الإصلاح المالي لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات التي تستطيع الدولة تحصيلها، بل أيضًا بمدى انسجام سياساتها مع أهداف الاستقرار والتعافي وحماية الحقوق. وفي بلدٍ لا تزال فيه الودائع عالقة، والخسائر غير محسومة بصورة نهائية، والتزامات الدولة والمصرف المركزي والقطاع المصرفي متداخلة، لا يمكن فصل القرارات الضريبية عن مسار الحل المالي الشامل.
كتب موريس متى لـ”هنا لبنان”:
بعد مطالبة المصارف بإعادة احتساب نتائجها الضريبية عن سنوات الانهيار، اعترضت جمعية مصارف لبنان رسميًا وحذّرت من تحميل القطاع أعباء إضافية قد تنعكس على السيولة وحقوق المودعين، فيما تتواصل التساؤلات حول مسؤولية الدولة عن الخسائر ومصير الودائع.
في وقتٍ لا يزال فيه لبنان يبحث عن مخارج لأزمته المالية والمصرفية، وعن آليّات لمعالجة الفجوة المالية وإعادة أموال المودعين، برز خلاف جديد بين وزارة المالية والقطاع المصرفي، على خلفيّة مُطالبة المصارف بمراجعة وتصحيح تصاريحها الضريبية عن السنوات الممتدّة من 2020 حتّى نهاية 2025.
فالوزارة طلبت إعادة احتساب مجموعة من العمليات المالية والمحاسبية، بما فيها المؤونات المرتبطة بسندات اليوروبوندز، وفروقات أسعار الصرف، وخسائر التقييم، والإيرادات الناتجة عن عمليات بالعملات الأجنبية، مع تحديد مهلة تنتهي في 31 تشرين الأول 2026 لتقديم التصاريح المعدّلة واستكمال الإجراءات المطلوبة.
هذه الخطوة أعادت طرح إشكالية أساسية تتجاوز مسألة التحصيل الضريبي: هل يمكن التعامل مع النتائج المحاسبية للمصارف خلال سنوات الانهيار كما لو أنّها نتجت عن ظروف اقتصادية طبيعية؟ وهل يمكن فرض أعباء ضريبية إضافية على قطاع لم تُحسم بعد خسائره الفعلية، ولا مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف عن تلك الخسائر؟
والأهم، ما هو انعكاس هذه المطالب على الموارد المالية التي يُفترض أن تساهم في إعادة الودائع؟
وفي تطور جديد، انتقل الاعتراض من النقاش الاقتصادي إلى المراسلات الرسمية، بعدما وجّهت جمعية مصارف لبنان، بواسطة وكيلها المحامي أكرم عازوري، كتابًا إلى وزير المالية ياسين جابر بتاريخ 20 تشرين الأول 2026، أعلنت فيه معارضتها للمطالب الضريبية، وقدّمت مجموعة من الاعتراضات القانونية والمحاسبية والمالية، مطالبةً بإعادة النظر في الإجراءات ووقف مفاعيل المهلة المحددة لتنفيذها.
أولًا: ماذا تريد وزارة المالية من المصارف؟
تعود بداية الخلاف إلى مطالبة الإدارة الضريبية المصارف بمراجعة تصاريحها عن ست سنوات متتالية، وإعادة احتساب بعض النتائج التي سبق أن أدرجتها في بياناتها المالية.
وتتركّز المطالب على ستة ملفات رئيسية:
أولها، مؤونات سندات اليوروبوندز وخسائر التقييم غير المحقّقة، حيث تطلب الإدارة مراجعة المعالجة الضريبية لهذه الخسائر، وإعادة إضافة المبالغ التي تعتبر أنها لا تستوفي شروط التنزيل الضريبي.
وثانيها، المؤونات المستردّة، سواء المرتبطة باليوروبوندز أو بالديون أو بانخفاض قيمة بعض الأصول المالية، وما إذا كانت معالجتها الضريبية قد تمّت وفق القواعد المعتمدة.
أما الملف الثالث، فيتعلّق بعمليات بيع سندات اليوروبوندز، وكيفية احتساب الأرباح أو الخسائر الناتجة عنها.
ويشمل الملف الرابع الإيرادات المسجّلة بالعملات الأجنبية، بما فيها بعض عمليات بيع العقارات والمُساهمات والعملات، وإعادة احتسابها وفق أسعار الصرف التي تعتبرها الإدارة الضريبية واجبة التطبيق.
ويتعلّق الملف الخامس بنطاق تطبيق بعض القرارات التنظيمية، ولا سيما القرار رقم 893، ومدى إمكانيّة الاستناد إلى المعالجات الخاصّة الواردة فيه بالنسبة إلى العمليات المصرفية المختلفة.
أمّا الملف السادس، فيتناول فروقات الصّرف والقطع، وكيفية احتسابها ضريبيًا خلال السنوات التي شهدت تعددًا كبيرًا في أسعار صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية.
ومن حيث المبدأ، لا خلاف على حق الدولة في التدقيق في التصاريح الضريبية وتحصيل الضرائب المستحقّة قانونًا. لكن الإشكاليّة تكمن في طبيعة الأرباح والخسائر التي يجري التعامل معها، وفي مدى توافق المعالجة الضريبية مع الواقع المالي الذي فرضه الانهيار.
فالارتفاع الدفتري لقيمة أصل مُقوّم بالدولار، عند تحويله إلى الليرة اللبنانية، لا يعني بالضرورة تحقيق ربح اقتصادي فعلي. كما أن تسجيل خسارة محاسبية لا يعني تلقائيًا إمكانية تنزيلها من الوعاء الضريبي.
وهنا تحديدًا يقع الخلاف بين الإدارة الضريبية والمصارف، بين ما تعتبره الوزارة تطبيقًا للقواعد الضريبية، وما تعتبره الجمعية تجاهلًا لطبيعة الخسائر التي أصابت القطاع.
ثانيًا: جمعية المصارف تردّ… الدولة مسؤولة عن جزء أساسي من الخسائر
في كتابها إلى وزارة المالية، تبدأ جمعية المصارف اعتراضها من جذور الأزمة المالية، وليس فقط من تفاصيل المعالجة الضريبية.
فالجمعية تعتبر أنّ الأزمة التي انفجرت عام 2019 لا يمكن فصلها عن تعثّر الدولة اللبنانية في سداد ديونها، وعن امتناع مصرف لبنان عن إعادة الودائع بالعملات الأجنبية إلى المصارف.
وتذكّر بأنّ المصارف كانت قد أودعت لدى مصرف لبنان، خلال السنوات السابقة للأزمة، مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية تعود في جزءٍ أساسي منها إلى أموال المودعين.
وتشير الجمعية إلى أنّ المصارف اللبنانية أودعت لدى مصرف لبنان، ما بين عاميْ 2010 و2021، مبالغ تفوق ما استهلكته من ودائع المودعين، معتبرةً أن عدم إعادة هذه الأموال هو أحد الأسباب الأساسية للأزمة التي أصابت القطاع.
وتستند الجمعية أيضًا إلى حجم الدين المترتّب بالعملة الأجنبية على مصرف لبنان، والذي تضعه في حدود 76 مليار دولار.
وبحسب موقفها، فإنّ هذه الالتزامات لا يمكن تجاهلها عند تقييم الوضع المالي للمصارف أو تحديد قدرتها على تحمّل أعباء ضريبية جديدة.
وتذهب الجمعية أبعد من ذلك، إذ تستند إلى المادة 113 من قانون النقد والتسليف لتأكيد مسؤولية الدولة، وفق تفسيرها لهذه المادة، عن تغطية خسائر مصرف لبنان.
وتشير إلى أنّها، مع عدد من المصارف، تقدّمت بدعوى أمام مجلس شورى الدولة للمطالبة بإلزام الدولة بتسديد موجباتها تجاه مصرف لبنان، بما يتيح للأخير إعادة ودائع المصارف لديه.
وهنا تبرز إحدى النقاط الجوهرية في الخلاف.
