هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أخلاق؟ عن خديعة “القيم البرمجية” في سوق مادي عارٍ ...المغرب

صوت المغرب - اخبار عربية

شهدت كواليس شركة “أنثروبيك” (Anthropic) المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي الشهير “كلود”(Claude) في شهر شتنبر المنصرم، مشهدا يكاد يشبه الروايات الرمزية؛ إذ استضافت الشركة نخبة من القساوسة ورجال الدين على طاولة نقاش واحدة، لتباحث سبل إدماج المعايير الأخلاقية والروحية في بنية الأنظمة الذكية.

وفي مشهد يختزل مفارقات عصر “ما بعد الحداثة”، أثار هذا اللقاء موجة من الدهشة والتساؤلات الحادة في الأوساط التقنية، إذ كيف يستقيم هذا الاستدعاء الروحي في قلب عالم مادي ألغى كل ما يتعلق بالأديان والأخلاق، واختزل الوجود الإنساني في أرقام وموازين أرباح. فكيف لثقافة تسليع الروح وتأليه الخوارزميات أن تعود فجأة لتستنجد بالموروث الديني والقيمي؟ وهل باتت الآلة بحاجة إلى صك غفران أو مرشد روحي يهديها سبل الرشاد؟

    لماذا الآن؟ وما الذي استجد في الساحة التقنية؟

    لم يأت هذا الاستدعاء المفاجئ لرجال الدين والفلاسفة من فراغ، بل فرضته مرحلة حرجة بلغ فيها التطور التقني منعطفا غير مسبوق. فلأول مرة، لم تعد الأنظمة الذكية مجرد أدوات حاسوبية تنفذ الأوامر الجافة، بل أصبحت وكلاء مستقلين يتخذون قرارات تؤثر في مصائر البشر، وتتدفق في بيئات يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي والروحي.

    ولم تكن “أنثروبيك” النشاز الوحيد في هذا العزف الأخلاقي؛ بل سارعت شركات منافسة في وادي السيليكون إلى النهج ذاته، وإن بصور متعددة. فقد رأينا عملاق التقنية “أوبن إيه آي” (OpenAI) ومؤسسات تحالف الذكاء الاصطناعي يستعينون بباحثين في اللاهوت والأخلاقيات التطبيقية، بل وعقد لقاءات واستشارات مع الفاتيكان وهيئات دينية وإسلامية وفلسفية دولية. وكأن هذه الهرولة نحو المنصات الروحية اعتراف ضمني بإفلاس الحسابات المجردة؛ إذ أدرك الجميع أن تضخيم البيانات وزيادة القدرة الحسابية يعجزان عن غرس فضيلة واحدة، أو حل أزمة المعنى والغايات في عالم برغماتي جاف، يزن قيمة الإنسان بميزان المنفعة والاستهلاك، ويحاول عبثا شراء الضمير الأخلاقي واستيراده كمنتج ثانوي للتغطية على تناقضاته الهيكلية وجشعه المادي.

    إن هذا الاستدعاء المتزايد لرجال الدين واللاهوتيين لم يكن مجرد صدفة عابرة أو ترفا فكريا، بل فرضه استشعار الجماعة التقنية للوعورة الفلسفية للذكاء الاصطناعي؛ ذلك أن القائمين على هذا الفضاء التقني اصطدموا بحائط المسائل الوجودية الشائكة التي تتجاوز قدرة المنطق البرمجي المجرد.

    وهنا يتجلى إحدى أكبر تناقضات عصر “ما بعد الحداثة” الصارخة، فالعصر الذي أعلن سابقا “موت المعنى”، وهدّم المرجعيات الكبرى، واختزل الإنسان وحضارته في المادة والاستهلاك والمنفعة، يجد نفسه اليوم مضطرا —تحت وطأة الخوف من انفلات الآلة— إلى الطرق على أبواب المؤسسات الروحية والدينية التي طالما حاول تحييدها.

    إنه تناقض ما بعد حداثي بامتياز؛ عالم مادي يفكك الأبعاد الأخلاقية والغيبية، ثم يهرع مستنجدا بها في محاولة مكشوفة لخلق انطباع عام بأن هذه الأنظمة العتيدة لا تنمو بمعزل عن الموروث القيمي للبشرية، وأن الحفاظ على السيطرة والشرعية يتطلب الاستعانة بكل المرجعيات المتاحة قبل فوات الأوان.

    تسليع الفضيلة: صحوة مبادئ أم خديعة تسويقية؟

    غير أن الناظر إلى طبيعة هذه الأخلاق التي تتوخاها الشركات يكتنفه شعور عميق بالريبة؛ فأي أخلاق تلك التي تصوغها مؤسسات تحركها، أولا وقبل كل شيء، موازين الربح والتنافس الاستراتيجي في ظل عالم مادي ألغى الأخلاق بالكامل في دعم آلات التدمير والإبادة الجماعية،كما نراه جليا في غزة، حيث تُستغل خوارزميات الفرز والتنقيب الضخم عن البيانات لتحديد أهداف القصف وتوجيه الطائرات المسيرة نحو صدور الأطفال والمدنيين.

    فهل يُعقل أن نصدق أن استدعاء القساوسة والفلاسفة هو استيقاظ حقيقي للضمير الغربي بعد هذه السوأة المشهودة؟ أم أنه مجرد مساحيق تجميل مؤقتة يُراد بها ترميم الصورة الذهنية المتهاوية، وتغطية وجه السوق المادي العاري الذي لا يقيم وزنا إلا لأسهم الأرباح ونفوذ السيطرة؟

    إن الاستعانة برجال الدين والفلاسفة، على أهميتها الظاهرية، تبدو في كثير من الأحيان مجرد استراتيجية تسويقية أنيقة تُلبس التكنولوجيا ثوبا فضفاضا من الطمأنينة الزائفة. وفضلا عن كونها غطاء أدبيا للتوسع التقني، فهي محاولة ذكية لبناء ثقة المستهلك، وإقناعه بأن هذه الكيانات الرقمية تحرسها “مبادئ إنسانية”، بينما تُختزل الأخلاق الفعلية في قوائم منع وسماح سطحية تمنع النموذج من شتم مستخدميه أو إحراج مموليه، تاركة القرارات السيادية والعسكرية الكبرى خارج أسوار المساءلة.

    وفي جوهر الأمر، ينسى المروجون لهذه الأنظمة حقيقة أبسط من أن تحتاج إلى برهان: “أن الآلة ليست سوى انعكاس لوعي صانعها”. فالخوارزمية لن تحيد عن روح المهندس الذي صمّمها، ولن تتجاوز تحيزات المؤسسة التي موّلت وجودها. فكيف يُرجى الورع والفضيلة من كيانات تُشرع لها الأبواب لتغذية حروب الإبادة والتجسس ومراكمة البيانات على حساب دماء البشر؟ !إنها لمفارقة مريرة تُعري زيف هذا العصر؛ حيث تبيع هذه الشركات أدوات الموت وتصنع الخراب، ثم تتباكى في صالات العرض على “سلامة النماذج اللغوية”! إذ لا يمكن لنواة مادية مجردة أن تنضح بالفضيلة، بينما اليد التي تكتب كودها التشغيلي غارقة حتى الأذقان في صراعات الهيمنة والسيطرة.

    خاتمة: من يربي الإنسان؟

    إن الحديث عن النزعة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي يستحيل محض هراء تسويقي ومغالطة مكشوفة، ما دامت هذه الأخلاق تُختزل في أكواد برمجية مجردة أو تعليمات لغوية تُحقن بها النماذج الحاسوبية الصماء. فالمشكلة الحقيقية لم تكن يوما في عجز الآلة عن التمييز بين الخير والشر، بل تكمن في عجز الإنسان —الذي اختزله عصر ما بعد الحداثة في حسابات الربح والسيطرة— عن الاحتفاظ ببوصلته الأخلاقية وسط سباقه المحموم نحو السلطة والمال، وإلغائه التام للقيم والمبادئ الإنسانية في حروبه وتجارته وتطلعاته المادية.

    إن محاولة إلباس التكنولوجيا ثوبا روحيّاً استُعير على عجل من مائدة القساوسة والفلاسفة لن تمنح الآلة ضميرا حيّاً، ولن تعوض إفلاس العقلانية المادية الجافة التي شَيّأت كل شيء. وقبل أن نسأل أنفسنا بذهول وتشوّق: هل سينجح هذا الإنسان المادي في غرس ضمير أخلاقي في أحشاء الآلة الصماء؟ يجدر بنا أن نصرخ بمرارة وشجاعة في وجه هذا العالم الذي ألغى الأديان والأخلاق، تساءُلاً أعمق وأشد إيلاماً: هل سينجح الإنسان المعاصر، وهو يهرول لبناء أنظمة تفكر وتصنع القرارات نيابة عنه، في ألا يفقد ما تبقى من إنسانيته وضميره بالكامل؟

    هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أخلاق؟ عن خديعة “القيم البرمجية” في سوق مادي عارٍ صوت المغرب.

    مشاهدة هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أخلاق عن خديعة ldquo القيم البرمجية rdquo في

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أخلاق عن خديعة القيم البرمجية في سوق مادي عار قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى أخلاق؟ عن خديعة “القيم البرمجية” في سوق مادي عارٍ.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار