قبل أقل من شهرين، وقف نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أمام مرشحي حزبه للانتخابات التشريعية، مقدما برنامجا انتخابيا حمل شعار « وطني مستقبلي »، ووعد فيه المغاربة بدعم مالي يصل إلى 5000 درهم للمقبلين على الزواج، وفرض ضريبة تصل إلى 40 في المائة على الأنشطة المستفيدة من الاحتكار والريع الاستثنائي، إلى جانب إصلاحات اجتماعية واقتصادية وتشريعية أخرى.
لكن هذه التعهدات لم تجد طريقها، بصيغتها المعلنة، إلى الخطاب الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلسي البرلمان، امس الاثنين، بعد انتقال حزب الاستقلال من التنافس الانتخابي إلى المشاركة في الأغلبية الحكومية الجديدة.
وتكشف مقارنة أجراها « اليوم24 » بين البرنامج الانتخابي الذي قدمه حزب الاستقلال يوم 29 غشت الماضي، والبرنامج الحكومي الذي عرضته المنصوري في 58 صفحة، عن احتفاظ الحكومة بعدد من تعهدات « الميزان »، خصوصا المتعلقة بمحاربة الفساد وتنظيم الأسواق وإصلاح السكن والتقاعد، مقابل غياب وعود أخرى كانت تتضمن مبالغ مالية ونسبا محددة وآجالا للتنفيذ.
وبين برنامج انتخابي موزع على خمسة محاور رئيسية، إلى جانب ميثاق للشباب، وخطاب حكومي حدد سبع أولويات، تبرز تساؤلات بشأن مصير الوعود التي انفرد بها الاستقلاليون، ومدى قدرة الحزب على تحويل تعهداته إلى سياسات عمومية داخل أغلبية تقودها رئيسة الحكومة المنتمية إلى حزب الأصالة والمعاصرة.
5000 درهم للزواج.. أول الوعود الغائبة
كان دعم الشباب المقبلين على الزواج من أبرز الإجراءات التي قدمها حزب الاستقلال ضمن المحور الأول من برنامجه الانتخابي، المخصص للحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك الأسر وصمودها.
واقترح الحزب تخصيص دعم مالي يصل إلى 5000 درهم للمقبلين على الزواج، إلى جانب إحداث « منحة الانطلاقة الأسرية » للمساعدة على تغطية تكاليف السكن الأول أو اقتناء التجهيزات الأساسية.
كما تضمن البرنامج إجراءات أخرى تستهدف تخفيف الأعباء عن الأسر، من بينها إقرار عطلة مرنة ومدفوعة الأجر لرعاية الأطفال، يتقاسمها الآباء والأمهات، وإقرار خصم ضريبي لفائدة الأسر التي تتحمل تكاليف تمدرس أبنائها.
غير أن هذه التدابير لم ترد في البرنامج الحكومي الذي قدمته المنصوري، رغم تخصيصه محورا لصيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع، تضمن التزامات بمواصلة إصلاح مدونة الأسرة، وحماية النساء والأطفال والمسنين، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص.
ولم يقتصر الغياب على الدعم المالي للزواج، بل شمل إجراءات أخرى اقترحها الاستقلاليون لحماية الأطفال، بينها منع من تقل أعمارهم عن 15 سنة من الولوج إلى بعض منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية الخطيرة، ومنع استعمال الهواتف الذكية في المدارس الابتدائية.
كما لم يرد في الخطاب الحكومي التعهد الانتخابي بإدماج الاستشارات النفسية ضمن الخدمات التي يغطيها التأمين الإجباري عن المرض، رغم التزام الحكومة بتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية وجودتها.
ويكشف هذا التباين انتقال قضية الأسرة من مجموعة تدابير مالية وتشريعية محددة في برنامج حزب الاستقلال إلى توجهات عامة في البرنامج الحكومي، دون تأكيد تبني الإجراءات الخاصة التي اقترحها الحزب خلال الحملة الانتخابية.
ضريبة 40% على الريع..
وفي محور محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، يبدو التقارب بين البرنامجين أكبر، لكنه لا يشمل جميع الوسائل المقترحة.
فقد أعلن حزب الاستقلال في برنامجه الانتخابي عزمه فرض ضريبة تصل إلى 40 في المائة على الأنشطة التي تستفيد من وضعيات احتكارية أو ريع استثنائي، إلى جانب مراجعة القواعد المرتبطة بالمنافسة وحرية الأسعار.
وكان هذا التعهد يمثل أحد أكثر المقترحات الاقتصادية وضوحا في برنامج الحزب، بالنظر إلى تحديده سقفا ضريبيا خاصا ببعض الوضعيات الاقتصادية التي يرى الحزب أنها تستفيد من الاحتكار أو الامتيازات الاستثنائية.
لكن المنصوري، رغم تعهدها بمحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية وإطلاق إصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق بالتنسيق مع مجلس المنافسة، لم تشر إلى إحداث هذه الضريبة أو إلى النسبة التي اقترحها حزب الاستقلال.
وفي المقابل، احتفظ البرنامج الحكومي بتعهدات تتقاطع مباشرة مع البرنامج الانتخابي للاستقلال، وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح وفق الفصل 36 من الدستور، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات.
غير أن الحزب كان قد ذهب أبعد في تحديد الآليات، مقترحا إصدار قانون خاص بتضارب المصالح يحدد حالات التنافي والتنحي والعقوبات، إلى جانب حماية المبلغين عن الفساد، ونشر تقرير سنوي لمؤشرات النزاهة.
ولم ترد هذه الآليات جميعها في الخطاب الحكومي، كما غابت عنه قاعدة « سكوت الإدارة بمثابة موافقة »، التي اقترح الاستقلاليون اعتمادها ضمن إصلاح المساطر الإدارية، والانتقال من نظام التراخيص إلى دفاتر تحملات أكثر شفافية.
وهكذا، انتقل جزء مهم من توجهات الحزب بشأن محاربة الفساد إلى البرنامج الحكومي، بينما بقي مصير ضريبة الريع وبعض الإجراءات القانونية والإدارية غير محدد في خطاب المنصوري.
الطبقة الوسطى والخروج من الفقر..
وفي محور تحسين القدرة الشرائية، تقاطعت تعهدات حزب الاستقلال مع البرنامج الحكومي في تنظيم الأسواق ومحاربة الغلاء وإصلاح الدعم الاجتماعي.
فقد اقترح الحزب إحداث شركات جهوية لاقتناء المنتجات الفلاحية والغذائية وتخزينها وتوزيعها، وهو إجراء ظهر في خطاب المنصوري من خلال التعهد بإنشاء شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق وتقريب المنتجين من المستهلكين.
لكن البرنامج الانتخابي للاستقلال تضمن أيضا إحداث آلية وطنية شفافة لتتبع هوامش الربح في المنتجات والخدمات الأساسية، ووضع خطة وطنية لدعم الطبقة الوسطى في أفق سنة 2031، دون أن تظهر هذه الآليات بصيغتها المحددة في خطاب رئيسة الحكومة.
كما اقترح الحزب ما سماه « العقد الاجتماعي للخروج من الفقر »، القائم على بطاقة أسرية موحدة ومواكبة الأسر في مسارات التعليم والصحة والإدماج.
وفي المقابل، أعلنت المنصوري إعادة استهداف الدعم الاجتماعي على أساس الدخل الفعلي، ورفع قيمته من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
وبينما يتقاطع البرنامجان في هدف تحسين استهداف الدعم والحماية الاجتماعية، فإن الخطاب الحكومي لم يتبنّ صراحة صيغة « العقد الاجتماعي » والبطاقة الأسرية الموحدة التي اقترحها الاستقلاليون.
أما في ملف التقاعد، فقد تعهدت المنصوري بإصلاح شامل للأنظمة الحالية، مع رفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية تدريجيا إلى 3000 درهم شهريا، وتمكين الأرامل من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى.
من « تجربتي » و »آفاق » إلى إدماج 100 ألف شاب سنويا
وفي قطاع التشغيل، قدم حزب الاستقلال برامج محددة تستهدف الشباب، من بينها برنامج « تجربتي »، الذي يقترح تمكين المستفيدين من تجربة مهنية أولى تتراوح مدتها بين ستة أشهر و18 شهرا، مع تعويض وتغطية اجتماعية.
كما اقترح برنامج « آفاق »، الذي يهدف إلى ضمان عدم بقاء أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر.
أما البرنامج الحكومي، فقد أعلن إطلاق برنامج وطني ابتداء من سنة 2027، يهدف إلى تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب آخرين من أول تجربة مهنية كل سنة، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
ويظهر هنا تقارب واضح بين توجهات الحزب والبرنامج الحكومي بشأن الإدماج المهني، غير أن خطاب المنصوري لم يكرر الضمان الزمني المتعلق بعدم ترك الشباب خارج التعليم أو التكوين أو العمل لأكثر من ستة أشهر، كما لم يحدد شروط التعويض والتغطية الاجتماعية التي وردت ضمن برنامج « تجربتي ».
وفي المجال الرقمي، غاب أيضا هدف تكوين 100 ألف موهبة رقمية، الذي ورد في برنامج الاستقلال، رغم احتفاظ الحكومة بالتوجه نحو تطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتشجيع المقاولات الناشئة.
2000 طبيب مستعجلات.. وعد صحي لم يظهر
وامتدت الفوارق إلى قطاع الصحة، حيث اقترح حزب الاستقلال إحداث وكالة وطنية للمستعجلات، واعتماد رقم اتصال موحد، وتكوين 2000 طبيب متخصص في طب المستعجلات بحلول سنة 2031.
وفي البرنامج الحكومي، تعهدت المنصوري بإصلاح استقبال المرضى ومصالح المستعجلات، وتعميم خدمة المساعدة الطبية المستعجلة، وتغطية الخصاص الترابي في العرض الصحي، إلى جانب إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة.
لكن الخطاب لم يذكر إحداث الوكالة المقترحة، ولا الهدف العددي المتعلق بتكوين 2000 طبيب مستعجلات.
وفي التعليم، احتفظت الحكومة بهدف محاربة الهدر المدرسي، معلنة الوصول إلى « صفر انقطاع عن الدراسة » في أفق سنة 2030، مع توجيه التلاميذ المنقطعين إلى مسارات بديلة في التعليم أو التكوين المهني.
غير أن بعض المقترحات الاستقلالية الأخرى لم تظهر بصيغتها الانتخابية، من بينها تأطير زيادات رسوم التعليم الخصوصي ومنع الرسوم الخفية، والتعهد المحدد بتعميم التعليم الأولي المجاني للأطفال بين الرابعة والسادسة.
مخزون محروقات لـ90 يوماً وأهداف صناعية غائبة
وفي محور السيادة الاستراتيجية، قدم الاستقلاليون تعهدات بأرقام وآجال محددة لتأمين حاجيات البلاد من الموارد الأساسية.
ومن بين أبرزها توفير مخزون استراتيجي من المحروقات يغطي 60 يوما من الاستهلاك خلال سنتين، ثم بلوغ 90 يوما، إضافة إلى مخزون من الحبوب يكفي أربعة أشهر، ومن الأدوية واللقاحات يغطي ستة أشهر.
لكن البرنامج الحكومي، رغم تعهده بتأمين المخزونات وتنظيم تموين الأسواق وتعزيز السيادة الغذائية والطاقية، لم يكرر هذه الحدود الزمنية.
كما لم يرد في خطاب المنصوري تعهد الاستقلاليين برفع المحتوى المحلي في مشاريع الطاقة العمومية إلى 50 في المائة بحلول سنة 2031، ولا هدف ضمان نقل 30 في المائة من الواردات الاستراتيجية بواسطة أسطول تجاري وطني.
في المقابل، احتفظ البرنامج الحكومي بالتوجه نحو إنشاء أسطول تجاري وطني، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتعزيز الطاقات المتجددة، وتأمين الموارد المائية والغذائية.
وأعلنت المنصوري أيضا هدف رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية، إلى جانب تعزيز المخزونات الغذائية وإعادة تنظيم تموين السوق الداخلية.
وفي مجال الصفقات العمومية، يتقاطع البرنامج الحكومي مع تعهد الاستقلال بفتح حصة من الطلبيات العمومية أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة، إذ أعلنت المنصوري اعتزام إلزام أصحاب الصفقات بتخصيص 30 في المائة من قيمتها لهذه المقاولات المغربية.
تعهدات انتقلت وأخرى تنتظر اختبار التنفيذ
تكشف المقارنة أن انتقال حزب الاستقلال إلى الأغلبية الحكومية لم يؤد إلى اختفاء مجمل تعهداته، إذ احتفظ برنامج المنصوري بعدد من توجهاته الرئيسية، خاصة في محاربة الفساد والريع، وتنظيم الأسواق، وإصلاح التقاعد، وتطوير السكن القروي، وإدماج الشباب، وتعزيز السيادة الاستراتيجية.
لكن عددا من الإجراءات التي ميزت برنامج « وطني مستقبلي » لم يرد في خطاب تقديم البرنامج الحكومي، وفي مقدمتها دعم الزواج بـ5000 درهم، وضريبة تصل إلى 40 في المائة على الريع الاحتكاري، وتكوين 2000 طبيب مستعجلات، وضمان عدم بقاء أي شاب خارج الدراسة أو التكوين أو العمل لأكثر من ستة أشهر، إلى جانب أهداف محددة للمخزونات الاستراتيجية.
ولا يعني غياب هذه التعهدات عن الخطاب الحكومي تخلي حزب الاستقلال أو الحكومة عنها نهائيا، إذ يمكن أن تظهر بعض مضامينها لاحقا في مشاريع قوانين المالية والبرامج القطاعية والمبادرات التشريعية.
وبين الموقعين، يواجه حزب الاستقلال اختبارا يتعلق بمدى قدرته على الدفاع عن وعوده داخل الأغلبية، خصوصا تلك التي لم تظهر في خطاب المنصوري، بعدما أصبحت أمامه خمس سنوات للمشاركة في تنفيذ السياسات العمومية.
ويبقى السؤال: هل تعود منحة الزواج وضريبة الريع والضمانات المحددة للشباب إلى الواجهة عبر مشاريع قوانين وإجراءات حكومية لاحقة، أم تظل مجرد وعود ارتبطت بالانتخابات وغابت عن أول تعاقد سياسي للحكومة الجديدة أمام البرلمان؟
مشاهدة 5000 درهم لدعم الزواج وضريبة 40 على الريع يغيبان عن البرنامج الحكومي ماذا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ 5000 درهم لدعم الزواج وضريبة 40 على الريع يغيبان عن البرنامج الحكومي ماذا بقي من وعود الاستقلال قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على اليوم 24 ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، 5000 درهم لدعم الزواج وضريبة 40% على الريع يغيبان عن البرنامج الحكومي.. ماذا بقي من وعود الاستقلال؟.
في الموقع ايضا :
- رئيس "النواب الأميركي": بوتين لا يمكن الوثوق به
- ترامب: قادة إيران يخشون مصير أسلافهم
- الحرس الثوري الايراني : دفاعاتنا الجوية أسقطت فجر اليوم مسيّرة أمريكية من طراز إم كيو 9 فوق أجواء مضيق هرمز عاجل