فإذا كانت الدولة نفسها طرفًا في الأزمة المالية، وعليها التزامات لم تُسوَّ بعد، فكيف يمكن تحديد الالتزامات الضريبية النهائية للمصارف من دون حسم مصير هذه المستحقّات والخسائر؟
إنّها إشكالية تتعلّق بتداخل الحسابات بين الدولة والمصرف المركزي والقطاع المصرفي، وبمدى إمكانيّة فصل السياسة الضريبية عن خطة معالجة الأزمة النظامية.
ثالثًا: اليوروبوندز… هل تُفرض الضرائب رغم خسارة المصارف؟
يشكّل ملف سندات اليوروبوندز أحد أبرز محاور اعتراض جمعية المصارف.
ففي آذار 2020، توقّفت الدولة اللبنانية عن سداد ديونها السيادية بالعملات الأجنبية، ما أدّى إلى انهيار القيمة السوقية لهذه السندات، وتكبُّد المؤسّسات التي تحملها خسائر كبيرة.
وتعتبر الجمعية أنّ الدولة، بعدما امتنعت عن سداد مستحقات اليوروبوندز، تسبّبت مباشرة في خسائر المصارف الحاملة لهذه السندات.
وتشير إلى أن الدولة اتخذت قرار التوقّف عن السداد من دون تنسيق مع المصارف، ما انعكس على قيمة محافظها من السندات السيادية.
كما تلفت إلى أنّ السلطات النقدية طلبت من المصارف تكوين مؤونات بنسبة 75% من قيمة اليوروبوندز المحمولة لديها، في إطار التعامل مع التراجع الكبير في قيمتها.
وهنا تطرح الجمعية اعتراضها على مطالبة المصارف بإعادة النظر في المعالجة الضريبية لهذه المؤونات والخسائر.
فمن وجهة نظرها، لا يمكن التعامل مع هذه الخسائر وكأنّها ناتجة عن قرارات استثمارية طبيعية، من دون الأخذ في الاعتبار أن الدولة نفسها هي الجهة التي توقفت عن سداد الدين.
وتستند الجمعية إلى أحكام قانون ضريبة الدخل، ولا سيما التعديلات المتعلّقة بالمؤونات التي تكوّنها المصارف لمواجهة خسائر الديون، لتبرير موقفها من إمكانيّة تنزيل هذه المؤونات من الأرباح الخاضعة للضريبة.
وتعتبر أنّ المؤونات التي تكوّنها المصارف بموافقة لجنة الرقابة على المصارف، لمواجهة خسائر اليوروبوندز، تندرج ضمن المؤونات القانونية التي يمكن تنزيلها ضريبيًا.
لكنّ الفصل في هذه المسألة يبقى مرتبطًا بتفسير النصوص القانونية، وبمدى استيفاء كل مؤونة للشروط المحدّدة قانونًا.
وتكمن أهمية هذا الاعتراض في أنّ أي إعادة احتساب لهذه المؤونات قد تؤدّي إلى زيادة الوعاء الضريبي للمصارف، حتى في الحالات التي تكون فيها الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تراجع قيمة السندات قائمة فعليًا.
وبذلك، يصبح السؤال: هل يجري احتساب الضريبة على قدرة مالية حقيقية، أم على نتائج محاسبية لا تعكس بالضرورة سيولة متاحة؟
رابعًا: 600 مليون دولار… رقم يثير مخاوف المصارف
من أبرز ما ورد في كتاب جمعية المصارف تقديرها أن تطبيق المطالب الضريبية قد يؤدّي إلى فرض أعباء تبلغ نحو 600 مليون دولار أميركي على المصارف.
وهو رقم تطرحه الجمعية في إطار اعتراضها، وليس حصيلة ضريبية نهائية جرى التثبّت منها بصورة مستقلة.
وبحسب الكتاب، تعتبر الجمعية أن تحميل القطاع المصرفي هذا المبلغ في الظروف الحالية من شأنه أن يزيد الضغوط على المؤسّسات المالية التي لا تزال تواجه تداعيات الانهيار.
وتذهب إلى أنّ المبلغ المطلوب، إذا جرى تحصيله فعليًا، قد يأتي على حساب الموارد المتاحة لدى المصارف، وبالتالي على حساب قدرتها على المساهمة في معالجة أزمة الودائع.
وهنا لا بد من التمييز بين ثلاثة عناصر: القيمة الإجمالية للمطالب الضريبية المحتملة، والمبالغ التي قد تصبح مستحقّة فعليًا بعد التدقيق والاعتراضات، والمبالغ النقدية التي يمكن أن تُدفع من السيولة المتاحة.
فليس كلّ مبلغ ضريبي مقدّر يتحوّل تلقائيًا إلى دفعة نقدية فورية، كما أن أثره يختلف من مصرف إلى آخر بحسب وضعه المالي.
لكن ذلك لا يُلغي أهمية التساؤل حول التوقيت.
فإذا كانت الدولة تسعى إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإعادة تكوين رساميله، وتأمين موارد لإعادة الودائع، فهل جرى تقييم الأثر المحتمل لهذه المطالب الضريبية على قدرة المصارف على المشاركة في هذه العملية؟
وهل يمكن اعتماد سياسة مالية تسعى إلى زيادة إيرادات الخزينة من القطاع نفسه الذي يُفترض أن يحتفظ بجزء من موارده للمساهمة في معالجة الأزمة؟
خامسًا: فروقات أسعار الصرف… أرباح على الورق وخسائر في الواقع؟
تحتلّ مسألة أسعار الصرف مساحةً أساسيةً في اعتراضات الجمعية.
فخلال سنوات الأزمة، انتقل لبنان من سعر صرف رسمي ثابت نسبيًا إلى واقع نقدي شهد تعدّدًا في أسعار الصرف، قبل اعتماد أسعار جديدة في المعالجات المحاسبية والضريبية.
وأدّى ذلك إلى تسجيل فروقات كبيرة في القيم الدفترية للأصول والالتزامات المقوّمة بالعملات الأجنبية.
لكن هذه الفروقات لا تعني دائمًا تحقيق أرباح فعلية.
فقد ترتفع القيمة المحاسبية لأصلٍ بالدولار عند تحويله إلى الليرة، فيما تكون قيمته الاقتصادية بالدولار قد تراجعت بصورة كبيرة.
وتعترض جمعية المصارف على اعتماد معالجات ضريبية تعتبر أنها تؤدّي إلى تحميل المصارف ضرائب على نتائج مرتبطة بتغيّر أسعار الصرف، من دون التمييز الكافي بين الأرباح الفعلية وفروقات التقييم.
وتستند الجمعية إلى أحكام قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 229، لتؤكّد وجود قيود قانونية على فرض ضرائب جديدة نتيجة تحديد أسعار صرف انتقالية.
كما تشير إلى القانون رقم 330/2024، الذي تناول كيفية احتساب بعض النتائج الضريبية المرتبطة بفروقات قيم الأصول.
وبحسب موقف الجمعية، فإنّ تطبيق بعض المعالجات التي تعتمدها الإدارة الضريبية قد يؤدّي إلى فرض ضرائب على أرباح محاسبية ناتجة عن تغيّر سعر الصرف، على الرغم من عدم تحقيق أرباح اقتصادية مقابلة.
وتلفت أيضًا إلى أنّ اعتماد أسعار صرف مختلفة في احتساب الخسائر والأرباح قد يؤدّي إلى نتائج ضريبية غير متوازنة.
وتورد مثالًا على احتساب خسائر المصارف على أساس سعر صرف يبلغ 1507.50 ليرات للدولار، مقابل احتساب بعض الأرباح على أساس سعر يبلغ 89,500 ليرة للدولار.
ومن وجهة نظر الجمعيّة، فإن هذه الازدواجية تزيد العبء الضريبي على المصارف وتؤدّي إلى نتائج لا تعكس بصورة عادلة واقعها المالي.
وتبقى المسألة القانونية الأساسية مرتبطة بتحديد سعر الصرف الواجب التطبيق على كل نوع من العمليات، وبمدى توافق المعالجات المعتمدة مع القوانين والقرارات التنظيمية النافذة.
سادسًا: هل تستطيع وزارة المالية فرض معالجات جديدة بقرارات إدارية؟
لا تقتصر اعتراضات جمعية المصارف على الجانب المالي، بل تشمل أيضًا الأساس القانوني الذي تستند إليه الإدارة الضريبية.
