في أحد أيام عام 2012، جلس نجيب الصالحي يحسب للمرة الأولى ما يحتاجه لكي يتزوج.
لم تكن الحسابات معقدة آنذاك.
مبلغ يدخره.
عمل يساعده على الاستقلال.
بعض الأثاث.
ومساحة صغيرة يمكن أن يبدأ فيها حياته.
كان الزواج بالنسبة إليه موعداً ينتظر أن يأتي، لا مشروعاً يحتاج إلى سنوات من التخطيط والمخاطرة.
كان يعتقد، مثل كثير من الشباب في جيله، أن العمل والاجتهاد كفيلان بفتح الطريق.
لكن الطريق لم يبقَ كما كان.
مرت سنة.
ثم أخرى.
ثم بدأت الحرب.
ارتفعت الأسعار.
تغيرت قيمة العملة.
تقلصت فرص العمل.
تبدلت شروط السكن.
وتوسعت قائمة الأشياء التي يجب أن يمتلكها الرجل قبل أن يصبح «جاهزاً» للزواج.
اليوم، وبعد أكثر من عقد، لا يقول الصالحي إنه تخلى عن الزواج.
يقول شيئاً أكثر قسوة:
إن الحلم نفسه لم يتغير، لكن المسافة التي تفصله عنه أصبحت أطول.
يقول
اقترب الصالحي من الزواج مرتين.
في المرة الأولى اصطدم برفض أسرته لفكرة استقلاله في اختيار شريكة حياته.
وفي الثانية، كان أقرب إلى إتمام الزواج، قبل أن يدخل السجن أسيراً لدى جماعة الحوثيين، فتوقفت ترتيبات الزواج وانتهت القصة.
خرج من السجن، لكن السنوات التي كان يفترض أن يبني خلالها حياته لم تعد قابلة للاسترداد.
الآن لا يبحث، كما يقول، عن زواج مثالي.
ولا عن حفل كبير.
ولا عن بيت فخم.
إنه يبحث عن الحد الأدنى.
وظيفة.
دخل.
سكن.
وقدرة على دفع المصاريف.
ثم يقول:هذه ليست قصة رجل واحد.
إنها نافذة على أزمة أكبر تتشكل بصمت داخل المجتمع اليمني.
أزمة لا تظهر في نشرات القتال، ولا في أرقام النازحين وحدها، ولا في بيانات أسعار الغذاء.
إنها أزمة جيل يؤجل تأسيس أسرته لأنه لا يستطيع تحمل كلفة الحياة التي تأتي بعد الزواج.
السؤال الذي تغير
قبل سنوات، كان السؤال الذي يواجه الشاب اليمني في منتصف العشرينيات بسيطاً نسبياً.
متى ستتزوج؟
أما اليوم، فإن السؤال الأكثر واقعية أصبح:
هل تستطيع أن تتزوج؟
الفارق بين السؤالين هائل.
الأول يفترض أن الزواج مرحلة طبيعية مرتبطة بالعمر.
الثاني يفترض أن الزواج مشروع يحتاج إلى قدرة اقتصادية.
وهذا التحول هو جوهر الحكاية.
فالشاب قد يكون راغباً في الزواج.
وقد تكون الأسرة موافقة.
وقد يجد الفتاة التي يريدها.
لكن كل ذلك يمكن أن يتوقف عند ورقة حسابات واحدة:
كم دخلك؟
أين ستسكن؟
كيف ستدفع المهر؟
كيف ستؤثث المنزل؟
ماذا ستفعل إذا مرض أحدكم؟
وماذا سيحدث عندما يأتي الطفل الأول؟
في بلد يعيش أزمة اقتصادية عميقة، لم تعد تكلفة الزواج محصورة في ليلة واحدة.
لقد أصبح الزواج التزاماً اقتصادياً طويل الأجل.
والأهم أن القدرة على تحمل هذا الالتزام تراجعت بينما ارتفعت تكلفته.
البنك الدولي يقول إن الناتج المحلي الحقيقي للفرد في اليمن انخفض بنحو 58% منذ 2015، بينما تجاوز التضخم 30% في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً خلال 2024، وتراجعت قيمة الريال في عدن من نحو 1540 ريالاً للدولار إلى 2065 خلال العام نفسه.
وفي النصف الأول من 2025، ظلت الضغوط الاقتصادية شديدة، فيما ارتفعت تكلفة سلة الغذاء الأساسية في مناطق الحكومة بنسبة 26% على أساس سنوي حتى يونيو، بحسب البنك الدولي.
ثم جاء عام 2025 بانكماش اقتصادي جديد بلغ 1.5%، مع توقع البنك الدولي انكماشاً إضافياً بنسبة 0.5% في 2026.
هذه ليست أرقاماً عن الزواج.
لكنها أرقام تشرح لماذا أصبح الزواج أكثر صعوبة.
اقتصاد الحرب يدخل غرفة النوم
الحرب لا تدمر الطرق والمنازل فقط.
إنها تعيد ترتيب حياة الناس.
تؤخر الدراسة.
تغير مسارات العمل.
تدفع إلى الهجرة.
تفكك الأسر.
وتعيد تعريف معنى الاستقرار.
وفي اليمن، وصلت آثار ذلك إلى القرار الأكثر خصوصية في حياة الإنسان: قرار تكوين أسرة.
لم يعد الشاب يواجه سؤال المهر وحده.
إنه يواجه الاقتصاد كله.
فإذا كان دخله منخفضاً، يصبح المهر مشكلة.
وإذا كان دخله متذبذباً، يصبح الإيجار مشكلة.
وإذا كان يعمل بصورة غير مستقرة، تصبح الأسرة نفسها مخاطرة.
وإذا كان لا يستطيع الادخار، فإن أي مرض أو أزمة طارئة يمكن أن تعيده سنوات إلى الوراء.
لهذا لا يبدو غريباً أن يقول شباب تحدثوا عن تجربتهم إنهم يفكرون أولاً في العمل والسكن قبل التفكير في الزواج.
إنهم لا يهربون من الزواج.
إنهم يحاولون الهروب من الفشل بعد الزواج.
وهذه نقطة جوهرية.
فبعض الشباب لا يخافون من ليلة العرس.
بل يخافون من صباح اليوم التالي.
«كم أحتاج حتى أبدأ؟»
سعيد هزاع، 23 عاماً، بدأ التفكير في الزواج بعد تخرجه من الجامعة.
لكنه عندما حاول تحويل الفكرة إلى خطة، اكتشف أن الرقم الذي يتصوره للوصول إلى الجاهزية يبلغ نحو عشرة ملايين ريال.
هذا الرقم ليس متوسطاً وطنياً، ولا دراسة عن تكاليف الزواج في اليمن.
إنه تقدير شخصي يعكس ما يراه سعيد ضرورياً في ظروفه الخاصة.
لكن أهميته الصحفية لا تكمن في الرقم نفسه.
بل في السؤال الذي يكشفه:
لماذا أصبح شاب في الثالثة والعشرين يحتاج إلى تصور مالي بهذا الحجم قبل أن يشعر بأنه قادر على الزواج؟
يقول سعيد إن العقبات ليست منفصلة.
العمل.
ضعف الدخل.
السكن.
المهر.
تكاليف الزواج.
ثم تكاليف الحياة.
كل واحدة منها تغذي الأخرى.
فالعمل يؤمن الدخل.
والدخل يؤمن السكن.
والسكن يسمح بالزواج.
والزواج يفتح باب الأسرة.
لكن إذا سقط عنصر واحد، تتعطل السلسلة كلها.
ولهذا بدأ سعيد يؤجل.
سنة بعد أخرى.
يفكر في العمل الإضافي.
يفكر في مشروع.
يفكر في الهجرة.
لكنه لا يريد أن يعيش طوال الوقت تحت ضغط سؤال الزواج.
وهنا تبدأ ظاهرة جديدة:
التأجيل يصبح وسيلة للتكيف.
الشاب لا يقول «لن أتزوج».
يقول:«ليس الآن».
ثم يصبح «ليس الآن» سنة.
ثم سنتين.
ثم خمس سنوات.
ثم لا يعود يعرف متى سيكون الوقت المناسب.
الجاهزية: الكلمة التي تغير معناها
الدكتور منيف المشولي المتخصص في علم الاجتماع، يرى أن الحديث عن «تأخر سن الزواج» لم يعد كافياً.
فالمشكلة، في رأيه، هي تأخر الجاهزية نفسها.
الحياة أصبحت أكثر تعقيداً.
وتكوين الأسرة يحتاج إلى متطلبات مادية ونفسية واجتماعية أكبر مما كان عليه الحال في نماذج الأسر الممتدة سابقاً.
وهذا التحول لا يحدث في فالحة
فالحرب عطلت الاقتصاد، وأضعفت سوق العمل، وأدت إلى تراجع الدخول، وأصبح كثير من فرص العمل المتاحة أعمالاً غير مستقرة أو منخفضة العائد.
وفي الوقت نفسه، أدى الانقسام الاقتصادي إلى وجود منطقتين اقتصاديتين بدرجات مختلفة من السياسات النقدية وأسعار الصرف والمؤسسات، وهو ما يعقّد قدرة الأسر على التخطيط للمستقبل.
وفي 2025، قال البنك الدولي إن نحو ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر، فيما ظل جزء كبير من السكان يواجه عدم كفاية الغذاء.
في مثل هذه البيئة، يصبح الزواج قراراً طويل الأجل في اقتصاد قصير الأجل.
وهذه ربما واحدة من أكبر المفارقات.
الشاب يحتاج إلى دخل يمكن التنبؤ به لمدة عشر سنوات على الأقل.
بينما الاقتصاد نفسه لا يستطيع أن يضمن له دخلاً مستقراً لشهر واحد.
من تكلفة العرس إلى تكلفة الحياة
قبل سنوات، كان الحديث عن تكلفة الزواج يتركز في ليلة العرس.
المهر.
الفستان.
القاعة.
الطعام.
الذهب.
الأثاث.
أما اليوم، فهناك سؤال أكثر إلحاحاً:
ماذا بعد العرس؟
حسناء، وهي شابة تحدثت عن نظرة الفتيات والأسر إلى الزواج، تقول إن الأولوية بالنسبة إلى كثير من النساء هي «الستر»، وإن وجود عمل مستقر ودخل يمكن الرجل من إعالة الأسرة أصبح عاملاً مهماً في القبول.
قد يصل المهر، وفق الحالات التي تعرفها، إلى ثلاثة أو أربعة ملايين ريال.
لكنها لا ترى أن المهر رقم ثابت.
فالأسعار تتغير.
والظروف تتغير.
والأسرة نفسها تتغير مطالبها عندما تتغير كلفة الحياة.
الأهم بالنسبة إليها ليس أن يكون الرجل ثرياً.
بل أن يكون قادراً على بناء مستقبل.
وتقول:هذه الجملة تكشف تحولاً اجتماعياً مهماً.
فالأسرة لم تعد تقيس قدرة الشاب على إقامة العرس فقط.
إنها تحاول قياس قدرته على الاستمرار.
المهر ليس وحده المتهم
من السهل اختزال أزمة الزواج في «غلاء المهور».
لكن التحقيق في شهادات الشباب والأسر يكشف أن المهر واحد فقط من مجموعة حواجز.
هناك السكن.
وهناك الأثاث.
وهناك الدخل.
وهناك العمل.
وهناك تكاليف الغذاء.
وهناك العلاج.
وهناك النقل.
وهناك التعليم لاحقاً.
ولهذا فإن تخفيض المهر، حتى لو حدث، لن يحل المشكلة كلها.
إذا كان الشاب يدفع مهراً أقل لكنه لا يملك دخلاً يغطي الإيجار والطعام، فإن الأزمة ستنتقل من يوم الزواج إلى السنة الأولى منه.
وهنا يجب التمييز بين تكلفة الدخول إلى الزواج وتكلفة الاستمرار فيه.
الأولى يمكن للأسرة أو الأقارب أو الأصدقاء مساعدتها.
أما الثانية، فهي مسؤولية يومية.
وهذا ما يجعل السكن والدخل أكثر حساسية من حجم الحفل نفسه.
السكن: العقبة التي تظهر بعد جمع المهر
في مدن مثل تعز، يتحدث الخبير الاقتصادي ناجي الهسوس عن صعوبة الحصول على سكن مستقل بسبب ارتفاع الطلب، وزيادة أعداد الوافدين، وقلة الإنشاءات، وضعف قدرة الفرد على تحمل الإيجار.
وهذه مشكلة لا تظهر دائماً في الحديث الشعبي عن الزواج.
فقد يستطيع شاب جمع المهر.
وقد يحصل على مساعدة من أسرته لتغطية تكاليف العرس.
لكن ماذا بعد ذلك؟
أين سيعيش؟
إذا اختار السكن مع الأسرة، قد تصطدم رغبته بالاستقلال برغبة الزوجة أو أسرتها.
وإذا اختار شقة مستقلة، تبدأ فاتورة جديدة كل شهر.
وهكذا يتحول «البيت المستقل» من رمز للخصوصية إلى حاجز اقتصادي.
الدكتور المشولي يرى أن نموذج الأسرة الممتدة، الذي كان يسمح للزوجين بالبدء تدريجياً، لم يعد مقبولاً بالدرجة نفسها لدى كثير من الأسر والفتيات.
وهذا يعني أن مفهوم «الحد الأدنى» نفسه تغيّر.
الحد الأدنى قبل سنوات قد يكون غرفة داخل بيت الأسرة.
أما اليوم فقد يعني شقة مستقلة.
والفرق بين الاثنين ليس اجتماعياً فقط.
إنه مالي بالكامل.
حين تصبح الوظيفة شرطاً للزواج
هناك تحول آخر أكثر عمقاً.
في السابق كان الزواج نفسه يمكن أن يكون بداية الاستقرار.
يتزوج الشاب.
يبدأ العمل.
تساعده الأسرة.
وتتوسع الأسرة تدريجياً.
أما اليوم، فالمعادلة تنقلب:
عليك أن تكون مستقراً قبل أن تتزوج.
وهذا يضع الشباب أمام مشكلة دائرية.
كيف يصبح مستقراً إذا كان الاستقرار نفسه يحتاج إلى فرصة؟
وكيف يشتري بيتاً قبل أن يبدأ حياته؟
وكيف يبني مشروعاً دون رأس مال؟
وكيف يدخر في ظل ارتفاع الأسعار؟
وكيف يحصل على رأس مال دون دخل؟
إنها حلقة مغلقة.
ولهذا لا تكفي مطالبة الشباب بـ«الصبر».
الصبر لا يخلق وظيفة.
ولا يخفض الإيجار.
ولا يعيد القوة الشرائية للعملة.
ولا يفتح سوق العمل.
شاب يعمل.. لكنه لا يستطيع الزواج
وهنا تظهر طبقة من الشباب لا تقع في خانة البطالة الكاملة.
إنهم يعملون.
لكنهم لا يستطيعون بناء أسرة.
هذا التفصيل مهم للغاية.
لأن عبارة «البطالة» قد تخفي المشكلة الحقيقية.
قد يكون الرجل موظفاً.
لكن راتبه لا يكفي.
وقد يعمل في أكثر من وظيفة.
لكن دخله يذهب بالكامل إلى الطعام والنقل والإيجار.
وقد يكون لديه عمل، لكنه مؤقت.
وقد يكون دخله جيداً في بعض الأشهر، ثم ينخفض في أشهر أخرى.
ولهذا أصبحت جودة العمل أكثر أهمية من مجرد وجوده.
بيانات البنك الدولي والـILO المتاحة عن اليمن تشير إلى استمرار ضعف سوق العمل، فيما تبقى فرص الشباب محدودة في اقتصاد يعاني الانقسام والركود.
وهذا يفسر لماذا يتحدث شباب مثل سعيد عن مشروع أو هجرة، لا عن وظيفة فقط.
فهم يبحثون عن دخل يمكن الاعتماد عليه.
الهجرة: الطريق البديل إلى الزواج؟
بالنسبة إلى بعض الشباب، أصبحت الهجرة جزءاً من الحسابات الزوجية.
ليس لأنهم يريدون مغادرة اليمن بالضرورة.
بل لأنهم لا يرون داخل البلاد مساراً واضحاً لبناء دخل مستقر.
الهجرة هنا لا تعني فقط تحسين مستوى المعيشة.
إنها تعني:
إرسال المال إلى الأسرة.
توفير مهر.
شراء أثاث.
دفع إيجار.
ثم العودة، أو محاولة بناء حياة في الخارج.
لكن هذا الخيار يحمل كلفة أخرى.
سنوات إضافية بعيداً عن الأسرة.
مخاطر قانونية واقتصادية.
تكاليف السفر.
واحتمال ألا تنجح الهجرة أصلاً.
وهكذا يجد الشاب نفسه أمام مفارقة:
إما أن يبقى في بلد لا يستطيع فيه تحقيق الجاهزية، أو يغادر بحثاً عن الجاهزية ويؤجل حياته سنوات أخرى.
12 عاماً من الانتظار: قصة الصالحي كاختبار
إذا عدنا إلى نجيب الصالحي، تبدو السنوات الاثنتا عشرة كأنها خط زمني كامل لانهيار فكرة «الوقت المناسب».
في 2012 كان يعتقد أن العمل والادخار يكفيان.
ثم جاء رفض الأسرة.
ثم اقترب مرة ثانية.
ثم جاء السجن.
ثم خرج.
لكن الزواج الذي كان ممكناً في لحظة معينة لم يعد ممكناً بالشروط نفسها.
وهذه نقطة مهمة في قصته.
فالحرب لم تقل فقط «انتظر».
لقد غيرت سعر الانتظار.
كل سنة إضافية لها كلفة.
كل سنة تعني أسعاراً أعلى.
وكل سنة تعني دخلاً ضائعاً.
وكل سنة تعني احتمال تغير شروط الأسرة.
وكل سنة تعني أن العمر يتقدم.
ولهذا فإن التأجيل ليس محايداً.
إنه قرار له فاتورة.
ماذا تفعل الأسعار بالأحلام؟
يقول الصالحي إنه كان في كل مرة يوفر مبلغاً يعتقد أنه يكفي.
ثم يكتشف أنه لا يكفي.
هذه الجملة، ربما، هي أكثر جملة تختصر اقتصاد الزواج اليمني.
فالادخار يفترض أن المال يحتفظ بقيمته.
لكن في بيئة نقدية مضطربة، يمكن أن يتحول الادخار إلى سباق مع الأسعار.
البنك الدولي وثّق خلال 2024 ضغوطاً كبيرة على الريال والتضخم في مناطق الحكومة، مع انتقال سعر الدولار من 1540 إلى 2065 ريالاً خلال العام. وفي 2025 واصل الاقتصاد مواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل.
وبالتالي، فإن الشاب الذي يدخر ببطء قد يجد نفسه لا يقترب من الهدف.
بل يطارد هدفاً يرتفع سعره.
هذه هي مشكلة الادخار في اقتصاد متضخم.
وهي تجعل الزواج أكثر ارتباطاً بالقدرة على الحصول على دخل ينمو مع الأسعار، لا بمجرد القدرة على الادخار.
الرقم الذي لا تقوله الإحصاءات
لا توجد، في البيانات الرسمية المتاحة على نطاق واسع، إحصائية وطنية حديثة تقول: «كم يحتاج الشاب اليمني للزواج؟»
وهذه فجوة مهمة.
فالحديث الشعبي مليء بالأرقام.
ثلاثة ملايين.
خمسة ملايين.
عشرة ملايين.
أكثر أو أقل.
لكن لا يوجد رقم واحد يمكن تعميمه على اليمن كله.
فالفوارق بين صنعاء وتعز وعدن وحضرموت ومأرب وغيرها كبيرة.
والفوارق بين الأسر أكبر.
والفوارق بين المناطق الاقتصادية في البلاد تجعل تحويل أي رقم محلي إلى «متوسط يمني» أمراً مضللاً.
ولهذا فإن الرقم الحقيقي الذي يهم التحقيق ليس تكلفة الزواج فقط.
بل نسبة هذه التكلفة إلى دخل الشاب.
وهنا تصبح الأزمة أكثر وضوحاً.
قد تكون تكلفة الزواج في ذاتها لم تتضاعف في كلنا مكان بالقدر نفسه.
لكن إذا انخفض الدخل الحقيقي وارتفعت تكلفة الغذاء والسكن، فإن التكلفة النسبية للزواج ترتفع.
وهذا هو الفرق بين «غلاء الزواج» و«انهيار القدرة على الزواج».
فتيات لا يبحثن عن الثراء.. بل عن الأمان
في الجهة الأخرى من المعادلة، تقف الفتيات والأسر أمام مخاوف حقيقية.
الشابة حسناء لا ترى أن انخفاض دخل الرجل وحده سبب كافٍ لرفضه.
إذا كان طموحاً.
إذا كان يعمل.
إذا كان يحاول تطوير نفسه.
إذا كان لديه مشروع للمستقبل.
يمكن للأسرة أن تتعامل معه بصورة مختلفة.
لكن الخوف يظهر عندما يكون الدخل منخفضاً ومستقراً عند مستوى لا يكفي، ولا توجد خطة لتحسينه.
وهنا تتغير معايير الاختيار.
لم يعد السؤال:
«كم يملك؟»
بل:
«هل يستطيع أن يبني؟»
هذا التحول مهم.
لأنه يعني أن بعض الأسر بدأت تقيس المسار الاقتصادي للشاب، وليس دخله الحالي فقط.
لكن المشكلة أن الاقتصاد المنهك قد يجعل حتى الطموح عاجزاً عن التحول إلى فرصة.
قد يكون الشاب طموحاً فعلاً.
لكنه لا يجد رأس مال.
ولا وظيفة.
ولا سوقاً.
ولا مؤسسة تمول مشروعه.
وهنا يصبح الطموح وحده غير كافٍ.
الفقر يؤخر زواجاً ويعجّل آخر
في أكثر جوانب أزمة الزواج اليمنية إيلاماً، تظهر مفارقة تبدو متناقضة:
الفقر قد يؤخر زواج الشباب.
وفي الوقت نفسه قد يدفع بعض الأسر إلى تزويج الفتيات في سن مبكرة.
تقول اليونيسف إن نحو 30% من الشابات اليمنيات بين 20 و24 عاماً تزوجن قبل بلوغ 18 عاماً، ويقدر عدد النساء والفتيات اللاتي تزوجن قبل 18 بنحو 3.8 مليون، وفق ملف اليمن لعام 2024. كما تربط اليونيسف بين النزوح والفقر وانعدام الأمن الاقتصادي واستمرار زواج الأطفال.
هذه ليست ظاهرة يمكن تفسيرها بتكلفة الزواج وحدها.
لكن الاقتصاد جزء من الصورة.
في بعض الحالات، تنظر الأسرة الفقيرة إلى زواج الابنة باعتباره تخفيفاً لأعبائها.
وفي حالات أخرى قد يكون الزواج المبكر مرتبطاً بالحماية أو الأعراف الاجتماعية أو الخوف من المستقبل.
وهكذا يخلق الاقتصاد نتيجتين متناقضتين:
الشاب يؤجل الزواج لأنه لا يستطيع تحمل كلفته، والأسرة قد تعجل زواج الفتاة لأنها لا تستطيع تحمل كلفة بقائها.
هذه واحدة من أقسى مفارقات المجتمع في زمن الحرب.
ماذا يحدث عندما يصبح التأجيل دائماً؟
في البداية، التأجيل قرار عقلاني.
«حتى أجد وظيفة».
لكن عندما يستمر لسنوات، يتغير أثره.
يتحول إلى ضغط نفسي.
ثم إلى إحباط.
ثم قد يتحول إلى فقدان الثقة في المستقبل.
تقول الأستاذة حنان الكحلاني، المتخصصة في علم النفس، إن طول الانتظار يمكن أن يرتبط بالقلق والتوتر والعصبية وفقدان الأمل.
وهذا الجانب لا يظهر في الحسابات الاقتصادية.
فالاقتصاد يحسب خسارة الدخل.
لكنه لا يحسب بسهولة تكلفة الشعور بأن الحياة متوقفة.
الشاب الذي يرى أصدقاءه يتزوجون واحداً بعد آخر قد يشعر بأنه عالق.
والذي يعود كل عام إلى أسرته بالقول نفسه «ليس الآن» قد يفقد ثقته بقدرته على تحقيق ما يريد.
والذي يرفض الزواج لأنه يخشى الفشل قد يبدأ بالتعايش مع فكرة أنه لن يتزوج أبداً.
وهنا تتحول الأزمة من تأجيل إلى إعادة تشكيل للتوقعات الشخصية.
عندما يصبح «الاستقرار» شرطاً مستحيلاً
هناك مفارقة أخرى.
الجميع يريد الاستقرار.
لكن الاستقرار نفسه أصبح نادراً.
الأسرة تريد رجلاً مستقراً.
والرجل يريد وظيفة مستقرة.
والوظيفة تحتاج إلى اقتصاد مستقر.
والاقتصاد يحتاج إلى مؤسسات مستقرة.
والمؤسسات تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة.
وهكذا يصبح الزواج في نهاية سلسلة طويلة من الشروط التي لا يستطيع الفرد التحكم فيها.
الدكتور المشولي يربط هذه الظاهرة بتعقيد الحياة الحديثة، وتوسع متطلبات الاستقلال والسكن والعمل.
لكن الحرب تضاعف المشكلة.
فهي لا تزيد التكاليف فقط.
بل تجعل المستقبل أقل قابلية للتنبؤ.
الجيل الذي دخل الجامعة وخرج إلى الانتظار
هناك قصة مشتركة تتكرر بين كثير من الشباب:
الجامعة.
التخرج.
البحث عن وظيفة.
الانتظار.
عمل مؤقت.
ثم التفكير في الزواج.
ثم اكتشاف أن الدخل لا يكفي.
ثم محاولة مشروع.
ثم البحث عن رأس مال.
ثم التفكير في الهجرة.
ثم تأجيل الزواج.
ثم بلوغ سن أكبر.
هذه الدورة تعني أن الحرب لا تؤثر فقط في من هم داخل سوق العمل.
إنها تعيد تشكيل مسار دخول الشباب إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وفي بلد يمثل الشباب نسبة كبيرة من السكان، فإن هذه ليست قضية هامشية.
إنها قضية مستقبل.
فكل سنة يقضيها مئات الآلاف في الانتظار تعني سنوات أقل من الاستقلال والإنتاج وتكوين الأسر.
لماذا لا يكفي تخفيض المهور؟
الحلول السريعة عادةً تقول:
خفضوا المهور.
قللوا تكاليف الأعراس.
ألغوا المظاهر.
ساعدوا الشباب.
وكل هذه الأفكار قد تخفف جزءاً من المشكلة.
لكنها لا تحل جذورها.
إذا لم يجد الشاب عملاً، سيبقى عاجزاً.
إذا لم يستطع دفع الإيجار، سيبقى متردداً.
إذا كان راتبه يفقد قيمته، سيبقى خائفاً.
إذا كان الاقتصاد يتقلص، ستظل الوظائف قليلة.
وإذا بقي الانقسام الاقتصادي والمؤسسي، فسيظل التخطيط للمستقبل صعباً.
البنك الدولي يرى أن استمرار السلام والاستقرار المؤسسي والإصلاحات الاقتصادية ضروري لخلق مسار تعافٍ مستدام في اليمن. وقدّر أن سيناريو السلام يمكن أن يفتح المجال لنمو اقتصادي أقوى بكثير على المدى الطويل مقارنة باستمرار الوضع الراهن.
ولهذا فإن أزمة الزواج في النهاية ليست أزمة «حفلات».
إنها أزمة اقتصاد أسرة.
ما الذي يمكن أن يغير المعادلة؟
إذا كان الزواج قد أصبح اقتصادياً، فإن الحل لا يمكن أن يكون اجتماعياً فقط.
هناك حاجة إلى مسار أوسع:
أولاً: عمل أكثر استقراراً
لا يكفي خلق أي وظيفة.
المطلوب وظائف توفر دخلاً يمكن للشاب التخطيط على أساسه.
ثانياً: تمويل المشاريع الصغيرة
الشاب الذي لديه مهارة أو مشروع يمكن أن يصبح أكثر قدرة على الاستقلال إذا وجد تمويلاً مناسباً، وأسواقاً، وتدريباً.
ثالثاً: دعم السكن
السكن أحد أكبر الحواجز أمام الاستقلال.
وبرامج الإسكان أو التمويل السكني الموجه للشباب يمكن أن تقلل سنوات الانتظار.
رابعاً: تخفيف تكاليف الزواج اجتماعياً
المبادرات المحلية التي تشجع على تخفيض المهور والمبالغة في الحفلات يمكن أن تساعد، لكنها تحتاج إلى أن تكون جزءاً من تحول اجتماعي أوسع.
خامساً: حماية الدخل
لا يمكن مطالبة الشباب بالادخار في اقتصاد تنهار فيه القوة الشرائية.
استقرار العملة والأسعار شرط أساسي لأي تخطيط طويل الأجل.
سادساً: إعادة النظر في مفهوم «الجاهزية»
ربما يحتاج المجتمع نفسه إلى سؤال صعب:
هل يجب أن يكون الشاب مالكاً لمنزل قبل الزواج؟
هل يجب أن يمتلك أثاثاً كاملاً؟
هل يجب أن يقيم حفلاً مكلفاً؟
هل يجب أن تكون البداية مثالية؟
أم أن الأسرة يمكن أن تبدأ ببساطة ثم تبني استقرارها تدريجياً؟
هذا السؤال اجتماعي بقدر ما هو اقتصادي.
الدولة التي لا ترى الزواج في أرقامها
هناك مفارقة تستحق التوقف.
تملك المؤسسات أرقاماً عن التضخم.
وأرقاماً عن الناتج.
وأرقاماً عن الفقر.
وأرقاماً عن البطالة.
وأرقاماً عن الغذاء.
لكن البيانات المنتظمة عن تكلفة تكوين الأسرة وعن سن الزواج والقدرة الاقتصادية على الزواج أقل حضوراً في النقاش العام.
وهذا يجعل الظاهرة أسهل في التجاهل.
فما لا يظهر في جدول إحصائي يصعب أن يتحول إلى سياسة عامة.
لكن خلف كل رقم اقتصادي شاباً قد يكون قد أجل زواجه.
وفتاة قد رفضت خاطباً لأنها لا تثق في قدرته على إعالتها.
وأسرة قد رفعت شروطها خوفاً من المستقبل.
وأسرة أخرى قد خفضتها لأنها لم تعد قادرة على الانتظار.
حين يصبح الزواج مؤشراً على صحة الاقتصاد
ربما آن الأوان للنظر إلى الزواج بطريقة مختلفة.
ليس باعتباره شأناً اجتماعياً منفصلاً عن الاقتصاد.
بل باعتباره أحد المؤشرات غير المباشرة على صحة المجتمع الاقتصادية.
حين يستطيع الشاب أن يجد عملاً مستقراً، ويسكن، ويدخر، ويخطط للمستقبل، يصبح الزواج خياراً.
وحين لا يستطيع، يصبح الزواج مخاطرة.
لذلك يمكن قراءة ارتفاع سن الزواج أو زيادة التأجيل، حيثما تثبت البيانات ذلك، باعتباره إشارة تستحق دراسة أوسع لسوق العمل والدخل والسكن وتكاليف المعيشة.
لكن ينبغي الحذر من استنتاج علاقة سببية مباشرة من دون بيانات طولية دقيقة.
فالعادات الاجتماعية والتعليم والهجرة وتغير توقعات النساء والرجال كلها عوامل تدخل في القرار.
وهذا بالضبط ما يجعل الظاهرة بحاجة إلى دراسة وطنية جادة.
«أريد فقط أن أبدأ»
بالعودة إلى نجيب الصالحي، تختفي الأرقام للحظة.
يبقى الرجل.
الرجل الذي كان يريد أن يتزوج في 2012.
ثم انتظر.
ثم اقترب.
ثم توقفت حياته.
ثم خرج من السجن.
ثم وجد أن الحياة تغيرت.
هو لا يطلب، كما يقول، حياة مثالية.
يريد فقط أن يكون قادراً على فتح بيت.
وهذا هو الجانب الأكثر إنسانية في القصة.
فالزواج بالنسبة إليه ليس حفلاً.
إنه إعلان بأن سنوات الانتظار انتهت.
بيت.
زوجة.
أسرة.
حياة طبيعية.
لكن الحرب والاقتصاد والغلاء والسكن جعلت «الحياة الطبيعية» نفسها هدفاً بعيداً.
جيل كامل عالق بين الرغبة والقدرة
سعيد يريد الزواج.
نجيب يريد الزواج.
وحسناء تريد، مثل كثير من الفتيات، زوجاً تستطيع معه أن تشعر بالأمان.
الأسر تريد الاستقرار.
الشباب يريدون الاستقلال.
لكن الجميع يواجه المشكلة نفسها:
من أين يأتي الاستقرار؟
إذا جاء من وظيفة، فأين الوظائف؟
إذا جاء من مشروع، فأين التمويل؟
إذا جاء من
مشاهدة كيف حو لت الحرب والفقر وتراجع الدخل والسكن والمهر حلم تكوين الأسرة إلى مشروع
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ كيف حو لت الحرب والفقر وتراجع الدخل والسكن والمهر حلم تكوين الأسرة إلى مشروع اقتصادي مؤجل قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، كيف حوّلت الحرب والفقر وتراجع الدخل والسكن والمهر حلم تكوين الأسرة إلى مشروع اقتصادي مؤجل؟.
في الموقع ايضا :
- الأردن: قتلى ومصابون إثر إطلاق نار داخل إحدى الكنائس في الكرك
- بموافقة مجلس الوزراء السعودي.. تعيين وزير الدفاع رئيسًا لمجلس إدارة الهيئة العامة للتطوير الدفاعي ومساعد العيبان نائبًا له
- عاجل: فصائل المقاومة الفلسطينية: نؤكد أن عملية الخليل تحمل دلالات ميدانية ووطنية وتكشف عجز المنظومة الأمنية للاحتلال عن فرض سيطرتها أو إخضاع الشعب الفلسطيني رغم الحواجز والإجراءات العسكرية المشددة عاجل
