كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:
في لبنان، لم تقتصر التقاليد على الأعياد الكبرى أو المناسبات الدينية، بل كانت تنظّم أيضًا تفاصيل الحياة اليومية، والزيارات، والوجبات، وحفلات الزفاف، ومراسم العزاء، وتعاقب الفصول، والعلاقات بين الجيران. ولا تزال بعض هذه التقاليد قائمة، فيما تغيّر بعضها الآخر أو اندثر. وتعود هذه السلسلة إلى عادات لا تُختزل في فولكلور جامد، بل تكشف عن أسلوب في العيش المشترك.
قدرٌ من المجدّرة، أو قطع من الكبة، أو ورق عنب محشوّ، أو حتى حلويات لا تزال دافئة. أحيانًا، يكفي أن تزيد كمية الطعام قليلًا على الحاجة حتى يغادر صحنٌ المنزل، عابرًا بسطة الدرج أو الفناء أو الزقاق. “خذ هذا إلى الجيران”، تقول الأم لطفلها، فيمضي لتنفيذ المهمة من دون أن يدرك بالضرورة أنّ هذه الخطوة البسيطة تشكّل جزءًا من منظومة متكاملة من التبادل. ويعود الوعاء مغسولًا، وأحيانًا مملوءًا بطبق آخر. لا أحد يُحصي ما له وما عليه، لكنّ الجميع يعرفون الأصول المتعارف عليها.
في القرى كما في الأحياء الحضرية، لم يقتصر تبادل الطعام على التعبير عن الألفة، بل أسهم في ترسيخ علاقات الجوار والقرب. وتشارك الناس الطعام عند إعداد كمية وافرة، أو مع اقتراب أحد الأعياد، أو حين تمرّ عائلة بظرف صعب. وهكذا، غدا الطبق وسيلةً للتعبير عن الاهتمام من دون تكلّف، وتقديم العون، وصون صلة لا يُراد لها أن تنقطع.
حصة إضافية ولفتة اهتمام إلى الجيران
اعتُبرت بعض الأطباق اللبنانية ملائمةً على نحو خاص للتشارك. فورق العنب، والخضروات المحشوة، والكبة، وأطباق العدس، والحلويات التي تُحضَّر بكميات كبيرة، كلّها أطباق يسهل توزيعها على أكثر من أسرة. ولم يتطلّب الأمر انتظار مناسبة بعينها؛ فقد يكفي نجاح تحضير طبق، أو وفرة المحصول، أو رغبة في تذوّق الآخرين طبقًا مميّزًا.
مع ذلك، كانت المواسم والأعياد تضفي إيقاعًا خاصًّا على هذه المبادلات. فكان المعمول ينتقل من بيت إلى آخر في بعض الأعياد الدينية، وكذلك الفاكهة والخضروات حين تكثر، فيما أتاحت المؤونة والمحضّرات المنزلية المرتبطة بالمونة تقاسم جزء من مخزون البيت. واختلفت هذه العادات باختلاف المناطق والطوائف والتقاليد العائلية، غير أنّ المبدأ لم يتغيّر: قد يجد ما يُحضَّر في مطبخٍ ما مكانًا له على مائدة أخرى.
ولم تتطلّب المشاركة وفرةً في الموارد. ففي البيوت المتواضعة، تكفي حصة صغيرة للتعبير عن الاهتمام. ولم يتمثّل الهدف في إثارة الإعجاب، بقدر ما تمثّل في إيصال رسالة بسيطة إلى الآخر مفادها أنّنا فكّرنا به. واستند هذا الشكل من التكافل بين الجيران، أحيانًا، إلى إمكانات محدودة، لكنّه اعتمد على معرفة وثيقة نسبيًّا بأحوال العائلات المحيطة.
لم يكن الوعاء يُعاد فارغًا دائمًا
من أبرز سمات هذا التقليد مبدأ المعاملة بالمثل. فقد يتبع صحنًا من الكبة، بعد أيام، طبقٌ من الخضروات المحشوة. وقد تجد الحلويات المقدّمة بمناسبة عيدٍ ما مقابلًا لها في شكل فاكهة موسمية أو طبق منزليّ التحضير. لم يشكّل الأمر تبادلًا تجاريًّا مقنّعًا؛ فلم يحسب أحد القيمة الدقيقة لما يتلقّاه أو لما يقدّمه في المقابل.
لكنّ غياب الحسابات لم يعنِ انعدام التوقّعات. فالقدرة على المشاركة، وشكر الآخرين، ومبادلة لفتات الاهتمام، كلّها عناصر أسهمت في تشكيل سمعة العائلة. وكانت إعادة الوعاء مع بعض الحلوى كفيلة بإبقاء العلاقة حيّة، من دون حاجة إلى الحديث عنها. مع ذلك، لم تشكّل هذه الممارسة قاعدة مطلقة؛ إذ كان من الممكن إعادة الصحن مغسولًا فحسب، من دون أن يُعدّ ذلك بالضرورة إخلالًا بالأصول.
وللكرم، أحيانًا، جانب ينطوي على شيء من الإلزام. فقد تشعر بعض العائلات بأنّها مضطرة إلى الردّ على لفتة ما، حتى مع مواردها المحدودة. فعلاقات الجوار لم تعتمد على التضامن وحده، بل تأثّرت أيضًا بنظرة الآخرين، والعادات الراسخة، والالتزامات الضمنية. وهكذا، اختبأت خلف البساطة الظاهرة لطبقٍ يتقاسمه الجيران عمليةٌ من الاعتراف المتبادل، لها مزاياها ومتطلّباتها.
النساء في صميم تبادل الأطباق
في كثير من البيوت، تولّت النساء الجزء الأكبر من تبادل الطعام بين الجيران. فالأمهات والجدّات والجارات كنّ يعرفن أذواق العائلات المجاورة، ومناسباتها السعيدة، وما قد يطرأ عليها من مرض أو صعوبة عابرة. وعرفن من يحتاج إلى حصة إضافية، وأيّ طبق قد يُفرح، وأيّ بيت يحتاج إلى المساعدة لفترة مؤقتة.
وغالبًا ما اضطلع الأطفال بدور الوسيط في هذه المبادلات؛ فكانوا يصعدون الدرج، ويعبرون الفناء، ويقرعون الأبواب، وقد يعودون برسالة أيضًا. وأتاحت هذه التنقّلات الاطمئنان إلى أحوال الجيران من دون الحاجة إلى ترتيب زيارة. وقد ترافق حصة الطعام تهنئةً بمولود جديد، أو لفتة اهتمام بشخص مسنّ، أو دعم لعائلة تمرّ بظرف عصيب.
وعند وقوع وفاة، يكتسب إحضار الطعام بُعدًا عمليًّا خاصًّا. ففي عدد من التقاليد العائلية والمجتمعية اللبنانية، يتولّى الأقارب والجيران إعداد الوجبات لتخفيف الأعباء عن أهل الفقيد، الذين ينشغلون غالبًا باستقبال المعزّين. وهكذا، تغدو مشاركة الطعام مساعدةً فورية وملموسة، تتجاوز بكثير حدود المجاملة.
غير أنّ هذه المنظومة اعتمدت على عمل منزلي كثيف، تولّت النساء الجزء الأكبر منه، من دون أن يُحتسب غالبًا. فتحضير كميات إضافية من الطعام، وتقسيم الحصص، ورعاية العلاقات، وتذكّر اللفتات التي تلقّتها الأسرة، كلّها مهام تستلزم وقتًا وجهدًا. وكان للتكافل بين الجيران مَن ينهضون به، وغالبًا ما شكّل المطبخ مسرحه.
من ممر الطابق إلى رسالة عبر واتساب
أدّت التحوّلات في أنماط الحياة تدريجيًّا إلى تغيير هذه الممارسات. فتباعد أفراد العائلات، وطول ساعات العمل، وصعوبة التنقّل، وتراجع الألفة بين سكان المبنى الواحد، كلّها عوامل قلّصت فرص المشاركة العفوية. كذلك تغيّرت العادات الغذائية؛ إذ بات إعداد كميات كبيرة من الطعام أقلّ انتظامًا في بعض البيوت، وزاد الاعتماد على طلب الوجبات الجاهزة، وأصبح تناول الطعام خارج المنزل أكثر شيوعًا.
مع ذلك، لم تختفِ هذه العادة. ففي بعض القرى، وبين الجيران الذين تجمعهم معرفة قديمة، أو داخل العائلات المتقاربة، لا تزال الأطباق تنتقل من بيت إلى آخر. وتبقى الأعياد الدينية، والولادات، والأمراض، ومراسم العزاء، من أبرز المناسبات التي يتجدّد فيها هذا التقليد. كما أعادت الأزمة الاقتصادية التذكير بأهمية التضامن بين الجيران، وإن كانت هذه المبادرات لا تستطيع أن تعوّض بصورة مستدامة الصعوبات المادية التي تواجهها الأسر.
وتغيّرت الوسائل بدورها. فبات البعض يتصل هاتفيًّا قبل إحضار طبق، وحلّت أحيانًا العلب المحكمة الإغلاق محلّ أطباق الخزف، فيما أصبح تنظيم بعض المبادلات يتمّ عبر تطبيقات المراسلة. وهكذا، تكيّفت هذه العادة مع علاقات لم تعد دائمًا قائمة على التواصل المباشر، من دون أن تفقد بالضرورة معناها.
في الماضي، كان الصحن ينتقل من مطبخ إلى آخر من دون سابق إنذار أو حاجة إلى تفسير. ويعود مغسولًا، وأحيانًا محمّلًا بطبق آخر، ليستقرّ في الخزانة إلى أن تحين المناسبة التالية. ولم يكن الناس يتذكّرون دائمًا من هو صاحب الوعاء، لكنّهم يعرفون إلى أيّ بيت قد يصل.
المقال المقبل: الأمسيات، حين كان المساء يجمعنا
icibeyrouth.com/articles/1343454/la-visite-sans-prevenir-quand-la-porte-restait-ouverte
لماذا يُقدَّم الطعام إلى العائلات المحزونة؟
في عدد من البيئات اللبنانية، يبادر الأقارب والجيران إلى إحضار وجبات الطعام للعائلة التي فقدت أحد أفرادها، تخفيفًا للأعباء المنزلية في الأيام الأولى للحداد، حين تنشغل غالبًا باستقبال المعزّين. وتختلف تفاصيل هذه العادة باختلاف الطوائف والتقاليد العائلية؛ فقد يتناوب الأقارب والجيران على إعداد الوجبات، أو يقدّمونها من تلقاء أنفسهم. إنّه شكل من أشكال التضامن العملي، يقوم على مبادرة بسيطة: تقديم العون قبل أن تضطر العائلة إلى طلبه.
طبقٌ إلى الجار… تقليدٌ يصون أواصر المودّة هنا لبنان.
مشاهدة طبق إلى الجار hellip تقليد يصون أواصر المود ة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ طبق إلى الجار تقليد يصون أواصر المود ة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، طبقٌ إلى الجار… تقليدٌ يصون أواصر المودّة.
في الموقع ايضا :
- أسعار الذهب في صنعاء وعدن اليوم.. لماذا تختلف قيمة الجرام؟
- “Israel,” the Absent Present in the War on Yemen… A Reading of the Strategy and the Calculations of the Confrontation
- A Geographical Audit Refutes Al-Arabiya Channel’s Falsification of the Location of a Video It Published About the Kahbub Mountains
