستان تحت سقف واحد. غير أن التوقيع والتطبيق يمران عبر أبواب قانونية داخلية لكل دولة. ففي تركيا، يتطلب الأمر موافقة البرلمان على الاتفاقات الدولية، وقد أعلن أردوغان في 12 أكتوبر أن النص سيُحال إلى المجلس في الأيام المقبلة.
أما باكستان فقد أنهت إجراءاتها الرسمية، وكل طرف يسير وفق متطلباته الداخلية. ويؤكد تشاليشكان أن الحلقات لا تختلط؛ فالتصديق على الاتفاق قرار، وإرسال قوات إلى الخارج يتطلب إذناً برلمانياً منفصلاً بموجب المادة 92 من الدستور، والمشاركة في عملية هجومية في اليمن قرار مختلف تماماً. وهكذا يوجد نظام «المفتاح المزدوج» على الورق، ولا يظهر حتى الآن أي مشروع قرار للمفتاح الثاني.
ويشير الكاتب إلى أن بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة يتعلق بالهجوم على أحد الأطراف، ويمكن الاستناد إليه في سقوط صواريخ حوثية على مدن سعودية، أما ربط عملية مضادة سعودية داخل اليمن بالبند نفسه فهو أصعب بكثير.
ويستشهد بتصريح وزير الخارجية هاكان فيدان في 8 أكتوبر بأن الاتفاق دفاعي، وأن تركيا لن ترسل جنوداً إلى أراضي دولة أخرى لتنفيذ هجوم هناك. أما اللجنة الثلاثية التي اجتمعت في الرياض في 5 أكتوبر فقد اتفقت على تفعيل تدابير رادعة وإرسال القوات المتفق عليها بسرعة إلى السعودية، مع ربط الالتزام بقوانين كل دولة، دون الإفصاح عن أعداد الجنود أو المهام أو هيكل القيادة.
ويربط تشاليشكان استعجال واشنطن بحساباتها الداخلية؛ فحرب إيران التي بدأت نهاية فبراير أكملت شهرها الثامن، وأسعار الوقود عند مستويات قياسية، والانتخابات النصفية في 3 نوفمبر. وقد كتب ترامب في 8 أكتوبر أنه لن يهاجم إيران قبل الانتخابات، لكنه أشار بعد هجوم الرياض إلى إمكانية إعادة التفكير في دوره في اليمن وطرح ضربات ضد إيران.
كما ورد أن محمد بن سلمان طلب تدخلاً أميركياً مباشراً في سبتمبر دون استجابة إيجابية. وفي هذه الظروف، تبحث البيت الأبيض عن شريك يتحمل «تقاسم الأعباء»، وتركيا بما تملكه من ثاني أكبر جيش في الناتو وصناعة دفاعية قوية وعضوية في تحالف مكة تبدو من الأسماء الأولى التي تخطر بالبال.
أما جدول أنقرة فيسير وفق إيقاعه الخاص. فأمامها موافقة البرلمان وعملية إذن منفصلة لإرسال القوات. ودعا زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي في 7 أكتوبر تركيا وباكستان إلى عدم التدخل في الصراع اليمني. كما أن البلدين لا يرغبان في التخلي عن أدوارهما التوسطية بين الولايات المتحدة وإيران.
ويعتبر الكاتب أن الوقت بالنسبة لأنقرة ورقة رابحة؛ إذ يمكنها تحديد ترتيب إحالة النص إلى البرلمان والضمانات المطلوبة، ومطالبة الرياض بوضوح في تعريف المهام وهيكل القيادة، فتظل ممسكة بزمام المبادرة.
ويعكس بيان «آر 4» الصادر في 11 أكتوبر عن تركيا ومصر وباكستان والسعودية هذا النهج؛ فهو يدعم كل التدابير المشروعة التي تتخذها الرياض لمنع الهجمات وردعها، ويطالب بوقفها فوراً، دون أي التزام قواتي. ويذكر أن فيدان سبق أن أشار إلى إمكانية انضمام مصر إلى الاتفاق، مما يفتح الباب أمام صيغة رباعية.
ويشرح تشاليشكان حاجة الرياض من خلال تفاصيل هجوم المطار؛ حيث أرسل الحوثيون أولاً عدداً كبيراً من الطائرات المسيرة، ثم أطلقت صواريخ كروز وباليستية قطعت أكثر من ألف كيلومتر. وكان الدفاع الجوي السعودي مصمماً أساساً لمواجهة التهديد الباليستي الإيراني، وقد نفدت مخزونات باتريوت وثاد بسرعة في الأشهر الأولى من حرب إيران.
ويتوافق هذا النقص مع نقاط قوة الصناعة الدفاعية التركية؛ فنظام كوركت المدفعي يقدم رداً أرخص بكثير ضد المسيرات المنخفضة الارتفاع مقارنة بالصواريخ الاعتراضية الباهظة، ويمكن لصاروخ حصار أن يكمل هذه الطبقة.
وقد أبدت الرياض اهتماماً بهذه الأنظمة ورادار كلكان وست بطاريات حصار لحماية المنشآت النفطية خلال معرض ساهة 2026. أما قدرة سيبير الأطول مدى ضد الصواريخ الباليستية فغير معروفة، لذا لا تستطيع أنقرة سد الفجوة بمفردها، والأرجح أن تكون المساهمة الأولية تقنية ودفاعية في الغالب.
ولا تقتصر التكاليف على المدرجات؛ فقد أوقفت شركات مثل لوفتهانزا وإير فرانس-كيه إل إم والاتحاد رحلاتها إلى الرياض، ويتوقع انكماش الاقتصاد السعودي بنسبة 3.6% هذا العام. ويبدو أن أهداف رؤية 2030 في السياحة والاستثمار مرتبطة بجدول عودة شركات التأمين والطيران أكثر من ارتباطها بالمدرج المتضرر. وهكذا تتداخل الأمن والاستثمار والهيبة بالنسبة للإدارة السعودية، ويكتسب الدعم الدفاعي التركي بعداً سياسياً واقتصادياً إلى جانب البعد العسكري.
وينتقل الكاتب إلى مضيق باب المندب؛ فقد سيطر الحوثيون على الساحل الأحمر في سبتمبر، وشنت القوات اليمنية المدعومة سعودياً هجوماً مضاداً في 5 أكتوبر، ولا يزال التحكم في المضيق موضع نزاع. ويمر عبر ممر البحر الأحمر ما بين 12 و15% من التجارة البحرية العالمية، وهو مسار أساسي للمصدرين وأصحاب السفن الأتراك، كما أن أي قفزة في أسعار النفط تنعكس على الحساب الجاري لبلد يعتمد على استيراد الطاقة.
وعلى الضفة الأخرى، تمتلك تركيا موطئ قدم عبر قاعدة التدريب في مقديشو والتعاون مع الصومال في الأمن البحري، مما يوفر لها نقطة ارتكاز عند المخرج الجنوبي لباب المندب. وبقاء الطريق مفتوحاً في البحر الأحمر مصلحة تركية مستقلة عن دعم الرياض.
ويذكر تشاليشكان أن قصة اليمن أقدم وأثقل من هذه الحسابات؛ فقد تحولت حركة الحوثيين إلى مسلحة في صعدة عام 2004، واستولت على صنعاء عام 2014، وتستنزف منذ 2015 في حرب مع التحالف بقيادة سعودية. ووفقاً لبيانات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، ونزح أكثر من 185 ألفاً منذ سبتمبر. وبعد انتهاء وقف إطلاق النار الأممي في أكتوبر 2022 بقيت خطوط الجبهة شبه ثابتة، ووصلت الاتصالات المباشرة بين الرياض والحوثيين عام 2023 إلى مناقشة خارطة طريق.
ويدعي زعيم الحوثيين أن الرياض تفرض قيوداً على المطارات والواردات والموارد الاقتصادية، لذا تتجاوز المساومة خط الجبهة. وقد اتصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره السعودي في 12 أكتوبر محذراً من أن الإصرار على المسار العسكري يعقد الوضع، وعارضاً المساعدة في الحوار. ولا تزال السفارتان اللتان أعيد افتتاحهما عام 2023 تعملان، مما يعني أن القناة بين الرياض وطهران لم تنغلق تماماً.
ويختم الكاتب بأن تركيا تمتلك حدوداً طويلة وروابط تجارية مع إيران، وأن إدانة هجمات الحوثيين مع الإبقاء على هذا الجسر قابلاً للاستخدام يخدم مصلحتها ومصلحة الرياض معاً. فالمساهمة التركية الممكنة أوسع من إرسال قوات؛ فدعم الدفاع الجوي يمكن أن يبقي مدرجات الرياض مفتوحة، وكون تركيا عضواً في الناتو قادراً على التحدث إلى طهران قد يفتح طريق الجلوس إلى الطاولة. وإذا تحول انتباه البيت الأبيض بعد الانتخابات النصفية إلى جبهة أخرى، فسيُحسب ما تفعله أنقرة اليوم عبر علاقاتها مع الرياض وطهران.
ويؤكد تشاليشكان أن الرياض القادرة على حماية مدرجاتها ومنشآتها النفطية تتفاوض براحة أكبر مع الحوثيين وطهران من ورائهم، لكن نجاح الحساب يعتمد على مخزون الصواريخ الاعتراضية السعودية وما تبقى بيد الحوثيين. وأنقرة التي تحول اتفاق مكة إلى أداة توسع خيارات الرياض تصبح صاحبة صوت في بحث واشنطن عن تقاسم الأعباء وعلى طاولة طهران. وبحسب المعطيات الراهنة، لا يُتوقع أن ينضم أردوغان إلى حرب اليمن كطرف، غير أن تدخل تركيا في كيفية انتهاء هذه الحرب ليس احتمالاً بعيداً.
مشاهدة عين ترامب على أنقرة هل يتدخل أردوغان في حرب اليمن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عين ترامب على أنقرة هل يتدخل أردوغان في حرب اليمن قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عين ترامب على أنقرة... هل يتدخل أردوغان في حرب اليمن؟.
في الموقع ايضا :
- سحر صدقي: مصر لن تتخلى عن مسئوليتها في حماية الأمن القومي العربي
- البرلمان المصري يرجئ التصويت على دعم السعودية عسكريا إلى الاثنين
- إيران تستخدم الغواصات لنقل الأسلحة إلى الحوثيين.. ما التفاصيل؟