فالجمعية تعتبر أنّ بعض المعالجات التي تطلبها الوزارة قد تؤدّي عمليًا إلى فرض أعباء ضريبية جديدة من خلال تفسير إداري للقوانين.
وتستند في اعتراضها إلى المادتيْن 81 و82 من الدستور اللبناني، اللتيْن تتعلقان بمبدأ قانونية الضرائب، وضرورة استناد فرضها وتعديلها إلى قانون.
وبحسب موقفها، لا يجوز للإدارة الضريبية اعتماد تفسير يؤدّي إلى استحداث ضريبة أو توسيع نطاقها خارج ما تسمح به النصوص القانونية.
كما تشير إلى أن القرارات الصادرة عن وزير المالية تبقى خاضعةً لرقابة القضاء الإداري.
وتلفت إلى أنّها سبق أن اعترضت على بعض القرارات المتعلقة بالمعالجات الضريبية، وتقدّمت بطعون أمام مجلس شورى الدولة.
ويعكس هذا الجانب من الكتاب خلافًا قانونيًا يتجاوز حجم الضرائب المحتملة، ليتناول حدود الصلاحيات التنظيمية للإدارة الضريبية، ومدى إمكانيّة تطبيق بعض المعالجات على سنوات مالية سابقة.
فحق الإدارة في تفسير القوانين وتطبيقها لا يعني إمكان إنشاء التزامات ضريبية جديدة من خارج النصوص التشريعية.
وفي المقابل، فإنّ اعتبار معالجة ضريبية معيّنة مخالفة للقانون يحتاج إلى تقييم قانوني وقضائي، ولا يُحسم بمجرد اعتراض الجهة الخاضعة للضريبة عليها.
سابعًا: مهلة 31 تشرين الأول… هل تكفي لإعادة احتساب ست سنوات؟
إلى جانب الاعتراضات القانونية والمالية، تثير جمعية المصارف مسألة المهلة المحدّدة لتنفيذ مطالب وزارة المالية.
فالكتاب الموجّه إلى الوزير ياسين جابر يشير إلى أنّ المصارف مطالبة بإعادة النظر في تصاريحها عن سنوات تمتد من 2020 حتى 2025، وإجراء مراجعات تشمل عمليات مالية ومحاسبية شديدة التعقيد.
وتعتبر الجمعية أن المهلة التي تنتهي في 31 تشرين الأول 2026 غير قابلة للتطبيق عمليًا.
وتشير إلى أنّ استكمال هذا النوع من المراجعات يحتاج إلى وقت طويل، خصوصًا في ظلّ تعدّد أسعار الصرف وتغيّر المعالجات المحاسبية والتنظيمية خلال سنوات الأزمة.
وتلفت إلى أن تنفيذ بعض الطلبات قد يستلزم خمسة أشهر تقريبًا، وليس بضعة أسابيع.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية لأن أي تصحيح ضريبي لا يقتصر على تعديل رقم في التصريح، بل قد يتطلّب إعادة دراسة ملفات مالية كاملة، ومراجعة مؤونات وتقييمات وعمليات تمّت على مدى سنوات.
وبالتالي، فإنّ قصر المهلة قد يزيد احتمالات الخلافات حول النتائج، ويؤدّي إلى تصحيحات متسرعة أو إلى نزاعات ضريبية إضافية.
ثامنًا: بين الإصلاح المصرفي والجباية… أي أولوية؟
يربط كتاب جمعية المصارف بين المطالب الضريبية الجديدة والتطوّرات التشريعية المرتبطة بمعالجة الأزمة المالية.
فالجمعية تشير إلى قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، الصادر في آب 2025، وإلى التطوّرات التشريعية اللاحقة في تشرين الأول 2026.
وتعتبر أنّ الدولة تعمل على وضع إطار لمعالجة الأزمة المصرفية، فيما تأتي المطالب الضريبية لتضيف التزامات مالية جديدة على المؤسّسات المعنية بهذه العملية.
ومن وجهة نظرها، فإنّ المطلوب هو معالجة الأزمة الأساسية، وتحديد مسؤوليّات الأطراف المعنية عن الخسائر، قبل تحميل المصارف أعباء قد تؤثّر في قدرتها على التعافي.
وهنا يعود النقاش إلى العلاقة بين السياسة الضريبية وخطة إعادة الهيكلة.
فالدولة تحتاج إلى الإيرادات لتمويل نفقاتها والوفاء بالتزاماتها، ومن حقّها تطبيق القوانين الضريبية على جميع المكلفين.
لكنها تحتاج أيضًا إلى معالجة أزمة مصرفية لم تنتهِ، وإلى وضع آليّات واضحة لإعادة الودائع وإعادة تكوين رساميل المؤسسات القابلة للاستمرار.
وإذا كانت الضرائب المطالب بها مستحقّة قانونًا، فإنّ معالجتها يجب أن تراعي الأطر التشريعية المعتمدة.
أمّا إذا كانت المطالب ناتجة عن تفسيرات محاسبية وضريبية موضع نزاع، فمن الضروري حسم هذه الخلافات بطريقة تضمن حقوق الخزينة وحقوق المكلفين في الوقت عينه.
تاسعًا: ماذا طلبت جمعية المصارف من وزير المالية؟
في ختام كتابها، وضعت جمعية مصارف لبنان ثلاثة مطالب أساسية أمام وزارة المالية:
المطلب الأول هو أخذ ملاحظاتها واعتراضاتها على كتاب الوزارة الموجّه إلى المصارف بتاريخ 10 تشرين الأول 2026 بعين الاعتبار.
أمّا المطلب الثاني، فهو تعليق المهلة المحددة في 31 تشرين الأول 2026 للاستجابة للمطالب الضريبية، باعتبار أن الجمعية ترى استحالة احترامها عمليًا.
والمطلب الثالث هو استئناف المحادثات بين الوزارة والجمعية، بهدف معالجة النقاط الخلافية والوصول إلى حلول تعتبرها الجمعية متوافقة مع القانون ومع الإجراءات التي أقرتها الدولة اللبنانية لمعالجة الأزمة.
وتعكس هذه المطالب رغبة الجمعية في نقل الخلاف من مرحلة المطالبة الإدارية إلى مرحلة التفاوض حول الأسس القانونية والمحاسبية للمعالجة الضريبية.
لكن الكتاب، على الرغم من تفصيله للاعتراضات، لا يعني بحدّ ذاته إلغاء مطالب الوزارة أو تعليق مهلتها، ما لم يصدر قرار رسمي بهذا الشأن.
عاشرًا: أين يقف المودعون من هذا الخلاف؟
وسط هذا السجال بين وزارة المالية وجمعية المصارف، يبقى المودعون الطرف الأكثر تأثّرًا بمسار معالجة الأزمة المالية.
فبعد سنوات من القيود على السحوبات والتحويلات، لا تزال مسألة إعادة الودائع مرتبطة بحجم الخسائر النهائية، وتوزيع المسؤوليات، وقدرة الدولة ومصرف لبنان والمصارف على توفير الموارد المطلوبة.
ومن هنا، فإن أي قرار مالي أو ضريبي يطال القطاع المصرفي يجب أن يُدرس أيضًا من زاوية انعكاساته على عملية إعادة الودائع.
فإذا ترتبت على المصارف التزامات ضريبية نقدية كبيرة، قد تنخفض السيولة المُتاحة لديها لأغراض أخرى، ما لم تُعالج هذه الالتزامات ضمن إطار مالي أشمل.
وفي المقابل، فإنّ إعفاء المصارف من ضرائب مستحقّة قانونًا لا يشكّل بحد ذاته ضمانةً لإعادة الأموال إلى المودعين، ما لم تقترن أي تسوية بخطة واضحة وملزمة لإعادة الهيكلة وحماية الحقوق.
لذلك، فإنّ النقاش لا ينبغي أن ينحصر بين مصلحة الخزينة ومصلحة المصارف، بل يجب أن يشمل أيضًا مصلحة المودعين، باعتبارهم أصحاب الحقوق التي يفترض أن تكون في صلب أي معالجة للأزمة.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظلّ النقاش حول آليات إعادة الودائع، بما فيها الودائع التي تصل إلى 100 ألف دولار، ومصادر تمويلها والجدول الزمني لتنفيذها.
فالمطلوب ليس فقط تحديد قيمة الضرائب المحتملة، بل أيضًا معرفة تأثيرها الفعلي في ميزانيات المصارف، وفي الأموال التي يمكن تخصيصها لتسديد حقوق المودعين.
الخلاصة: هل تُعالَج الخسائر أم تُضاف إليها أعباء جديدة؟
أعاد كتاب جمعية مصارف لبنان إلى وزير المالية فتح النقاش حول إحدى أكثر المسائل حساسية في الأزمة اللبنانية: مَن يتحمّل الخسائر، وعلى أي أساس تُحدَّد الالتزامات المالية لكل طرف؟
فالوزارة تطالب بمراجعة المعالجات الضريبية عن سنوات الانهيار، والجمعية تعترض على الأسس المعتمدة وتربطها بمسؤولية الدولة عن التعثّر السيادي وبالتزامات مصرف لبنان تجاه المصارف.
وبين الموقفيْن، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة:
هل تعكس المبالغ التي تسعى الوزارة إلى إخضاعها للضريبة أرباحًا اقتصادية فعلية، أم نتائج محاسبية تأثرت بانهيار سعر الصرف؟
وهل تستند جميع المطالب إلى نصوص قانونية واضحة، أم أن بعضها يرتبط بتفسيرات إدارية قابلة للطعن؟
وما هي القيمة النهائية للضرائب التي قد تستحقّ بعد التدقيق، وما أثر تحصيلها في السيولة المصرفية وفي إعادة الودائع؟
ثم كيف يمكن تنسيق هذه المطالب مع القوانين والخطط الهادفة إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الفجوة المالية؟
إن معالجة هذه الأسئلة تتطلب شفافية في عرض الأسس القانونية والمحاسبية، وتحديدًا دقيقًا للأرقام، وتقييمًا للانعكاسات الاقتصادية قبل اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى نزاعات إضافية.
فالإصلاح المالي لا يُقاس فقط بحجم الإيرادات التي تستطيع الدولة تحصيلها، بل أيضًا بمدى انسجام سياساتها مع أهداف الاستقرار والتعافي وحماية الحقوق.
وفي بلد لا تزال فيه الودائع عالقة، والخسائر غير محسومة بصورة نهائية، والتزامات الدولة والمصرف المركزي والقطاع المصرفي متداخلة، لا يمكن فصل القرارات الضريبية عن مسار الحل المالي الشامل.
ويبقى السؤال الأساسي: كيف يمكن للدولة أن تعمل على إعادة أموال المودعين، فيما تتخذ في الوقت عينه إجراءات قد تؤدي إلى تقليص جزء من الموارد المطلوبة لهذه العملية؟
سؤال يضع وزارة المالية أمام ضرورة توضيح الأسس التي تعتمدها، وتقييم آثارها في القطاع المصرفي والمودعين، فيما ينتظر اللبنانيون معالجة فعلية للخسائر، لا مجرّد انتقال أعبائها من جهة إلى أخرى.
ضرائب على خسائر المصارف… وجمعية المصارف تردّ على وزارة المالية: مَن يتحمّل كلفة الانهيار؟! هنا لبنان.
مشاهدة ضرائب على خسائر المصارف hellip وجمعية المصارف ترد على وزارة المالية م ن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ضرائب على خسائر المصارف وجمعية المصارف ترد على وزارة المالية م ن يتحم ل كلفة الانهيار قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ضرائب على خسائر المصارف… وجمعية المصارف تردّ على وزارة المالية: مَن يتحمّل كلفة الانهيار؟!.
في الموقع ايضا :
- وزير الدفاع الإسرائيلي: سنستهدف البنية التحتية لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت إذا انضم لإيران في أي هجوم ضدنا
- ماذا ناقش منتدى مصر 2026 في يومه الثالث؟
- برلمانى: تصريحات سموتريتش بشأن سيناء مرفوضة.. والسيادة المصرية خط أحمر
