إسقاط الدستور مع أخنوش ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

بعض الأخطاء الدستورية لا تأتي من الجهل بالنص، بل من “الزربة” والاستعجال السياسي في تجاوزه. وهذا، في تقديري، هو ما يحصل اليوم بعد أن صادقت حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم أمس الثلاثاء 20 أكتوبر، على مشروع قانون المالية لسنة 2027، وأحالته في اليوم نفسه على البرلمان، بينما لم تحصل بعد على ثقة مجلس النواب.

تابعت النقاش المفيد والغزير الذي انطلق مباشرة بعد تعيين هذه الحكومة، ولا أعتقد أن المشكلة في كون الوزراء تسلموا السلط، ولا في أن رئيسة الحكومة عقدت مجلسا حكوميا، ولا حتى في أن الملك ترأس مجلسا وزاريا للتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، لأن لكل واحدة من هذه الوقائع سندا يمكن مناقشته وتأويله؛ المشكلة الأوضح توجد في المصادقة على مشروع قانون من طرف حكومة لم تُنصّب بعد، وإحالتها إياه على برلمان لم يعترف بها بعد.

    فالقانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها لا يترك للحكومة الجديدة في هذه الفترة سوى إعداد البرنامج الحكومي، وإصدار تفويضات الاختصاص والإمضاء اللازمة لاستمرار المرافق، وممارسة التدابير الضرورية والمستعجلة لضمان استمرارية مصالح الدولة وانتظام المرافق العمومية.

    أما المصادقة على مشاريع القوانين، فقد وضعها المشرع صراحة خارج مجال التصرفات المباحة للحكومة الجديدة قبل تنصيبها.

    صحيح أن المجلس الدستوري، حين فحص هذا القانون سنة 2015، فتح نافذة استثنائية حين قال إن تطبيق هذا المنع ينبغي أن يراعي ما قد تستلزمه “حالة الضرورة” من تدابير تشريعية أو تنظيمية. وهذا الاستثناء هو اليوم الحجة الأقوى لدى من يدافعون عن سلامة ما قامت به الحكومة، بحجة أن 20 أكتوبر هو آخر أجل قانوني لإيداع مشروع قانون المالية أمام مجلس النواب.

    لكن حتى هذا الاجتهاد لا يحول الضرورة إلى ولاية حكومية كاملة، ولا يلغي الفرق بين الاستثناء والقاعدة، ولا يعفي من طرح سؤال من صنع حالة الضرورة أصلا؟

    فأجل 20 أكتوبر لم يسقط من السماء، ولم تكتشف الدولة فجأة أن لها قانون مالية ينبغي إيداعه في هذا التاريخ. والداخلية التي أشرفت على وضع أجندة الانتخابات كانت تعرف المادة 48 من القانون التنظيمي للمالية التي تحدد 20 أكتوبر حدا أقصى للإيداع. كما أن مشروع مالية 2027 لم يولد في ليلة الجمعة التي عينت فيها حكومة المنصوري.

    إعداد المشروع بدأ في عهد حكومة عزيز أخنوش؛ والوزيرة نادية فتاح عرضت في يوليوز أمام لجنتي المالية الإطار العام لإعداده والبرمجة الميزانياتية 2027-2029، ثم أصدرت رئاسة الحكومة في غشت المذكرة التوجيهية التي حددت أولوياته الكبرى. أي أن المشروع الذي حمله فوزي لقجع يوم الثلاثاء إلى مجلس الحكومة لم يكن ثمرة ثلاثة أيام من عمل الفريق الجديد، ولا يعقل أصلا أن تكون حكومة عُينت مساء الجمعة قد سهرت ليلتها لتصنع من الصفر ميزانية دولة.

    فهل كان ضروريا إخراج عزيز أخنوش وحكومته من المشهد بهذه السرعة، إذا كان الثمن هو إدخال الحكومة الجديدة في هذه المنطقة الدستورية الرمادية؟ ولماذا جرى كل هذا هذه المرة بينما عاشت حكومة ابن كيران عامها الأول بميزانية أعدتها وصادقت عليها حكومة عباس الفاسي، بينما ناقشت حكومة العثماني مشروع القانون المالي الذي كانت حكومة ابن كيران قد أحالته على البرلمان قبل الانتخابات نفسها؟

    صحيح أن الحكومة السابقة لم تكن بدورها حرة في المصادقة على مشاريع القوانين. والمادة 37 من القانون التنظيمي تمنع ذلك، والمجلس الدستوري هو الذي أضاف استثناء الضرورة بالنسبة لحكومة تصريف الأعمال أيضا. لكن الحكومة السابقة هي التي أعدت المشروع فعليا، وهي التي أطلقت مساره منذ شهور، وكان من الممكن ـ لو تأخر تشكيل الحكومة الجديدة بضعة أيام ـ أن تستمر باعتبارها حكومة تصريف أعمال إلى غاية تشكيل الحكومة الجديدة، ثم نبحث في إمكانية استعمال استثناء الضرورة لإتمام إجراء مالي كانت هي صاحبة المشروع منذ بدايته.

    ما يقع اليوم هو أقرب إلى العبث منه إلى حالة الضرورة. حكومة بالكاد عُيّنت، ولم يجد بعض وزرائها بعد حتى مقعدا يجلسون عليه بشكل دائم لمباشرة مهامهم، ورثت وثيقة جاهزة تقريبا، ثم صادقت عليها وأحالتها على برلمان لم يعترف بها بعد.

    قد يقال إن النتيجة واحدة، وإن الدولة لا تتوقف وإن الميزانية ينبغي أن تُودع في وقتها. وهذا صحيح من زاوية استمرارية المؤسسات، لكنه ليس جوابا كافيا في دولة جعل دستورها من التنصيب البرلماني لحظة مؤسسة للعلاقة بين الحكومة ومجلس النواب.

    المسألة ليست مجرد توقيع يمكن تعويضه بآخر. مشروع قانون المالية هو أكثر القوانين تعبيرا عن السياسة الحكومية، يحدّد الضرائب، والنفقات، والاستثمار، والدعم، والمناصب المالية، وترجمة الأولويات الاجتماعية والاقتصادية التي يفترض أن الحكومة جاءت إلى البرلمان لتنال الثقة بشأنها. فإذا كان البرلمان لم يمنح هذه الثقة بعد، فما معنى أن يتلقى مشروعا ماليا كاملا باسم الحكومة التي لم ينصّبها بعد؟

    المسألة لا تتعلق إذن بتقديس إجراء شكلي، ولا بالرغبة في تعطيل الدولة حتى ينتهي النواب من النقاش والتصويت. الفكرة البرلمانية كلها تقوم على فكرة أن الحكومة لا تستمد شرعيتها السياسية الكاملة من التعيين وحده، وإلا لما احتجنا إلى الفصل 88 من الدستور الذي أقرّ مبدأ التنصيب لكي تكون ثقة مجلس النواب جزءا من تأسيس السلطة التنفيذية نفسها.

    وكل الدراسات التي تناولت هذه المرحلة ذهبت في اتجاه اعتبار الحكومة المعينة قبل التنصيب “ناقصة الأهلية” سياسيا، والقانون التنظيمي جاء ليحدد لها مهاما انتقالية مضبوطة لا لكي يمنحها ولاية كاملة في انتظار التصويت.

    الضرورة، في دولة القانون، ليست كلمة سحرية تمحو الحدود التي رسمها المشرع، خصوصا إذا كان ممكنا توقعها مسبقا. موعد الانتخابات كان معلوما، وآخر أجل لإحالة قانون المالية كان معروفا، ومسار تشكيل الحكومة جرى تحت نظر الجميع. وكان واضحا منذ وقت مبكر أن تعيين حكومة جديدة قبل أيام قليلة من 20 أكتوبر سيضعها أمام واحد من خيارين سيئين: إما انتظار التنصيب والمخاطرة بتجاوز أجل قانون المالية، أو المصادقة على مشروع قانون قبل اكتمال أهليتها السياسية. ومن المشروع أن نتساءل لماذا وُضعنا أصلا أمام هذا الاختيار؟

    ماذا كان سيقع “في ملك الله”، لو بقي عزيز أخنوش أربعة أو خمسة أيام إضافية على رأس حكومة تصريف الأعمال، إلى أن يُحسم ملف قانون المالية وفق صيغة دستورية وقانونية قابلة للدفاع عنها وفقا لمنطق “الضرورة”، ثم تسلم الحكومة الجديدة مهامها دون أن تبدأ ولايتها بهذا الاشتباك مع فكرة البرلمان؟

    هل كان المغرب سيتوقف؟ هل كانت الإدارة ستتعطل؟ أم أن هناك رغبة سياسية في القطع السريع مع المرحلة السابقة جعلت الزمن السياسي يدوس هذه المرة على الزمن الدستوري؟

    لا أملك جوابا عن دوافع هذا الاستعجال، ولا ينبغي اختراعها. لكن النتيجة أن أخنوش خرج بسرعة، ودخلت المنصوري بسرعة أكبر، وبين السرعتين وجد البرلمان نفسه أمام حكومة لم يمنحها الثقة بعد، لكنها صادقت بالفعل على مشروع قانون المالية وأحالته عليه.

    ربما كان إخراج رئيس حكومة خسر الانتخابات من المشهد أمرا سياسيا مفهوما، وربما كان مطلوبا حتى رمزيا أن يبدأ الجهاز التنفيذي الجديد بسرعة. لكن ألم يكن من الأفضل أن يبقى رئيس حكومة راحل بضعة أيام إضافية وهو يعرف أنه راحل، على أن نُحمّل حكومة جديدة منذ أسبوعها الأول عبء خرق دستوري من هذا الحجم؟

    المشكلة في النهاية ليست عزيز أخنوش ولا فاطمة الزهراء المنصوري. المشكلة هي أن البرلمان، مرة أخرى، يبدو الحلقة الأضعف حين تتزاحم المواعيد. وهذا هو الخطر الحقيقي.

    فحين تتحول الاستثناءات إلى سوابق، لا نكون قد حافظنا على استمرارية الدولة فقط، بل نكون قد غيرنا، في العمق، المعنى الذي أراد دستور 2011 أن يعطيه لفكرة أن الحكومة تحتاج إلى ثقة البرلمان قبل أن تصبح حكومة كاملة الصلاحيات.

    إسقاط الدستور مع أخنوش صوت المغرب.

    مشاهدة إسقاط الدستور مع أخنوش

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ إسقاط الدستور مع أخنوش قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، إسقاط الدستور مع أخنوش.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار