غادة بريك لـ«الرأي»: والدي زرع في داخلي بذرة القيادة.. ومن مقاعد التعليم إلى ميادين العطاء تعلّمت أن المناصب ترحل ويبقى أثر الإنسان ..اخبار محلية

صحيفة الراي الالكترونية - اخبار محلية
غادة بريك لـ«الرأي»: والدي زرع في داخلي بذرة القيادة.. ومن مقاعد التعليم إلى ميادين العطاء تعلّمت أن المناصب ترحل ويبقى أثر الإنسان

من شارع الملك فيصل في قلب مدينة جيزان القديمة، حيث تشكّلت ملامح طفولتها الأولى، إلى قيادة المدارس وصناعة الإنجازات التربوية، وصولًا إلى العمل الخيري وتمكين الأسر، امتدت رحلة الأستاذة غادة بنت محمد بريك، رئيسة جمعية الملك فهد النسائية الخيرية بمنطقة جازان، حافلةً بالتجارب والمواقف التي جمعت بين مسؤولية التعليم ورسالة العطاء الإنساني. لم تكن القيادة بالنسبة إليها منصبًا تسعى إليه، بل قيمةً غرسها والدها، رحمه الله، في وجدانها منذ طفولتها، حين اصطحبها إلى مقر عمله، وعلّمها معنى المسؤولية وخدمة الآخرين. ومن تلك البدايات، حملت معها الإيمان بأن الإنسان لا يُقاس بما يتقلّده من مناصب، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الناس. وفي حوار خاص مع صحيفة «الرأي»، تفتح غادة بريك صفحات من ذاكرتها الشخصية ومسيرتها المهنية، وتتحدث عن أصعب قراراتها القيادية، وتجربتها في دمج الطالبات الكفيفات بالتعليم العام، ومشروعاتها التطوعية التي صنعت قصص نجاح، إلى جانب رؤيتها لتمكين المرأة والأسرة اقتصاديًا، والانتقال بالعمل الخيري من تقديم المساعدات إلى صناعة الاستقلال والاستدامة. وتؤكد أن الأمانة كانت بوصلتها في الجمع بين إدارة المدرسة ورئاسة الجمعية، وأن التقاعد لا يعني نهاية العطاء، بل بداية مرحلة جديدة من خدمة المجتمع. وفيما يلي نص الحوار: س1: من هي غادة بنت محمد بريك بعيدًا عن ألقابها ومناصبها؟ حدّثينا عن نشأتك وأبرز التجارب التي صاغت شخصيتك، وصولًا إلى قيادتك في الميدان التربوي والعمل الخيري. ج1: أنا غادة بنت محمد بريك، ابنة منطقة جازان، وُلدت ونشأت وترعرعت في هذه المدينة الحالمة، وتحديدًا في وسط البلد، بشارع الملك فيصل، رحمه الله، ذلك الشارع الذي ما زالت تفاصيله تسكن ذاكرتي، بما يحمله من محبة وألفة وذكريات طفولة جميلة، امتدت إلى شارع النهضة والسوق الداخلي. درست المرحلة الابتدائية في الابتدائية الثانية بجازان، ثم المتوسطة الأولى، والثانوية الأولى، قبل أن ألتحق بكلية التربية بجدة. ولعل أبرز من أسهم في تشكيل شخصيتي هو والدي، رحمه الله، الذي غرس في داخلي حب القيادة وتحمل المسؤولية منذ الصغر. فقد كنت أرافقه إلى مقر عمله بإدارة التعليم، التي كانت تقع آنذاك في حي الجبل، وكنت في الخامسة من عمري تقريبًا، أراقب طريقة تعامله مع زملائه والمراجعين، وأتعلّم منه الصدق والأمانة واحترام الآخرين. ومن المواقف التي لا أنساها أنه اصطحبني معه لأداء فريضة الحج وأنا في الصف الخامس الابتدائي، وكان يوجّهني ويُسند إليّ بعض المهام، ويقول لي: «انتبهي لنفسكِ وأنتِ قائدة». كانت كلمات بسيطة في ظاهرها، لكنها تركت أثرًا عميقًا في نفسي، وجعلتني أستشعر المسؤولية مبكرًا. وكنت الفتاة الوحيدة في خيمة ضمّت رجالًا من الكشافة، وأحرص على مساعدتهم وخدمتهم بما أستطيع، فكانت تجربة مبكرة في العمل التطوعي. كذلك كان والدي، رحمه الله، يحرص على إفطار الصائمين في مسجد بريك بشارع الملك فيصل، وكانت نساء الحي وأهل منزلنا يتسابقون في إعداد ما تجود به أيديهم من الأطعمة والمشروبات خلال شهر رمضان المبارك. تلك المشاهد غرست في داخلي أن العطاء ليس مرتبطًا بمنصب أو مناسبة، بل هو قيمة إنسانية وسلوك أصيل. وأسأل الله أن يتغمد والدي بواسع رحمته، فقد كان بعد فضل الله صاحب الأثر الأكبر في مسيرتي. س2: كيف جمعتِ بين إدارة المدرسة ورئاسة الجمعية في الوقت نفسه؟ وما المهارات أو القيم التي احتجتِ إليها للوفاء بمسؤولياتك في المجالين؟ ج2: لم يكن الجمع بين المسؤوليتين أمرًا سهلًا، لكنه كان ممكنًا بفضل الله، ثم بتنظيم الوقت والالتزام والانضباط، وقبل ذلك كله الأمانة التي أعدّها أساس النجاح في أي عمل. كنت أذهب صباحًا إلى المدرسة لأؤدي واجباتي مديرةً مسؤولة عن الطالبات والمعلمات والإداريات، من إشراف ومتابعة وتوجيه وغرس للقيم، ولا أغادر إلا بعد انتهاء الدوام الرسمي. وكنت أرى أن هذه مسؤولية عظيمة؛ لأنني أتقاضى راتبي من الدولة مقابل أداء عملي، ولأن الطالبات أمانة في عنقي، ولهن حق الرعاية والمتابعة، ولا يجوز أن يكون انشغالي بأي عمل آخر سببًا في التقصير تجاههن. وبعد انتهاء الدوام المدرسي، أتوجه إلى جمعية الملك فهد النسائية الخيرية لمباشرة مسؤولياتي رئيسةً للجمعية، ومتابعة الموارد المالية، وأوضاع الأسر المستفيدة، والمشروعات الخيرية والبرامج التطوعية، إلى جانب شؤون الموظفات. وكنت أؤمن بأن اختياري للعمل في مجلس إدارة الجمعية يلزمني بأداء واجباتي على أكمل وجه، حتى وإن كان عملي تطوعيًا دون مقابل. فالمدرسة لها حقها، والجمعية لها حقها، والمستفيدات لهن حقوقهن، ولا يصح أن تطغى مسؤولية على أخرى. وقد علّمتني هذه التجربة أن القيادة الحقيقية تبدأ من احترام الأمانة والوفاء بالواجب قبل المطالبة بالحقوق. س3: من واقع خبرتك التربوية، كيف ترين العلاقة بين استقرار الأسرة ومستقبل الأبناء؟ وهل انعكست مواقف عشتِها في المدرسة على المبادرات التي تتبناها الجمعية؟ ج3: لا شك أن الاستقرار الأسري يمثل أساسًا مهمًا في بناء شخصية الأبناء ومستقبلهم؛ فكلما تمتعت الأسرة بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، تهيأت للأبناء بيئة أكثر أمانًا وقدرة على التعلم والنجاح وتحقيق الطموحات. والأسرة في ديننا الإسلامي ركيزة أساسية من ركائز المجتمع، ومنها تبدأ التربية، وتتشكّل القيم والسلوكيات. وخلال عملي في الميدان التربوي، كنت ألاحظ ما تعانيه بعض الطالبات من آثار الظروف الأسرية الصعبة، خصوصًا بعض بنات الأسر التي مرت بتجربة الطلاق أو فقدان الاستقرار الاقتصادي، وما قد يصاحب ذلك من شعور بالنقص أو القلق مقارنة بزميلاتهن اللاتي يعشن في ظروف أكثر استقرارًا. هذه المواقف جعلتني أكثر إدراكًا لحاجة الأسر إلى حلول تتجاوز تقديم المساعدة المالية المؤقتة، ومن هنا جاءت مبادرة «التمكين الأسري» في جمعية الملك فهد النسائية الخيرية بجازان. فقد سعينا إلى تأهيل النساء والأسر المستفيدة ليصبحن أكثر قدرة على الاعتماد على أنفسهن، بدلًا من استمرار حاجتهن إلى تبرعات الجمعية. ونفّذنا برامج ودورات تدريبية متنوعة تؤهلهن لدخول سوق العمل، من بينها مهارات البيع في متاجر التجزئة، والتجميل، والتصوير الفوتوغرافي، والحاسب الآلي، وغيرها من البرامج المرتبطة بفرص العمل في الشركات والمراكز التجارية. وما نطمح إليه هو أن تتحول المرأة من متلقية للمساعدة إلى عنصر منتج، يسهم في استقرار أسرتها وبناء مستقبل أبنائها. س4: بعد تقاعدك من إدارة المدرسة، كيف تنظرين إلى سنوات الجمع بين القيادة التربوية ورئاسة الجمعية؟ وما أبرز ما تعلمتِه من هذه التجربة؟ ج4: أنظر إلى تلك السنوات بكل فخر واعتزاز وامتنان لله؛ فقد كانت تجربة ثرية جمعت بين رسالة التعليم وشرف العمل التطوعي والمجتمعي. كانت إدارة المدرسة مسؤولية في بناء الأجيال وإعداد طالبات طموحات قادرات على خدمة وطنهن، من خلال البرامج والمشروعات التعليمية والتربوية التي تسهم في غرس القيم، وتنمية القدرات، وصناعة المستقبل. أما رئاسة الجمعية، فكانت مساحة أوسع للعطاء وخدمة المجتمع، وتعزيز روح التكافل والتراحم بين أفراده، انطلاقًا من إيماننا بأن الإنسان مكرّم، وأن من واجبنا صون كرامته ومساندته، وأن المجتمع القوي هو المجتمع الذي يتعاون أفراده ويتكاتفون في مواجهة التحديات. ولم يكن الجمع بين هاتين الرسالتين سهلًا؛ فقد احتاج إلى وقت وجهد وصبر وتضحيات، وإلى قدرة مستمرة على تحقيق التوازن بين المسؤوليات. لكنني خرجت بقناعة راسخة مفادها أن القيادة ليست منصبًا أو صلاحيات، وإنما مسؤولية وأمانة وقدرة على صناعة أثر إيجابي في حياة الآخرين. كما تعلمت أن العمل المخلص لا يرتبط بمرحلة وظيفية، وأن الإنسان يستطيع مواصلة العطاء وخدمة وطنه ومجتمعه حتى بعد التقاعد. س5: كيف تحدد الجمعية احتياجات النساء والأسر في جازان؟ وما الاحتياج الذي ترين أنه لا يحظى بالاهتمام الكافي رغم أثره العميق في حياة الأسرة؟ ج5: تعمل الجمعية على تحديد احتياجات النساء والأسر في منطقة جازان من خلال منهجية تعتمد على دراسة الحالات الاجتماعية، وتحليل بيانات المستفيدات، وإجراء المقابلات المباشرة والاستبيانات، والاستماع إلى النساء المستفيدات للتعرف على التحديات التي يواجهنها. كما نستفيد من خبرات الباحثات الاجتماعيات والشراكات مع الجهات ذات العلاقة، ونحرص على مراجعة أثر البرامج المقدمة بصورة مستمرة؛ للتأكد من أنها تستجيب للاحتياج الحقيقي، ولا تقتصر على تقديم مساعدات وقتية. وأرى أن من أبرز الاحتياجات التي تستحق اهتمامًا أكبر التمكين الاقتصادي المستدام للنساء والأسر، خصوصًا الأرامل والمطلقات والأسر التي تتولى النساء إعالتها. فالمشكلة لا تتوقف عند توفير الغذاء أو الاحتياجات الأساسية، بل تمتد إلى غياب مصدر دخل مستقر، ومحدودية الفرص التي تساعد المرأة على تحويل مهاراتها ومواهبها المنزلية إلى مشروعات منتجة، فضلًا عن تحديات التسويق والتمويل والوصول إلى فرص العمل المناسبة. ولهذا نؤمن بأهمية الانتقال من معالجة الاحتياج الآني إلى بناء قدرة الأسرة على الاعتماد على نفسها، من خلال التأهيل المهني، ودعم المشروعات الصغيرة، وفتح قنوات لتسويق المنتجات، وتعزيز الشراكات مع القطاع الخاص. كما نحرص على أن تكون نتائج برامج التمكين قابلة للقياس، من حيث تحسن دخل الأسرة واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي. فالهدف ليس أن نساعد الأسرة اليوم فحسب، بل أن نمنحها القدرة على الاستمرار غدًا، وأن تتحول من أسرة تعتمد على الدعم إلى أسرة تمتلك أدوات الإنتاج والاستقلال. وهذا التحول من الرعاية إلى التمكين هو أحد أهم المسارات التي نرى أنها تسهم في تحقيق الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية بمنطقة جازان. س6: كيف توازنون بين تقديم المساعدات العاجلة وتمكين المستفيدة من بناء استقلالها؟ وكيف تقيسون ما إذا كانت برامج الجمعية قد أحدثت تغييرًا مستدامًا في حياتها؟ ج6: نحن نؤمن بأن المساعدات العاجلة والتمكين المستدام ليسا مسارين متعارضين، بل مرحلتان متكاملتان؛ فالمساعدة العاجلة تمنح الأسرة قدرًا من الأمان والاستقرار في أوقات الأزمات، بينما يهدف التمكين إلى معالجة الأسباب التي قد تجعلها بحاجة إلى المساعدة بصورة متكررة. ولذلك نبدأ بتقييم الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمستفيدة، وتحديد احتياجاتها الأساسية، وتقديم المساندة اللازمة عند الضرورة، سواء كانت مالية أو عينية أو اجتماعية. وبعد استقرار الحالة، نعمل على وضع خطة تمكين تناسب ظروف المستفيدة وقدراتها، وتشمل التدريب والتأهيل المهني، وتنمية المهارات، ودعم المشروعات الصغيرة، وربطها بفرص العمل والتسويق، مع مراعاة اختلاف احتياجات الأرامل والمطلقات والأسر التي تعولها النساء. أما قياس الأثر، فلا نكتفي فيه بعدد المستفيدات أو حجم المساعدات، وإنما نركز على التغيير الفعلي الذي أحدثه البرنامج في حياة المستفيدة وأسرتها. ومن أبرز المؤشرات التي نعتمد عليها تحسن دخل الأسرة وقدرتها على تغطية احتياجاتها الأساسية، واستمرار الوظيفة أو المشروع بعد انتهاء الدعم، وانخفاض الاعتماد على المساعدات المتكررة، وتحسن الاستقرار الأسري والاجتماعي. كما نولي أهمية لمتابعة المستفيدة بعد انتهاء البرنامج، سواء بعد ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو عام، للتحقق من استمرارية النتائج ومعرفة ما إذا كانت تحتاج إلى تدخل إضافي. ونحرص كذلك على مقارنة وضع المستفيدة قبل البرنامج وبعده، وتوثيق النتائج بالبيانات، والاستماع إلى تجربتها الشخصية؛ لأن الأثر الحقيقي لا يظهر في التقارير وحدها، بل في قدرتها على إدارة حياتها بثقة واستقلالية. ورؤيتنا واضحة: لا نريد أن نقيس ما قدمناه للمستفيدة فقط، بل ما تغير في حياتها نتيجة لما قدمناه. ونؤكد في الوقت نفسه أهمية استمرار المساندة للحالات التي لا تسمح ظروفها الصحية أو الاجتماعية أو الاقتصادية بتحقيق الاستقلال الكامل؛ لأن العمل الخيري يقوم على الرحمة والعدالة ومراعاة احتياجات الإنسان وقدراته. س7: ما أصعب موقف أو قرار واجهك خلال قيادتك التربوية أو عملك في الجمعية؟ وكيف تعاملتِ معه، وماذا كشف لك عن معنى القيادة والمسؤولية؟ ج7: من أصعب المواقف التي مررت بها في مسيرتي التربوية قرار نقلي من الثانوية الرابعة بجازان إلى الثانوية الخامسة، بعد أن أمضيت 19 عامًا في المدرسة الأولى. فقد ارتبطت بالثانوية الرابعة ارتباطًا كبيرًا، وعشت مراحل تأسيسها وتطويرها، وحققت مع فريق العمل العديد من الإنجازات والجوائز، وكان من أبرز مشروعاتنا دمج الطالبات الكفيفات في التعليم العام، وهو مشروع أعتز به كثيرًا لما يحمله من أبعاد تربوية وإنسانية. وكان الانتقال إلى مدرسة أخرى، لا أعرف طبيعة تأسيسها أو مستوى جاهزيتها، أمرًا صعبًا بالنسبة إليّ، خصوصًا بعد سنوات طويلة من البناء والنجاح؛ ولذلك رفضت القرار في البداية. وتوجهت إلى وزارة التعليم، والتقيت سمو الأمير فيصل، الذي استمع إليّ وقدّر مشاعري، وتحدث عن منجزاتي، ثم أوضح لي أن ما يحدث ليس نقلًا بالمعنى الذي تصورته، وإنما تدوير قيادي للاستفادة من خبرتي في تطوير مدرسة أخرى. وكان لهذا الحديث أثر كبير في تغيير نظرتي إلى القرار، فاقتَنعت وباشرت عملي في الثانوية الخامسة بروح جديدة، واضعةً نصب عيني أن الخبرة الحقيقية هي التي تستطيع صناعة النجاح أينما وُجدت. وبفضل الله، حققت المدرسة جوائز وزارية على مستوى المملكة، وافتُتح فيها فصل بالشراكة مع مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة»، كما حققت طالباتنا جوائز عالمية. لقد علّمتني هذه التجربة أن القائد لا ينبغي أن يتوقف عند نجاحاته السابقة، وأن التغيير الذي يبدو صعبًا في بدايته قد يفتح أبوابًا لإنجازات أكبر. س8: بعد رحلتك بين المدرسة والجمعية، ما الأثر الذي تتمنين أن يبقى في حياة من عملتِ معهن وخدمتهن؟ وما الرسالة التي توجهينها للمرأة التي تملك الخبرة والرغبة في العطاء لكنها لم تبدأ بعد؟ ج8: أتمنى أن يبقى أثري في قلوب من عملت معهن وخدمتهن، قبل أن يبقى في المناصب أو سجلات الإنجازات، وأن أكون قد أسهمت في بناء شخصيات واثقة، وصناعة بيئات عمل يسودها الحب والاحترام والتعاون والتقدير المتبادل. وقد كنت أستحضر دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. فهذه القيم كانت حاضرة في تعاملي مع الطالبات والمعلمات والموظفات والمستفيدات، لأنني أؤمن بأن الاحترام والرحمة والقدوة الحسنة هي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات الإنسانية الناجحة. وأسأل الله أن يتقبل مني كل ما قدمته، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن تستمر مسيرة العطاء من بعدي بأيدٍ تؤمن بأن خدمة الإنسان رسالة عظيمة، وأن العمل المخلص لا ينتهي بالتقاعد، وإنما يبقى أثره في النفوس والمجتمع. أما رسالتي لكل امرأة تمتلك الخبرة والرغبة في العطاء، ولم تبدأ بعد، فهي ألا تنتظر اللحظة المثالية، وألا تستهين بقدراتها؛ فكل إنجاز عظيم يبدأ بخطوة صغيرة، وكل أثر جميل كانت بدايته فكرة آمن بها صاحبها. ابدئي بما تستطيعين، وبما تملكين من وقت وخبرة وإمكانات، ولا تجعلي الخوف من الفشل يحول بينك وبين رسالتك. وليكن عملك قائمًا على الأمانة والإخلاص؛ فالوطن يستحق منا كل جهد وكل إنجاز، وكلنا للوطن وطن. س9: تُقاس المناصب بما تنجزه، ويُقاس الإنسان بما يتركه في نفوس الناس. بين المدرسة والجمعية، ما الجذر الذي غذّى فيكِ حب الخير والتواضع والحرص على غرس القيم؟ وهل هناك موقف يختصر حكاية هذا الجانب من مسيرتك؟ ج9: الجذر الذي غذّى في داخلي حب الخير والعطاء هو ما نشأت عليه من قيم أصيلة، غرسها والدي، رحمه الله، ووالدتي، حفظها الله، من رحمة وتكافل واحترام للناس، وإيمان بأن قيمة الإنسان الحقيقية ليست فيما يمتلكه من مناصب، بل فيما يقدمه للآخرين من خير وأثر طيب. وخلال مسيرتي في التعليم والعمل الخيري، كنت أؤمن بأن القيادة ليست سلطة، بل مسؤولية، وأن غرس القيم لا يتحقق بالكلمات وحدها، وإنما بالقدوة والممارسة. في المدرسة، كنت قريبة من بناتي الطالبات وأخواتي المعلمات، وأحرص على تعزيز الثقة في نفوسهن، وتشجيعهن على المشاركة في المبادرات التطوعية التي تعود بالنفع على المجتمع. وكنت أردد أمام الطالبات في الطابور الصباحي: «أنتن جيل الرؤية، جيل رؤية سيدي ولي العهد»، لأغرس في نفوسهن الطموح والإيمان بقدرتهن على الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030. ومن المواقف التي أعتز بها مشروع «إسناد.. خطوة للمستقبل»، الذي بدأ بفكرة طرحتها على الطالبات والمعلمات للمشاركة في جائزة وزارة التعليم ضمن فئة العمل التطوعي. قلت لهن يومها: ما رأيكن أن نشارك بمشروع تعليمي يعود نفعه على الجميع؟ ومن هنا بدأ العمل بروح الفريق الواحد. اخترنا اسم «إسناد.. خطوة للمستقبل» تعبيرًا عن أن التعاون وتكامل الجهود هما الطريق إلى مستقبل أفضل، وتوزعت المسؤوليات بين فرق العمل في المدرسة. وأنشأنا مكتبة مدرسية متكاملة، تضم المستلزمات التعليمية وأجهزة الحاسب الآلي والطابعات، لتقديم خدمات يستفيد منها الجميع، على أن تعود إيراداتها بالنفع على الطالبات. ومن ثمار المشروع أننا استطعنا الاستعانة بمدربات متخصصات في اختبارات القدرات، وسداد تكاليف التدريب من إيرادات المكتبة نفسها. وعندما ترشح مشروعنا للجائزة، وزار المدرسة فريق التقييم من وزارة التعليم، وجدت الجميع ملتفًا حول الفكرة، من الطالبات والمعلمات إلى العاملات في المدرسة. وكان حديث الطالبات والعاملات أمام الفريق عن المشروع وعن تجربتهن معي من أجمل اللحظات التي عشتها؛ فقد شعرت حينها أن ما زرعناه من قيم التعاون والثقة والمسؤولية قد أثمر في نفوس الجميع. وأسأل الله أن يكون ذلك العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يكتب الأجر لكل من شارك فيه وأسهم في نجاحه. وفي الجمعية، ازداد إيماني بأن العطاء الحقيقي هو الذي يصون كرامة الإنسان، ويمنحه الأمل، ويشعره بأنه ليس وحده أمام تحديات الحياة، في ظل ما يحظى به القطاع غير الربحي من دعم واهتمام من قيادتنا الرشيدة، حفظها الله. س10: انطلاقًا من خبرتك في القيادة التربوية والعمل الخيري، ما النصيحة التي تودين توجيهها إلى طاقم صحيفة «الرأي» بمكتب جازان، ليواصل رسالته الإعلامية ويترك أثرًا نافعًا في المجتمع؟ ج10: أوصيهم بأن يجعلوا من رسالتهم الإعلامية رسالة إنسانية قبل أن تكون مهنية، وأن يدركوا أن الكلمة أمانة، وأن الإعلام ليس مجرد نقل للأخبار والأحداث، بل مسؤولية عظيمة في بناء الوعي، وتعزيز القيم، وتسليط الضوء على قصص النجاح والعطاء والتجارب الإنسانية التي تستحق أن تُروى. فالإعلام شريك أساسي في صناعة التغيير الإيجابي، وله دور مؤثر في إبراز المبادرات المجتمعية، ونشر ثقافة التطوع، وتعزيز المسؤولية الاجتماعية. وأوصيهم كذلك بأن يكونوا قريبين من الناس، يستمعون إلى أصواتهم، وينقلون احتياجاتهم وتطلعاتهم بصدق وموضوعية، ويمنحون قصص الخير والنجاح مساحة تليق بقيمتها وأثرها. كما أؤكد أهمية المحافظة على المصداقية، واحترام خصوصية الأفراد، والابتعاد عن كل ما يثير الفرقة أو يضعف الثقة؛ لأن ثقة المجتمع هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية. وأقول لهم: اجعلوا أقلامكم جسورًا للمحبة، ونوافذ للأمل، ومنابر للوعي، ولا تقيسوا نجاحكم بعدد الأخبار التي تنشرونها، بل بحجم الأثر الذي تتركونه في حياة الناس. وأنا على ثقة بأن جازان، بما تمتلكه من طاقات بشرية مبدعة وإرث ثقافي واجتماعي غني، تستحق إعلامًا يبرز جمالها، ويحتفي بمبدعيها، ويواكب تطلعات أبنائها وبناتها، ويسهم في بناء مستقبل أكثر وعيًا وتكافلًا وازدهارًا. وفي ختام هذا الحوار، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والامتنان لصحيفة «الرأي» على دعمها المتواصل لجمعية الملك فهد النسائية الخيرية بجازان، واهتمامها بإبراز رسالتها الإنسانية والمجتمعية، وهذا ليس بغريب على أبناء وطننا العظيم. أسأل الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، وأن يديم على وطننا أمنه وعزه وازدهاره.

وفي ختام هذا اللقاء، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذة غادة بنت محمد بريك، رئيسة جمعية الملك فهد النسائية الخيرية بمنطقة جازان، على تجاوبها وتخصيصها الوقت لإجراء هذا الحوار، رغم ظروفها الصحية، سائلًا الله لها دوام الصحة والعافية. وقد تشرفت بإجراء هذا الحوار الذي سلّط الضوء على محطات بارزة من مسيرتها في القيادة التربوية والعمل الخيري، واستعرض تجربتها في تطوير البيئة التعليمية، وتعزيز العمل التطوعي، وتمكين الأسر المستفيدة اقتصاديًا واجتماعيًا. وتأتي استضافة هذه الشخصية التربوية والاجتماعية في إطار حرص صحيفة «الرأي» على إبراز التجارب الوطنية الرائدة، وتوثيق إسهامات الشخصيات التي كان لها حضور مؤثر في خدمة المجتمع وتنميته بمنطقة جازان.

    Likes(0)Dislikes(0)

    مشاهدة غادة بريك لـ laquo الرأي raquo والدي زرع في داخلي بذرة القيادة ومن مقاعد

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ غادة بريك لـ الرأي والدي زرع في داخلي بذرة القيادة ومن مقاعد التعليم إلى ميادين العطاء تعل مت أن المناصب ترحل ويبقى أثر الإنسان قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة الراي الالكترونية ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، غادة بريك لـ«الرأي»: والدي زرع في داخلي بذرة القيادة.. ومن مقاعد التعليم إلى ميادين العطاء تعلّمت أن المناصب ترحل ويبقى أثر الإنسان.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار