بقلم : علي المجيني
خلال زيارتي للعاصمة التونسية هذه السنة، استوقفني تمثال ابن خلدون شامخًا في أحد ميادينها، يتأبط كتابًا بين يديه في مشهد تختلط فيه رمزية التاريخ بأسئلة الحاضر ، وقفت أتأمل ذلك الكتاب الذي لم يكن مجرد أوراق بين غلافين، بل ثمرة عقلٍ كرّس سنوات طويلة للبحث والتفكير والتأليف و التي دامت ٢٨ عاما من العطاء ، فخلّف إرثًا معرفيًا ما زال حاضرًا حتى اليوم.
وفي اللحظة نفسها، كان المشهد من حولي يعكس صورة مختلفة للعصر الذي نعيشه؛ هواتف ذكية في كل يد، ورسائل وأخبار ومقاطع قصيرة تتدفق بلا انقطاع ، عندها أدركت أن القراءة لم تغادر حياتنا، وإنما تبدلت أشكالها وأدواتها، وانتقلت من رفوف المكتبات إلى الشاشات التي ترافق الإنسان أينما ذهب.
لقد أصبح الوصول إلى المعرفة اليوم أسهل من أي وقت مضى ، فما كان يحتاج في الماضي إلى رحلة طويلة في البحث و القراءة في المكتبات و شراء العديد من الكتب ، بات متاحًا خلال ثوانٍ عبر هاتف صغير نحمله في جيوبنا ، غير أن سهولة الوصول إلى المعلومة لا تعني بالضرورة سهولة الوصول إلى المعرفة؛ فالمعرفة لا تُقاس بكمية ما نقرأ، بل بقدرتنا على الفهم والتمييز والتأمل .
وقد فتح العصر الرقمي آفاقًا جديدة أمام القراءة ،فالكتب الإلكترونية والمكتبات الرقمية جعلت المعرفة أكثر قربًا من الناس وأكثر قدرة على مواكبة إيقاع الحياة الحديثة ، وأصبح بالإمكان الاستماع إلى كتاب مسموع أثناء القيادة أو عند ممارسة الرياضة و في اﻻماكن و اﻻوقات المناسبة، كما ساهمت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعريف بالإصدارات الجديدة واقتراح عناوين تتناسب مع اهتمامات القراء وتسهيل الوصول إلى المصادر المتخصصة.
غير أن هذه المزايا لا تعني أن استخدام الهاتف يخلو من التحديات ، فالساعات الطويلة أمام الشاشات قد تؤدي إلى إجهاد العين وجفافها والشعور بالإرهاق البصري، كما قد تؤثر في جودة النوم وتقلل من القدرة على التركيز والاستيعاب ،وإلى جانب ذلك، فإن التدفق المستمر للتنبيهات والرسائل والمقاطع القصيرة يجعل العقل في حالة انتقال دائم من موضوع إلى آخر، وهو ما يضعف القدرة على القراءة المتأنية والتفكير العميق ، كذلك تأثيره للتعرض الطويل للموجات الكهرومغناطيسية الصادرة عن هذه الأجهزة ، ولعل الأثر الأكثر وضوحًا في حياتنا اليومية هو استنزاف الانتباه؛ فكثيرًا ما نمسك الهاتف بحثًا عن معلومة أو مقال، ثم نجد أنفسنا بعد دقائق قد انتقلنا بين عشرات الرسائل والمقاطع والروابط دون أن ننجز ما بدأنا به.
وفي المقابل، ما زال الكتاب الورقي يحتفظ بمكانته الخاصة ، فهو لا ينافس التقنية بقدر ما يقدم تجربة مختلفة تقوم على الهدوء والتركيز والتأمل ،وبين صفحاته يجد القارئ مساحة للانغماس في الفكرة بعيدًا عن التشويش والمقاطعات المستمرة التي تفرضها البيئة الرقمية.
ولم يقتصر هذا التحول على القارئ وحده فقط ، بل شمل الكاتب والمؤلف أيضًا ، فالكثير من أصحاب الفكر والمعرفة اتجهوا إلى منصات الفيديو والبودكاست و وسائل التواصل الاجتماعي اﻻخرى المختلفة ، حيث أصبحت الأفكار تصل إلى جمهور أوسع وفي زمن أقصر، كما أتاح لصناع المحتوى فرصًا جديدة لتحقيق عوائد مادية مناسبة من أعمالهم ، غير أن هذا التحول يطرح تحديًا مهمًا يتمثل في المحافظة على العمق الفكري في عصر تميل أدواته إلى السرعة والاختصار.
وأمام تمثال أبن خلدون أدركت أن أزمة عصرنا ليست ندرة المعرفة، بل وفرتها ، فالمشكلة لم تعد في العثور على المعلومة، وإنما في اختيارها والتمييز بينها وتحويلها إلى فهم حقيقي ، وبين الكتاب الذي حمله ابن خلدون قبل قرون والهاتف الذي نحمله اليوم خيط واحد لم ينقطع للبحث عن المعرفة ، أما كلمة “إقرأ” التي افتتحت بها هذه الأمة رحلتها الحضارية، فلم تكن دعوة إلى القراءة وحدها، بل إلى الفهم والتدبر وإعمال العقل، وهي رسالة ما زالت تحتفظ بقيمتها مهما تغيرت الوسائل وتبدلت الأدوات.
Share on: WhatsAppظهرت المقالة أمة إقرأ… رحلة معرفه بين الكتاب والهاتف أولاً على صحيفة وهج الخليج الإلكترونية.
مشاهدة أمة إقرأ hellip رحلة معرفه بين الكتاب والهاتف
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أمة إقرأ رحلة معرفه بين الكتاب والهاتف قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على وهج الخليج ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أمة إقرأ… رحلة معرفه بين الكتاب والهاتف.
في الموقع ايضا :
- عبدالرحمن انيس يفتح ملف القيادات المعمّرة في وزارة النقل: مناصب تتحول إلى إقطاعيات خاصة منذ 20 عامًا!
- نجاح طبي جديد بالمستشفى الجامعي ابن الجزار ..
- علاء مبارك: التنسيق بين مصر والسعودية والإمارات ضرورة لتحقيق الاستقرار ومواجهة التحديات والأزمات
