أعادت واقعة مأساوية شهدها أحد الشوارع الرئيسية بمدينة طنجة النقاش بشأن تنامي السلوكات العدوانية في الفضاء العام المغربي، بعدما صدم شاب يقود سيارة شابا آخر كان على متن دراجة نارية، قبل أن يصطدم بعدد من السيارات ويترك سيارته ويلوذ بالفرار، مخلفا حالة من الهلع في صفوف المارة ومستعملي الطريق، فيما فارق الشاب المصاب الحياة لاحقا.
وبحسب المعطيات المتداولة بشأن الحادث، فإن مشادة كلامية سبقت الواقعة بين الشابين، دون أن تتضح جميع ملابساتها؛ غير أن ما جرى أثار تساؤلات تتجاوز الحادثة نفسها إلى طبيعة العلاقات بين الأفراد، وحدود التحكم في الغضب، ومدى حضور قيم التسامح واحترام الآخر في الفضاءات المشتركة.
وتعيد مثل هذه الوقائع إلى الواجهة سؤال الأسباب التي تجعل خلافات عابرة قابلة للتحول إلى اعتداءات ذات عواقب وخيمة، وما إذا كانت الضغوط الاجتماعية والتحولات التي تعرفها مؤسسات التنشئة التقليدية، إلى جانب التأثير المتزايد للفضاءات الرقمية، قد أسهمت في تغيير طرق التعبير عن الغضب والتعامل مع النزاعات اليومية.
وفي قراءة لهذه السلوكات، اعتبر السوسيولوجي والأكاديمي أحمد شراك أن مظاهر الخروج عن القانون في الفضاء العام المغربي ليست ظاهرة مستجدة، مؤكدا أن ترسيخ احترام الآخرين وحرياتهم، وصيانة القيم المنظمة للحياة المشتركة، يقتضيان اعتماد “تنشئة سياسية ومدنية واسعة النطاق”.
وأوضح شراك، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن هذه التنشئة ينبغي أن تجعل من التوعية بخطورة اللجوء إلى العنف أولوية، وأن تقوم على ترسيخ مبدأ “الابتعاد عن ممارسة شرع اليد مهما كانت الممارسات والمصوغات”، إلى جانب تعبئة المواطنين وتعزيز الوعي الجمعي والقيم الأخلاقية والديمقراطية.
وشدد المتحدث على أن الديمقراطية لا تختزل في المؤسسات والقوانين، بل تمتد إلى سلوكات الأفراد وأخلاقياتهم في مختلف الفئات والطبقات والبيئات الثقافية، بما يضمن الأمن والسكينة داخل المجتمع.
ولفت السوسيولوجي ذاته إلى أن الأمن المطلوب لا يقتصر على تدخل الأجهزة المختصة، بل يشمل أيضا الأمنين النفسي والاجتماعي، موضحا أنه “مهما بلغت كفاءة الأجهزة الأمنية فلا يمكن أن تراقب الجميع، في أي مكان وفي أي زمان، إذا لم يراقب المواطن ضميره المدني والاجتماعي”.
وفي هذا السياق، دعا شراك إلى تقوية المجتمع المدني وتوسيع أدواره في نشر قيم المواطنة والسلوك المدني، معتبرا أن التربية على احترام الفضاء العام لا ينبغي أن تبقى مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما تتطلب انخراط مختلف مكونات المجتمع.
وربط الأكاديمي بعض السلوكات العنيفة بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يعيشها المواطنون، والتي قد تجعل مواقف بسيطة مناسبة للتعبير عن الغضب أو التمرد، قبل أن تتطور بعض الحالات إلى اعتداءات جسدية.
وقال إن هذا السلوك “ملحوظ في شوارعنا وأزقتنا. وينطلق من العنف اللفظي، وقد ينتهي إلى العنف الجسدي الذي قد يؤدي إلى الموت”، مضيفا: “وهنا مربط الفرس، عندما تصبح أسباب تافهة تؤدي إلى نتائج وخيمة”.
التنشئة في زمن الخوارزميات
من جانبه، قدم مصطفى شكدالي، الباحث في علم النفس الاجتماعي، قراءة تنطلق من التمييز بين مفهومي العنف والعدوان، معتبرا أن الحوادث التي تتطور فيها المشادات إلى اعتداءات قاتلة تندرج، من منظور علم النفس، ضمن السلوك العدواني الذي قد تتداخل في إنتاجه عوامل نفسية واجتماعية وقيمية.
وأوضح شكدالي، في حديث مع هسبريس، أن العنف يرتبط بالحياة البشرية في صور متعددة، بينما يكتسي العدوان طابعا مختلفا عندما يتحول إلى سلوك يستهدف إلحاق الأذى بالآخر، وقد يبلغ حد التسبب في وفاته.
وأضاف أن الوصول إلى حوادث وشجارات مميتة، كما في الواقعة التي شهدتها طنجة، يجعلنا أمام عدوان قد تقف وراءه عوامل متعددة، من بينها التحولات القيمية التي مست الروابط الاجتماعية والعلاقات بين الأفراد.
وفي تفسيره لهذه التحولات، استحضر الباحث التغير الذي أصاب مؤسسات التنشئة الاجتماعية، موضحا أن الأسرة والمدرسة كانتا تضطلعان تقليديا بدور مركزي في تشكيل سلوك الأفراد وتوجيه اختياراتهم، في حين أصبحت المنصات الرقمية والخوارزميات تؤثر بصورة متزايدة في أنماط التنشئة وبناء الهوية.
وقال شكدالي: “في الماضي، كانت التنشئة الاجتماعية التقليدية تتم عن طريق الآباء والمدرسة. وأصبحنا اليوم أمام تنشئة اجتماعية خوارزمية”، معتبرا أن هذه التحولات أثرت في قدرة الشباب على العثور على نماذج يقتدون بها خارج العالم الرقمي.
ويرى الباحث، مؤلف كتاب “سيكولوجيا الإنسان المرقمن: التنشئة الخوارزمية وبناء الهوية في عصر الثورة الرقمية”، أن الفضاءات الرقمية أصبحت تشارك بقوة في تشكيل التصورات والسلوكات، بينما تراجعت، بحسب تقديره، بعض آليات الضبط الأخلاقي التي كانت توفرها مؤسسات التنشئة التقليدية.
واعتبر أن العدوان الملحوظ في الفضاء العام قد يجد “مرتعا خصبا في التنشئة الخوارزمية”، التي يرى أنها قد تضعف حضور الضوابط الأخلاقية لدى بعض الأفراد، مستعينا في تفسيره بمفهوم “الأنا الأعلى” في التحليل النفسي، باعتباره أحد المفاهيم المرتبطة باستبطان القواعد والضوابط الاجتماعية.
وأوضح شكدالي أن غياب ما يسميه “مبدأ الواقع”، إلى جانب الضغوط الاجتماعية والنفسية والتحولات التي أصابت الروابط بين الأفراد، يمكن أن يسهم في إضعاف القدرة على ضبط ردود الفعل واحترام حدود التعامل مع الآخرين.
وأضاف أن بعض الروابط الاجتماعية كانت تؤدي، في نظره، وظيفة كابحة للسلوكات العدوانية، حتى في الحالات التي تنشأ فيها خلافات أو مظاهر عنف، بحيث تحول دون انتقالها إلى الرغبة في إيذاء الآخر بصورة جسيمة.
وخلص الباحث في علم النفس الاجتماعي إلى أن تراجع بعض أشكال التنشئة الاجتماعية التقليدية لفائدة أنماط جديدة تتشكل داخل الفضاءات الرقمية يمثل، بحسب قراءته، أحد العوامل التي ينبغي الانتباه إليها عند تفسير مظاهر العدوان في الفضاء العام.
العنف بالفضاء العام .. هل تتراجع سلطة الضمير أمام التنشئة الخوارزمية؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة العنف بالفضاء العام هل تتراجع سلطة الضمير أمام التنشئة الخوارزمية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ العنف بالفضاء العام هل تتراجع سلطة الضمير أمام التنشئة الخوارزمية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، العنف بالفضاء العام .. هل تتراجع سلطة الضمير أمام التنشئة الخوارزمية؟.
في الموقع ايضا :
- أكسيوس عن مسؤولين أوكرانيين: ويتكوف وكوشنر طلبا مجددا من أوكرانيا وقف الهجمات على مصافي النفط الروسية عاجل
- السلطات اليمنية تتحدث عن هجوم باليستي يستهدف مأرب.. هذه تفاصيله
- الخطف والتسول والاستغلال مجرم بالاتجار بالبشر ولو برضاء المجنى عليه