yemenat
يمنات
زكريا نمر
لماذا يخشى بعض المتدينين العلمانية، بينما يتحفظ بعض العلمانيين على الاعتراف بالدور الاجتماعي للدين؟ هل يتعلق الأمر بخلاف فكري حول الحقيقة والأخلاق والدولة، أم أن جزءا من هذا الصراع يرتبط بالخوف من فقدان النفوذ والقدرة على التأثير في المجتمع؟. وفي تقديري المشكلة لا تكمن في وجود الدين أو العلمانية، بل في الطريقة التي يتعامل بها بعض أنصار الطرفين مع أفكارهم. فهناك من يعتقد أن إيمانه يمنحه الحق في تحديد ما يجب أن يؤمن به الآخرون، وهناك من يتعامل مع العلمانية باعتبارها دليلا على التفوق العقلي، وكأن الابتعاد عن الدين يكفي وحده لجعل الإنسان أكثر وعيا وقدرة على التفكير.بعض المتدينين ينظرون إلى العلمانية باعتبارها عداء للدين، من دون التمييز بين الإلحاد والعلمانية، أو بين حرية الاعتقاد وفصل المؤسسات الدينية عن سلطة الدولة. وهذا الخلط يجعل النقاش صعبا، لأن أي مطالبة بمراجعة دور الدين في السياسة قد تتحول إلى اتهام بالإساءة إلى العقيدة.لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: لماذا يشعر بعض الناس بأن نقد تفسيرهم للدين يمثل تهديدا لإيمانهم نفسه؟ أليس من الممكن أن يكون الإنسان مؤمنا، وفي الوقت ذاته، معترفا بأن فهمه للدين اجتهاد بشري قابل للنقاش؟
المشكلة تظهر عندما تختلط العقيدة بتفسيرات البشر، فيصبح الاعتراض على رجل الدين اعتراضا على الدين، وتتحول بعض المؤسسات الدينية إلى جهات تطالب المجتمع بالطاعة بدلا من تقديم الحجج التي تقنعه. عندها لا يعود الخلاف حول صحة الفكرة، بل حول حق الآخرين في مناقشتها.ليس كل متدين يسعى إلى فرض معتقده على المجتمع، لكن من حقنا أن نسأل الذين يطالبون باحترام الدين: هل يقبلون بالحق نفسه لمن يختلف معهم؟ وهل يستطيع غير المؤمن أن يعيش وفق قناعاته من دون أن يتعرض للتمييز أو الإقصاء؟. لا يقدم بعض العلمانيين نموذجا أفضل حين يختزلون الدين في الجهل والخرافة، أو يتعاملون مع المتدين باعتباره شخصا لم يتحرر من الماضي. فهذا الموقف لا يختلف كثيرا، من حيث طريقة التفكير، عن الموقف الذي يرفض العلمانية قبل فهمها. كلاهما يصدر حكما مسبقا على الآخر، ثم يبحث عن مبررات تؤكد صحة حكمه.العقلانية ليست حكرا على العلمانيين، كما أن الأخلاق ليست حكرا على المتدينين. فقد يكون الإنسان متدينا ويمارس التفكير النقدي، وقد يكون علمانيا يكرر أفكارا لا يفهم مقدماتها. الانتماء الفكري لا يكفي للحكم على قدرة الإنسان على التفكير، وإنما تظهر هذه القدرة في طريقة تعامله مع الأدلة، واستعداده لمراجعة آرائه، واحترامه لحق الآخرين في الاختلاف.وهنا ينبغي التمييز بين نقد الدين وازدراء المتدينين. من حق أي إنسان أن يناقش المعتقدات الدينية، وأن يرفضها أو يعارض بعض تفسيراتها، لكن ذلك لا يمنحه الحق في إهانة المؤمنين أو اعتبارهم أقل قيمة من غيرهم. وبالمثل، لا يجوز للمتدين أن يستخدم احترام الدين لمنع الآخرين من طرح الأسئلة.
الدين ليس مجرد مجموعة من الأحكام والمعتقدات، بل له حضور في حياة المجتمعات، ويؤثر في العلاقات الأسرية، والعمل الخيري، والتضامن الاجتماعي، ونظرة الناس إلى الحياة والموت والمسؤولية. وقد يكون مصدر دعم للإنسان في أوقات الحرب والفقر والأزمات، كما قد تستخدمه بعض الجماعات لتبرير التمييز أو الصراع.هذه الأدوار لا يمكن فهمها بمجرد الإيمان بالدين أو رفضه. عالم الاجتماع إميل دوركهايم درس أثر الدين في تماسك الجماعة، بينما تناول ماكس فيبر علاقة الأفكار الدينية بالسلوك الاقتصادي والاجتماعي. لم يكن فهم الظاهرة الدينية متوقفا على تبني معتقداتها، بل على دراسة تأثيرها في حياة البشر.لذلك، فإن العلماني الذي يريد فهم المجتمع لا يستطيع تجاهل الدين، مثلما أن المتدين الذي يريد فهم التحولات الاجتماعية لا يستطيع رفض كل فكرة لا تنطلق من مرجعيته الدينية.لكن الاعتراف بالدور الاجتماعي للدين لا يعني إعفاء المؤسسات الدينية من النقد، ولا يعني أن كل ما يصدر عنها صحيح. كما أن نقد نفوذ هذه المؤسسات لا يبرر التعامل مع الدين كله باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها.المسألة تصبح أكثر أهمية عندما ننتقل إلى الدولة. هل يحق للأغلبية أن تفرض معتقداتها على جميع المواطنين؟ وهل يعني حياد الدولة تجاه الأديان إبعاد المتدينين عن الحياة السياسية والاجتماعية؟
لا أرى أن السؤال ينبغي أن يكون كيف نمنح أحد الطرفين سلطة على الآخر، بل كيف نضمن ألا تتحول قناعات أي طرف إلى وسيلة لحرمان الآخرين من حقوقهم. فمن حق المتدين أن يشارك في الحياة العامة ويدافع عن أفكاره، ومن حق العلماني أن يفعل الشيء نفسه، لكن الدولة مطالبة بحماية المواطنين من التمييز والإكراه، بصرف النظر عن معتقداتهم.ولا يكفي أن تعلن دولة ما أنها دينية حتى تصبح عادلة، كما أن إعلانها العلمانية لا يضمن احترام الحريات. فهناك أنظمة ترفع شعارات دينية ولا تمنع الظلم، وأخرى تتبنى تصورات علمانية وتمارس القمع. لذلك يجب تقييم الدولة من خلال قوانينها ومؤسساتها ومدى قدرتها على حماية الحقوق ومحاسبة المسؤولين.وفي المجتمعات التي تعاني الحروب والفقر وضعف المؤسسات، قد يتحول الخلاف بين المتدينين والعلمانيين إلى وسيلة لصرف الانتباه عن المشكلات الأساسية. ينشغل الناس بالاتهامات المتبادلة حول الإيمان والإلحاد، بينما تبقى قضايا الفساد والتعليم والعدالة وحقوق المواطنين من دون معالجة كافية.وقد يستفيد السياسي من هذا الصراع حين يقدم نفسه حاميا للدين، أو حين يستخدم شعارات الحداثة لتبرير سياساته، من دون أن يقدم ما يثبت أن ممارساته تخدم المجتمع. في هذه الحالة، تصبح الأفكار وسيلة للتعبئة السياسية بدلا من أن تكون أساسا للنقاش والمحاسبة.
المطلوب ليس أن يتفق المتدين والعلماني على كل شيء، بل أن يقبلا بحق كل منهما في التفكير والاختلاف. فلا يجوز أن يصبح الإيمان مبررا للوصاية على المجتمع، كما لا يجوز أن تتحول العلمانية إلى مبرر لاحتقار المتدينين أو إقصائهم.المتدين مطالب بأن يميز بين إيمانه الشخصي والسلطة التي قد تنشأ حول تفسيره للدين، والعلماني مطالب بأن يميز بين نقد المعتقدات وبين إنكار أثرها في حياة الناس. وكلاهما مطالب بمراجعة أفكاره بدلا من الاكتفاء بتكرار ما يقوله أنصاره.لا يكفي أن يسأل الإنسان نفسه هل أنا متدين أم علماني، بل عليه أن يسأل: هل أستطيع مناقشة أفكاري من دون خوف؟ وهل أقبل أن يتمتع الآخر بالحقوق التي أطالب بها لنفسي؟ وهل أبحث عن الحقيقة، أم أبحث عما يؤكد أنني على صواب؟.المشكلة ليست أن يؤمن الإنسان أو يرفض الإيمان، بل أن يعتقد أن اختياره يمنحه حق الوصاية على الآخرين.فهل يخشى بعض المتدينين العلمانية لأنها تهدد الدين، أم لأنهم يخشون فقدان سلطة اعتادوا ممارستها باسمه؟ وهل يرفض بعض العلمانيين الاعتراف بالدور الاجتماعي للدين لأنهم ينتقدون ممارساته، أم لأنهم لم يفصلوا بين نقد المعتقدات وفهم المجتمع.هذه أسئلة لا ينبغي أن تكون وسيلة لاتهام طرف أو تبرئة آخر، بل مدخلا إلى نقاش أكثر جدية حول الحرية والسلطة والأخلاق. فالمجتمع الذي يسمح بنقد الدين والعلمانية معا، ويحمي حق الإنسان في الاعتقاد والاختلاف، يمنح أفراده فرصة للتفكير من دون أن يفرض عليهم الانتماء إلى معسكر معين.
yemenat
مشاهدة فهل يخشى بعض المتدينين العلمانية لأنها تهدد الدين
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ فهل يخشى بعض المتدينين العلمانية لأنها تهدد الدين قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، فهل يخشى بعض المتدينين العلمانية لأنها تهدد الدين.
في الموقع ايضا :
- السعودية تعلن مقتل شخص وإصابة 8 جراء هجوم على مطار الملك فهد.. و"كبار العلماء": استهداف المقدسات والمدنيين "إرهاب"
- في أقرب وقت.. زيلينسكي يؤيد لقاءً مع روسيا وأميركا
- مليشيا الحوثي ترفع أعلام الجنوب على مواقعها ومعداتها العسكرية في باب المندب.. ومصدر يكشف التفاصيل!
