الهروب من الحرب إلى سمسرة باب الكبير ...اليمن

موقع يمنات الأخباري - اخبار عربية
الهروب من الحرب إلى سمسرة باب الكبير

yemenat

يمنات

    عبد الرحمن الربيعي

    أستيقظ كل يوم على اتصال أحد أصدقائي: «وينك نروح نشرب شاي؟». يأتي صوته كأنه يدعوني إلى استراحة قصيرة من حياة أثقلها التفكير، فأغسل عن وجهي آثار ليلة طويلة، وأغادر المنزل باتجاه الرصيف الذي اعتدنا أن نلتقي عليه، حيث يجلس أصدقاء تشابهت خيباتهم، وتفرقت أحلامهم بين ما فقدوه وما عجزوا عن بلوغه.

    نستقل دراجاتنا ونتجه نحو باب الكبير، ذلك الحي الشعبي الذي تحتفظ شوارعه بملامح من ذاكرة تعز القديمة. وفي الطريق، تمر أمامي وجوه أعرف بعضها، وأخرى ألفت ملامحها من كثرة ما صادفتها في المدينة. ألوّح لهذا، وألقي السلام على ذاك، فيما تبدو الحركة في الشوارع أشبه بمحاولة جماعية للإمساك بما تبقى من الحياة، كأن الناس يمضون في يومهم مدفوعين بإرادة غامضة، تتجدد كل صباح رغم ما استنزفته الحرب من أرواحهم.

    نصل إلى سمسرة باب الكبير، المكان الذي صرنا نلجأ إليه كلما ضاقت بنا المدينة، بحثًا عن مساحة صغيرة نستعيد فيها أنفاسنا. يرفع صديقي صوته وينادي صاحب المكان:

    «خمسة شاهي يا شعبي!».

    نداء يعرفه كثيرون من أبناء تعز، مثلما يعرفون ذلك الشاي المركز الذي اكتسب مذاقه خصوصية المكان وألفته. هنا، لا يحتاج المرء إلى موعد مسبق أو مناسبة خاصة؛ يكفي أن تثقل الحياة على صدره حتى يجد في جلسة عابرة وكوب شاي ساخن ما يشبه المصالحة المؤقتة مع العالم.

    نفرش سترتنا القديمة، ونجلس متقابلين. تتوزع أكواب الشاي بين أيدينا، وتبدأ الذاكرة عملها المعتاد، فتسحبنا إلى سنوات مضت، إلى طفولتنا قبل نحو عشرة أعوام، حين كانت أحلامنا تبدو أقرب إلى أيدينا، وحين كنا نتحدث عن المستقبل كما لو أنه طريق مفتوح ينتظر خطواتنا.

    نستعيد أسماء الأصدقاء الذين فرقتنا عنهم الحرب، وبعضهم لم يعد موجودًا بيننا. ألتفت يمينًا ويسارًا، وأتأمل الوجوه الجالسة في المكان، كأنني أبحث عن واحد منهم بين الغرباء، أو أنتظر أن يظهر فجأة من جهة الطريق، ويجلس إلى جوارنا، ثم يستأنف حديثًا انقطع منذ سنوات.

    لكن الوجوه التي تحيط بي تنتمي إلى جيل آخر، جيل تشكلت ملامحه في زمن الحصار والخوف، واكتسب من السنوات القاسية نظرات أكبر من أعمار أصحابها. ثمة حزن يصعب تحديد مصدره، وإرهاق يتسلل إلى الوجوه حتى في لحظات الضحك. أتأملهم وأفكر في الطريقة التي تستطيع بها الحرب أن تتجاوز أجساد ضحاياها، لتستقر في ملامح الذين نجوا، وتترك في عيونهم أثرًا يشبه ذاكرة لا تعرف النسيان.

    من فلسفة الحياة إلى ضرورات البقاء

    أعود إلى كوب الشاي، وأشارك أصدقائي الحديث عن عودة الحصار وارتفاع الأسعار. وقبل أن أسترسل في الكلام، يقاطعني أحدهم قائلًا إنه سينهي شايه ويذهب للبحث عن أسطوانة غاز. ويضيف آخر أنه سيحاول العثور على كيس من الدقيق.

    توقفت عند حديثهما، وشعرت كأن شيئًا ما انكسر في داخلي. تذكرت أحاديثنا القديمة عن الحياة، ونقاشاتنا حول فلسفة فريدريك نيتشه، وموسيقى لودفيغ فان بيتهوفن، وأغنيات فريد الأطرش، وأسئلة الحرية التي تركها جان بول سارتر مفتوحة أمام الإنسان.

    قبل سنوات، كانت جلساتنا تتسع للتأمل في الوجود، والبحث عن معنى الحرية، ومناقشة الأفكار التي تمنح الحياة أفقًا أبعد من تفاصيلها اليومية. أما الآن، فقد استحوذت ضرورات العيش على معظم أحاديثنا، وأصبح الغاز والدقيق جزءًا من قاموسنا اليومي، بعد أن كانت الموسيقى والفلسفة تحتلان مساحة واسعة من أحلامنا.

    لم تكن تلك المقارنة مجرد حنين إلى أيام مضت؛ كانت مواجهة مفاجئة مع المسافة التي قطعتها الحرب داخل حياتنا. فقد تغيرت أشياء كثيرة، حتى اللغة التي نتحدث بها عن أنفسنا. ذات يوم، كنا نبحث عن معنى الحياة، أما اليوم، فقد أصبحنا منشغلين بتأمين شروط استمرارها. وبين السؤالين، امتدت سنوات من الخسارات، وتراجعت مساحة الأحلام أمام ضرورات البقاء.

    أحيانًا أفكر في أن الحرب لا تسرق من الإنسان بيته وأصدقاءه وأمانه فحسب؛ إنها تعيد ترتيب عالمه من الداخل، وتغير سلم الأشياء في وعيه. يصبح ما كان هامشيًا ضرورة، وما كان يشغل الروح ترفًا مؤجلًا، وتتحول الحياة تدريجيًا إلى سلسلة من الاحتياجات التي ينبغي تأمينها قبل حلول المساء.

    صوت القذائف جزءًا من الجلسة

    وبينما كنت غارقًا في هذه الأفكار، دوّت أصوات قذائف في مكان غير بعيد. رفعت رأسي وسألت أصدقائي عن مصدرها، منتظرًا أن أرى شيئًا من القلق على وجوههم، أو أن يتوقف الحديث لحظة أمام ذلك الصوت الذي شق هدوء المكان.

    لكنهم واصلوا أحاديثهم الجانبية بقدر لافت من الهدوء، كأن القذائف جزء من المشهد اليومي، وكأنها أصوات مألوفة فقدت قدرتها على إثارة الدهشة.

    راقبتهم طويلًا. بدا لي أن الحرب نجحت في انتزاع شيء من دهشتنا، وأن أصوات الموت، مع تكرارها، أخذت تفقد قدرتها على تعطيل تفاصيل الحياة. لم يعد الخطر يستدعي دائمًا الصمت أو الارتباك؛ فقد يجد الإنسان نفسه مستمرًا في حديثه، حتى فيما يتردد صوت القذائف في محيطه.

    ربما كانت هذه إحدى الحيل القاسية التي يبتكرها الإنسان حين تطول محنته؛ أن يمنح الفاجعة مكانًا عاديًا في يومه، حتى يستطيع إكمال ما تبقى منه. فلو توقفنا عند كل صوت يذكرنا بالموت، لما استطعنا شرب الشاي، أو تبادل النكات، أو التفكير في وجبة الغد. غير أن الاعتياد، مهما بدا وسيلة للنجاة، يترك في الداخل أثرًا غامضًا؛ إذ تتراجع الدهشة تدريجيًا، ويصبح ما كان استثنائيًا جزءًا من إيقاع الأيام.

    تعز في مرآة العبث

    قاطعت أحاديثهم وقلت إنني سأغادر. اتجهنا معًا إلى موقف الدراجات، واستعد أصدقائي للانطلاق، فيما اعتذرت منهم وقررت مواصلة طريقي سيرًا على الأقدام.

    كنت بحاجة إلى المشي، إلى أن أترك المسافة بيني وبينهم تتسع قليلًا، وأن أراقب المدينة من دون أن أشاركها حديثًا جديدًا عن أسعار السلع أو صعوبة العثور على أسطوانة غاز. أردت أن أرى تعز كما لو أنني ألتقيها للمرة الأولى، وأن أتأمل ما فعلته السنوات بنا، بعيدًا عن الأحاديث التي اعتدناها حتى فقدت قدرتها على إدهاشنا.

    مررت بالناس وهم يمضون في طرقاتهم، بعضهم يحمل أكياسًا صغيرة، وآخرون يتوقفون عند الباعة أو يسألون عن أسعار السلع. كانت الوجوه تعبر أمامي محملة بانشغالاتها الخاصة، فيما بدت المدينة كلها كأنها تؤدي طقوس يوم طويل، من دون أن تملك رفاهية التوقف والتساؤل عن وجهتها.

    تذكرت ألبير كامو، وفكرته عن العبث الذي ينشأ من اصطدام حاجة الإنسان العميقة إلى المعنى بعالم لا يمنحه إجابات واضحة. شعرت أن شيئًا من ذلك يتجسد في شوارع تعز؛ مدينة يواصل أهلها البحث عن أسباب العيش، فيما تضع الحرب أمامهم أعباء تتكرر كل يوم، وتلتهم جزءًا من الوقت الذي كان يمكن أن يخصصوه لأحلامهم.

    ومع ذلك، لم أرَ في تلك الوجوه فراغًا كاملًا، فقد كان ثمة شيء آخر يصعب تسميته إصرار خافت على الاستمرار، يدفع الناس إلى الخروج من منازلهم، وشراء احتياجاتهم، والبحث عن عمل، والجلوس مع الأصدقاء، وشرب الشاي تحت سماء قد تقطعها القذائف في أي لحظة. ربما كان هذا الإصرار شكلًا متواضعًا من أشكال مقاومة العبث؛ أن يمنح الإنسان يومه معنى صغيرًا، حتى حين يعجز عن العثور على معنى أوسع لما يحدث حوله.

    واصلت المشي، وأنا أفكر في سمسرة باب الكبير، وفي كوب الشاي الذي تركته خلفي، وفي الأصدقاء الذين صاروا يقيسون بقية يومهم بما يستطيعون العثور عليه من غاز ودقيق. لم يعد المكان مجرد وجهة نذهب إليها لشرب الشاي؛ لقد صار شاهدًا على التحولات التي مرت بنا، وعلى أحلام تقلصت مساحتها، وصداقات انتزعتها الحرب من مقاعدها، وأحاديث تغيرت مفرداتها بتغير ما نحتاج إليه كي نبقى.

    yemenat

    مشاهدة الهروب من الحرب إلى سمسرة باب الكبير

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الهروب من الحرب إلى سمسرة باب الكبير قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الهروب من الحرب إلى سمسرة باب الكبير.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار