أوليمبوس.. مدينة ليكية عريقة تجمع أسرار القراصنة وأساطير النار وسحر المتوسط ...الشرق الأوسط

ترك برس - اخبار عربية
أوليمبوس.. مدينة ليكية عريقة تجمع أسرار القراصنة وأساطير النار وسحر المتوسط

ترك برس

على امتداد الساحل الجنوبي لتركيا، حيث تتعانق الجبال الخضراء مع مياه البحر المتوسط، تختبئ بين الأشجار وأحضان الطبيعة بقايا مدن قديمة تروي حكايات حضارات تعاقبت على الأناضول وتركت بصماتها في التاريخ. وفي ولاية أنطاليا، تبرز مدينة أوليمبوس الأثرية بوصفها واحدة من أبرز محطات الحضارة الليكية، إذ تجمع بين تاريخ الموانئ القديمة وآثار العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، فضلا عن أساطير النار التي لا تزال حاضرة في الذاكرة المحلية حتى اليوم.

    وتقع أوليمبوس، المعروفة أيضا باسم أوليمبوس الليكية، ضمن حدود قضاء كوملوجا في أنطاليا، داخل حديقة بييداغلاري الساحلية الوطنية. ولا تقتصر جاذبيتها على آثارها التاريخية، بل تمتد إلى محيطها الطبيعي الذي يضم شواطئ تعشش فيها السلاحف البحرية، ومسارات للمشي بين الغابات والجبال، وموقع يانارتاش الذي تتصاعد منه ألسنة اللهب بصورة طبيعية منذ آلاف السنين.

    مدينة ليكية ذات مكانة سياسية وتجارية

    لا يُعرف على وجه الدقة تاريخ تأسيس أوليمبوس، غير أن اسمها ورد على نقود رابطة المدن الليكية التي سُكّت عامي 168 و167 قبل الميلاد، وهو ما يؤكد مكانتها في المنطقة خلال تلك الفترة. وكانت المدينة واحدة من ست مدن في الرابطة تتمتع بثلاثة أصوات، ما يعكس وزنها السياسي بين المدن الليكية القديمة.

    واكتسبت أوليمبوس أهميتها من موقعها الساحلي الذي أتاح لها الارتباط بشبكات التجارة والملاحة في البحر المتوسط. فقد كانت الموانئ الليكية محطات مهمة لحركة السفن والبضائع، كما شكلت المنطقة حلقة وصل بين الساحل الجنوبي للأناضول والمراكز التجارية الأخرى في العالم القديم.

    وتشير المعلومات المنشورة على بوابة الثقافة التركية التابعة لوزارة الثقافة والسياحة إلى أن معظم الآثار الباقية في المدينة تعود إلى العصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، بما يعكس تعاقب مراحل تاريخية مختلفة على الموقع، وتبدل أدواره السياسية والاقتصادية والدينية عبر القرون.

    من معقل للقراصنة إلى مدينة رومانية

    ارتبط اسم ميناء أوليمبوس في بعض مراحل تاريخه بالقراصنة الذين نشطوا في شرق البحر المتوسط، إذ اتخذه القرصان الكيليكي زينيكيتيس قاعدة لعملياته، مستفيدا من موقعه الساحلي وطبيعته الجغرافية.

    واستمر نفوذ القراصنة في المدينة حتى تدخل الرومان في المنطقة. ووفق وزارة الثقافة والسياحة التركية، تمكن القائد الروماني سيرفيليوس إيساوريكوس من إخضاع أوليمبوس وإنهاء سيطرة القراصنة عليها عام 78 قبل الميلاد، لتدخل بذلك ضمن الأراضي الرومانية.

    ومع ترسيخ السيطرة الرومانية، شهدت المدينة مرحلة جديدة من النشاط العمراني والتجاري. وتشير الروايات التاريخية إلى أن خضوعها النهائي للإدارة الرومانية في القرن الأول الميلادي، ولا سيما عام 43 ميلادية، ارتبط ببداية مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار النسبي.

    وخلال العصر الروماني، أُصلحت منشآت قديمة وأُعيد بناء أخرى، فيما ارتبطت الحياة الدينية في المدينة باحتفالات تكريما للإله هيفايستوس، إله الحدادة والنار في الميثولوجيا اليونانية، الذي عُرف في التقليد الروماني باسم فولكانوس. كما تذكر الروايات التاريخية زيارة الإمبراطور هادريان للمدينة عام 130 ميلادية، في محطة تعكس استمرار أهمية المراكز الساحلية الليكية في الإمبراطورية.

    آثار موزعة على ضفتي النهر

    تتميز أوليمبوس بتخطيطها الذي تتوزع فيه البقايا الأثرية على جانبي مجرى مائي يتجه من الشرق إلى الغرب، قبل أن يصب في البحر المتوسط. وقد استُخدم مجرى النهر في العصور القديمة بطريقة أتاحت توظيفه ممرا مائيا ومرفقا للميناء، إذ حُصر في قناة واستُخدمت ضفتاه كمناطق للرسو، وربط بين جانبيه جسر لم يبق منه اليوم سوى أحد الدعامات.

    وتكشف بقايا الأسوار عن مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، حيث تظهر أجزاء ذات بناء متعدد الأضلاع يعود إلى الفترة الهلنستية، إلى جانب مواضع تحمل آثار إصلاحات وإضافات من العصرين الروماني والبيزنطي.

    وعلى مقربة من مصب النهر، ترتفع تلة شديدة الانحدار كانت تضم الأكروبوليس، أو المدينة العليا المحصنة، حيث لا تزال آثار منشآت تعود إلى فترات متأخرة من تاريخ الموقع. وتتيح هذه البقايا تصور جانب من التنظيم الدفاعي والعمراني للمدينة، التي استفادت من تضاريسها الطبيعية في حماية بعض أجزائها.

    أما المسرح القديم، الواقع على الضفة الجنوبية للنهر، فيعود أساسه إلى العصر الهلنستي، قبل أن يخضع لأعمال إصلاح خلال الفترة الرومانية. ورغم ما لحق به من تدهور، فإنه يظل من الشواهد التي تساعد على فهم الحياة الاجتماعية والثقافية في أوليمبوس، حين كانت المسارح فضاءات للعروض والتجمعات العامة.

    بوابة معبد تحمل ذكرى الإمبراطور ماركوس أوريليوس

    من أبرز المعالم الظاهرة في المدينة بوابة معبد تقع إلى الغرب من مصب النهر بنحو 150 مترا. وتشير القطع المعمارية المكتشفة في الموقع إلى أن البوابة كانت جزءا من معبد صغير بُني وفق الطراز الأيوني، أحد الأنماط المعمارية المعروفة في العالم اليوناني والروماني.

    ويربط الباحثون المنشأة بالإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، استنادا إلى قاعدة تمثال عُثر عليها أمام البوابة، ويرجع تاريخها إلى عامي 172 و173 ميلادية. ويمنح هذا المعلم الموقع قيمة تاريخية إضافية، إذ يربط بين العمارة الدينية المحلية والرموز الإمبراطورية التي كانت حاضرة في مدن الأناضول خلال الحكم الروماني.

    وتكشف هذه الآثار، إلى جانب بقايا المنشآت العامة والمباني الدينية، عن مدينة لم تكن مجرد ميناء تجاري، بل مركزا حضريا شهد تفاعلا بين التقاليد المحلية والتأثيرات الثقافية والسياسية القادمة من روما.

    تابوت القبطان إيدوموس.. حكاية بحرية محفورة في الحجر

    من بين المكتشفات الأثرية التي تمنح أوليمبوس طابعا إنسانيا خاصا، يبرز تابوت القبطان إيدوموس، الذي كشفت عنه أعمال التنقيب التي أجراها متحف أنطاليا.

    ويقع التابوت داخل تجويف صخري بالقرب من مصب النهر، ويكتسب أهميته من النقش الشعري المحفور عليه، الذي يذكر اسم القبطان، ومن النحت البارز على جانبه الطويل، الذي يصور سفينته.

    وتجمع هذه القطعة بين القيمة الأثرية والبعد الإنساني؛ فهي لا توثق اسما من الماضي فحسب، بل تقدم أيضا لمحة عن ارتباط سكان المدينة بالبحر والملاحة، وعن المكانة التي احتلها البحارة في المجتمعات الساحلية القديمة.

    كما يتيح تصوير السفينة على التابوت للباحثين فرصة دراسة بعض تفاصيل المراكب في العالم القديم، فيما يشكل النقش الشعري مصدرا لفهم جوانب من التعبير الفني والجنائزي في تلك المرحلة.

    من مركز مسيحي إلى محطة للتجارة في العصور الوسطى

    حافظت أوليمبوس على أهميتها خلال القرون الأولى للمسيحية، وبرز فيها الأسقف ميثوديوس، الذي ارتبط اسمه بتاريخ الفكر المسيحي المبكر. وتشير السجلات التاريخية إلى مشاركة المدينة في المجامع الكنسية خلال القرنين الخامس والسادس، بما يدل على استمرار حضورها الديني في تلك الفترة.

    غير أن مكانة المدينة بدأت تتراجع تدريجيا خلال العصور المسيحية المتأخرة، بالتزامن مع التحولات التي شهدها الساحل الجنوبي للأناضول. وعلى الرغم من ذلك، عادت المنطقة لتكتسب أهمية تجارية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، عندما نشط التجار القادمون من البندقية وجنوة في موانئ شرق المتوسط.

    واستمر هذا النشاط بأشكال مختلفة قبل أن يتراجع في القرن السادس عشر، مع تعزيز الدولة العثمانية سيطرتها البحرية على المنطقة وتغير موازين التجارة والملاحة في البحر المتوسط.

    وتعكس هذه المراحل المتعاقبة طبيعة المدن الساحلية التي ارتبط ازدهارها بالطرق البحرية والتوازنات السياسية، إذ كانت تتقدم مع ازدهار التجارة وتراجع أهميتها عندما تتغير طرق الملاحة أو تتبدل القوى المسيطرة على البحر.

    يانارتاش.. نار طبيعية صنعت أسطورة كيميرا

    على بعد بضعة كيلومترات إلى الجنوب الغربي من أوليمبوس، يقع يانارتاش، أحد أشهر المواقع الطبيعية المرتبطة بالأساطير القديمة في أنطاليا. وتنبعث من شقوق الصخور في سفح الجبل ألسنة لهب متواصلة، في ظاهرة طبيعية تعود إلى تسرب الغاز، ولا سيما الميثان، من باطن الأرض واشتعاله عند وصوله إلى السطح.

    وقد ألهمت هذه الظاهرة السكان القدماء أساطير عن كيميرا، الكائن الأسطوري الذي كان يُعتقد أنه ينفث النار من فمه. ومع مرور الزمن، ارتبطت النيران بطقوس دينية وبعبادة هيفايستوس، إله النار والحدادة، فتحولت المنطقة إلى مركز ذي أهمية دينية في العالم القديم.

    ولا تزال آثار الطريق المقدس وبعض أساسات المنشآت النذرية ظاهرة بالقرب من النيران، لتقدم دليلا على الكيفية التي ربط بها القدماء بين الظواهر الطبيعية ومعتقداتهم الدينية.

    وتبدو النيران أكثر لفتا للأنظار بعد حلول الظلام، حين تظهر ألسنة اللهب وسط الصخور في مشهد يفسر استمرار حضور المكان في الحكايات الشعبية والأساطير المحلية حتى العصر الحديث.

    تشيرالي.. شاطئ السلاحف والطبيعة المتوسطية

    إلى الشرق من أوليمبوس، وعلى مسافة تقارب 300 متر من الساحل، تقع منطقة تشيرالي، المعروفة بشاطئها الطبيعي وكثبانها الساحلية وتنوع نباتاتها. ويشكل الشاطئ موئلا مهما لسلاحف كاريتا كاريتا البحرية، التي تستخدم رماله لوضع البيض، ما يمنح المنطقة أهمية بيئية إلى جانب قيمتها السياحية.

    وتوفر الطبيعة المحيطة بالمدينة مزيجا من الغابات والجبال والشاطئ، الأمر الذي يجعل زيارة أوليمبوس تجربة تتجاوز التجول بين الآثار القديمة. ويمكن للزائر استكشاف أجزاء من طريق ليكيا، وهو مسار شهير للمشي يمر عبر مواقع تاريخية وطبيعية على امتداد الساحل الجنوبي لتركيا.

    وتؤكد وزارة الثقافة والسياحة التركية أن أوليمبوس ومحيطها يشكلان جزءا من مسار طريق ليكيا، مع امتداد يبلغ نحو 7.5 كيلومترات ضمن المنطقة. كما أُدرجت المدينة عام 2009 ضمن المواقع المقترحة على القائمة التمهيدية للتراث العالمي لليونسكو تحت عنوان «المدن القديمة للحضارة الليكية»، وهو ما يعكس قيمتها ضمن التراث الأثري للأناضول، دون أن يعني ذلك إدراجها على القائمة النهائية للتراث العالمي.

    وجهة تجمع السياحة الثقافية والطبيعة

    تقدم أوليمبوس نموذجا فريدا للتداخل بين التراث التاريخي والبيئة الطبيعية في ولاية أنطاليا. فبين أطلال الميناء القديم وبقايا المسرح والمعابد والكنائس، يستطيع الزائر تتبع مراحل من تاريخ ليكيا وروما وبيزنطة، فيما تمنح الشواطئ والغابات ويانارتاش المكان بعدا طبيعيا يميزه عن كثير من المواقع الأثرية الأخرى.

    وتندرج المدينة ضمن المواقع الأثرية التابعة لوزارة الثقافة والسياحة التركية، ويمكن التحقق من مواعيد الزيارة والتذاكر عبر بوابة المتاحف التركية الرسمية، نظرا إلى احتمال تغير ساعات العمل والرسوم بحسب الموسم.

    وبين تاريخ القراصنة الذين اتخذوا الميناء قاعدة لهم، والقبطان الذي خلدت سفينته على تابوته، والنيران التي غذت أسطورة كيميرا، تظل أوليمبوس مساحة يلتقي فيها التاريخ بالأسطورة والطبيعة، لتروي فصولا من ذاكرة الساحل الليكي الذي كان يوما أحد الممرات الحيوية للحضارات المطلة على البحر المتوسط.

     

    مشاهدة أوليمبوس مدينة ليكية عريقة تجمع أسرار القراصنة وأساطير النار وسحر المتوسط

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أوليمبوس مدينة ليكية عريقة تجمع أسرار القراصنة وأساطير النار وسحر المتوسط قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أوليمبوس.. مدينة ليكية عريقة تجمع أسرار القراصنة وأساطير النار وسحر المتوسط.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار