ثمّة عبقرياتٌ سياسية لا تحتاجُ إلى اختراع الكهرباء، ولا إلى اكتشاف دواء للأمراض المستعصية، ولا حتى إلى حلِّ مشكلة واحدة من مُشكلات المواطنين.
يكفي أن يقف مسؤول أمام عدسات الكاميرات، ويشدّ ربطة عنقه، ويمنح وجههُ ما تيسّر من الوَقار، ثم يعلن، بنبرة منْ اكتشفَ سرّ الحياة: “علينا أن ننصت إلى الشباب!”.
عندها يكتملُ المشهد التّاريخي، وتكاد البشرية تصفق لهذا الفتح العظيم، فقد اكتشف الرَّجل، بعد سنوات من الاجتماعات والنّدوات والخُطب، أن الشَّباب يملكون أفواهًا تتكلَّم، وأن الدّولة تملك آذانًا تستطيع، من حيث المبدأ، أن تسمَع!
والإنصاتُ، في قاموس هذه العبقرية الجديدة، فضيلةٌ قائمة بذاتها، لا تحتاج إلى نتيجة تفسد نقاءها. يتحدث الشباب عن البطالة، فينصت المسؤول.
يرْوُون حكايات الهجرة واليأس وضياع الفرص، فيهز رأسه بحكمة، وربما يدوّن كلمة في دفتر أنيق، ثم يغادر اللقاء وقد أدّى واجبه الوطني على أكمل وجه. أما الشباب، فيعودون إلى مشكلاتهم القديمة، مع مكسب جديد لا يستهان به: لقد حظيتْ معاناتهم بشرف المرور عبر أذن رسمية!
ولأن الإنصات أصبح إنجازًا سياسيًا، فلا غرابة أن تتكاثر حوله اللجان والمنتديات واللقاءات التشاورية.
يحتاجُ الشباب إلى فرص عمل، فيحصلون على منصة حوار. يسألون عن مستقبلهم، فيدعوهم المسؤول إلى التعبير عن تطلعاتهم بكل حرية، شريطة ألا يتوقّعوا من تلك الحرية أن تتجسد في شيء يتجاوز التّعبير.
الإنصات… آخر فضائل العجز
والأطرف أن المسؤول لا يكتفي بالإنصات، وإنما يطالب الشباب أيضًا بأن يثقوا في جدوى الإنصات، وأن يتحلّوا بالصّبر حتى تنضج ثماره.
وما أكثر الثّمار التي تنضج في الخطب ولا تصل إلى موائد أصحابها! يستطيع الشاب أن ينتظر وظيفة عشر سنوات، ومستقبلًا إلى أجل غير معلوم، أما المسؤول فلا يستطيع أن ينتظر نهاية الجُملة قبل أن يؤكد أهمية الإنْصات؛ كأن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الحلول، وإنما في نقص الآذان، وكأن البلاد تحتاج إلى توسيع قدرتها السّمعية أكثر مما تحتاج إلى توسيع فرصها الاقتصادية والاجتماعية.
ولعلنا نظلم هذه الفلسفة السياسية حين نطالبها بالأفعال؛ فالإنصات أقل تكلفة من التشغيل، وأيسر من الإصلاح، وأسرع من محاربة الفساد، ثم إن المسؤول الذي ينصت يستطيع أن يكرر التجربة إلى ما لا نهاية، بينما المسؤول الذي يحلّ المشكلة يُخاطر بفُقدان موضوع اللقاء المقبل.
ومن الحِكمة، وفق هذا المنطق العجيب، أن تبقى المشكلات حيّة حتى يبقى الحوار حيًّا، وأن يظل الشباب يشتكون حتى تظل المؤسسات تتباهى بقدرتها الفائقة على الاستماع.
وقد بلغ فنُّ الإنصاتِ من الرُّقي مبلغًا يجعلنا نخشى على المسؤول من الإرهاق السَّمعي؛ فالرجل يتحمل، في سبيل الوطن، أعباء الجلوس في قاعة مكيّفة، والإنصات إلى شباب أنهكتهم البطالة، بينما ينتظره بعد اللقاء امتحان أشقّ: مأدبة غداء، وصورة جماعية، وتصريح صحفي يؤكد نجاح الحوار.
فأي تضحية أعظم من أن يصغي صاحب الامتيازات إلى من حُرم أبسط الحقوق، ثم يعود كل منهما إلى موقعه الطبيعي: الأول إلى مكتبه الوثير، والثاني إلى صفِّ الانتظار؟ إنها عدالةٌ من طرازٍ فَريد، يتقاسمُ فيها الطّرفان الكلام، ويحتكر أحدهما وحده مفاتيح القرار، ثم يطالب الآخر بالامتنان لأن صوته لم يصطدم هذه المرة بباب مغلق، وإنما بأذن مفتوحة على مصراعيها ويدٍ مغلقة بإحْكام.
آذان منتصبة… وإرادة غائبة
ولعل أخطرَ ما يُهدِّد هذه النهضة السَّمعية أن المسؤول يحبُّ الشباب ما داموا يتحدثون عن أحلامهم، ويضيق بهم حين يفتحون ملفات المسؤولية.
أما الشاب الذي يصر على معرفة مصير الوعود والميزانيات والبرامج، فيحتاج، وفق هذا المنطق، إلى دورة تكوينية عاجلة في فن الحوار البنّاء، ليتعلم أن الإنصاتَ حقٌّ للمسؤول، وأن الصّمت واجبٌ على من يجرؤ على مطالبته بالنتائج.
ثم إن لهذه العبقرية فضلًا آخر لا ينبغي أن نغفله؛ فقد أعادت تعريف الفشل حتى صار مادة صالحة للاحتفال. كلما اتسعت البطالة، اتسعت الحاجة إلى الإنصات. وكلما ضاقت آفاق الشباب، ازدحمت أجندات المسؤولين باللقاءات. وكلما ارتفع عدد الراغبين في الرحيل، ارتفع عدد الخطب التي تدعوهم إلى الثقة في المستقبل.
وهكذا تتحوَّل الأزمات إلى فُرص ذهبية لإظهار التَّعاطف، وتصبح معاناة جيل كامل مادة خامًّا لإنتاج البلاغات والصُّور والشّعارات.
والمفارقة أن المسؤول يستطيع أن يقضي عمره المهني كله وهو ينصت إلى المشكلة نفسها، ثم يغادر منصبه بسيرة حافلة باللقاءات الناجحة، بينما يغادر الشاب وطنه بحثًا عن بلد لا يكتفي بالاستماع إلى أحلامه، وإنما يُتيح له فرصة تحقيق بعضها. وأي عبقرية أرفع من أن يصنع أحدهم مجْدَه الإداري من عجزه عن تغيير واقِع الآخرين؟
من هنا، لا يسعنا إلاَّ أن نهنئ شبابنا بهذا المكسب الحضاري المذهل: لقد انتقلُوا من مرحلة لا يسمعُهم فيها أحد إلى مرحلة يسمعُهم فيها الجميع ولا يتغَير فيها شيء.
وما دام الإنصات قد ارتقى إلى مرتبة الإنجاز، فلنقترح إنشاء وزارة للآذان الصَّاغية، ومعهد عالٍ لهزّ الرؤوس، وجائزة وطنية لأطول مسؤول استمع إلى مشكلة دون أن يقترب من حلِّها.
أما الشباب، فعليهم أن يحافظوا على أصواتهم جيِّدًا؛ فالمستقبل قد لا يحمل لهم عملًا ولا سكنًا ولا أملًا، لكنه سيحملُ، بكل تأكيد، مسؤولًا جديدًا يقول لهم في حفلٍ بَهيج: “نحن هنا لنُنْصِت إليكُم!”.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
الإنصات .. فنّ اللاّشيء Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الإنصات فن اللا شيء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الإنصات فن اللا شيء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الإنصات .. فنّ اللاّشيء.
في الموقع ايضا :
- عاجل: وكالة فرانس برس عن شهود عيان في خميس مشيط: القصف شديد للغاية منذ صباح اليوم الأحد وكل شيء يهتز من شدة الانفجارات
- زلزال يهز منطقة في أفغانستان... كم بلغت قوته؟
- البرازيل: تعليق مؤقت لإحصاء الأصوات بعد تمديد التصويت ساعتين في الانتخابات الرئاسية