إذا كانت هناك بعض الظواهر الاجتماعية لا تخطئها العين، فهناك أخرى لا تخطئها الأذن، ولا يحتاج رصدها إلى استبيانات أو إلى تجميع الإحصائيات وتحليلها كمّيًا وكيفيًا، حتى نُسلّم بالتصاقها القوي بحياتنا اليومية. فيكفي، مثلا، أن نتجول في شوارع اغلب المدن المغربية أو نعبر زقاقا في حي سكني أو يوجد بالقرب من مدرسة، أو مستشفى أو مسجد، أو نقف عند ملتقيات الطرق أو إشارات المرور، أو نقطن في شقة أو نشتغل في مكتب يوجد في إحدى العمارات المطلة على الشارع، إلخ، لندرك أن «الكلاكسون» بات أحد أبرز ملامح التلوث البيئي والصوتي لمدننا، إذ غدا ضجيجه جزءا من ضجيجنا و صخبنا وإيقاع حياتنا اليومية.
فلماذا، يا تُرى، باستثناء ساكنة بعض مدن الشمال، يستعمل المغاربة «الكلاكسون» بكثافة أثناء تنقلاتهم؟ هل هذا الاستعمال لا يتجاوز كونه مجرد ضجيج ميكانيكي أو وسيلة للتنبيه إلى خطر مروري محتمل، أو لإخبار سائق ساهٍ بأن الضوء الأحمر قد تحول إلى الأخضر، أم أنه قد يشكل وسيلة احتجاج وتعبير عن نفاد الصبر بسبب تعطيل حركة السير، أو أنه قد ينحول لوسيلة لفرض الحضور أو انتزاع الأسبقية؟ وهل الأمر يتعلق بمجرد سلوك فردي معزول، أم أننا أمام ظاهرة تكشف عن جوانب أعمق من علاقتنا بقانون السير و بقواعد العيش المشترك؟
وبتعبير آخر، هل يرتبط «الكلاكسون» بمستلزمات حركة السير والجولان، أم أن استعماله (المفرط) يكشف عن جوانب أعمق في مجتمع في حاجة مٌلحًّة إلى الإصغاء إليه؟ وبالتالي، اذا كان الأمر كذلك، فإلى متى سيظل الاهتمام بقضايا الشأن العام محصورا في الاختلالات ذات البعد العمودي، متمثلة في العلاقة بين السلطة والمجتمع، في مقابل إغفال تناول الأعطاب ذات البعد الأفقي، على اعتبار أنها لا تقل أهمية عن الأولى؟ وبتعبير آخر، إلى متى سيتستمر الاهتمام بمساءلة الدولة في حجب واجب مساءلة المجتمع، علما أن الظواهر الاجتماعية لا تظهر دائما في الأحداث الكبرى، بل قد تتجلى أيضا في التفاصيل البسيطة التي تلتصق بحياتنا اليومية بشكل اعتيادي.
وتفاديا للسقوط في التعميم، يتعين القول إن الإفراط في استعمال «الكلاكسون» لا يشكل خصوصية مغربية خالصة، بل هو سلوك قد يلتصق بمختلف المجتمعات التي يغيب فيها التنظيم المروري الصارم وتمنح فيها رخصة السياقة بسهولة ويضعف فيها السلوك المدني والالتزام بقواعد السير، وتتراجع فيها قيم الصبر والتسامح والهدوء وضبط النفس (الأمارة بالسوء). فقد تكون السيارة من أحدث الطرازات، وتكون الطرق فسيحة، والأزقة معبّدة، والإشارات الضوئية ظاهرة بما يكفي للعموم، لكن سلوك بعض من يقودون السيارات يظل بعيدا عن أبسط قواعد التحضر وأدنى مقتضيات اللباقة والرقي في السياقة والتعامل مع باقي مستعملي الطريق.
في هذا الإطار، تشير الدراسات الأكاديمية المنتسبة لحقلي علم الاجتماع وعلم النفس، التي تناولت منظومات السير والتنقل بشكل عام، وسلوكات مستعملي الطرق بشكل خاص، في مجموعة من الدول الغربية والآسيوية والإفريقية وفي أمريكا اللاتينية، إلى أهمية استحضار العوامل الاجتماعية والنفسية في فهم سلوك السائقين. فعلى سبيل المقارنة، أثبتت الدراسات أن سائقي دول شمال وغرب أوروبا، في الدول التي تكون فيها السرعة محدودة، يميلون بشكل فردي إلى عدم احترامها، في حين يتسم سلوك سائقي دول جنوب أوروبا بالعدوانية في السياقة من خلال النزوع لسلاح الشتم، وخصوصا توجيه الإصبع الأوسط إلى أعلى في وجه الآخرين («التقالز» على الطريقة الإيطالية). أما في المجتمعات الآسيوية والإفريقية واللاتينو-أمريكية، فـ«الكلاكسون» يشكل أكثر من لغة تخاطب يومية.
ومن الدراسات التي يمكن الاستئناس بها بخصوص السلوكيات المرتبطة بالسياقة في الحالة المغربية في هذا السياق، يمكن ان نذكر على سبيل المثال لا الحصر، دراستين ميدانيتين اهتمتا برصد السلوك العدواني عند السائقين المهنيين في المغرب، حيث استخدم الباحثون استبيانات ومؤشرات تطبيقية لـ«مقياس السلوك العدواني عند القيادة»: -الدراسة التي انجزها أربعة باحثين: سعيدة إدريسي، وعادل غزالي، وغزلان بنبراهيم، وزبيدة لسود، من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء سنة 2025 حول:
Comportements Agressifs Routiers chez les Conducteurs Professionnels au Maroc : Résultats d’une étude observationnelle, in Africain Scientific Journal, n°32, Octobre 2025. – الدراسة التي أنجزها تلاثة باحثين سنة 2025 : سعيدة إدريسي، عادل غزالي ويعقوب دفتر حول: L’agressivité au volant des conducteurs professionnels durant le mois de Ramadan au Maroc، Communication au 92e Congrès de l’Association francophone pour le savoir (Acfas).
وإضافة إلى الدراسات الأكاديمية المتعلقة بالسلوك المروري، تنشر بعض الصحف المغربية (أنفاس بريس، هسبريس، Le Matin، إلخ) من حين لآخر مقالات تسلط الضوء على ظاهرة الاستعمال المفرط لـ«الكلاكسون»، وذلك من أجل التحسيس بمخاطر آفة التلوث الضوضائي من جهة، ودعوة المؤسسات العمومية ذات الاختصاص لمواجهة ما تعتبره منظمة الصحة العالمية أحد أبرز المخاطر البيئية التي تهدد الصحة البدنية والنفسية للإنسان، بسبب ارتفاع هرمونات التوتر والعصبية وأمراض القلب وأضرار حاسة السمع، إلخ، من جهة أخرى. وبالتالي، ففي إطار التحسيس بالوقع السلبي والتشويه الحضاري المترتب عن هذه الظاهرة، نسعى من خلال تناول هذا الموضوع الى تلتذكير بالتبعات البيئية والاجتماعية والنفسية لهذه الآفة، قصد محاولة إخراجها من دائرة المألوف لتتحول الى موضوع للتأمل والتحليل، بصرف النظر عن كون المغاربة تعايشوا معها، وربما يعتبرها الكثيرون عادية، فبالأحرى أن ينتبهوا إلى أضرارها وتبعاتها.
سأتطرق في هذا المقال إلى ثلاثة محاور تبدو لي أساسية:
المحور الاول: “الكلاكسون” بين اللغة والقانون المحور الثاني: “الكلاكسون” والبعدين الاجتماعي والنفسي المحور الثالث: “الكلاكسون” بين المبادرات المدنية وواجبات السلطات والمصالح المختصة.
المحور الأول:”الكلاكسون” بين اللغة والقانون
1- «الكلاكسون»: لغة بلا كلمات
تفيد المعاينة المباشرة، بما هي رصد للظاهرة في سياقها الطبيعي والفعلي المباشر، أنه لا يمكن اختزال استعمال «الكلاكسون» في مجرد إصدار صوت للتحذير ولفت انتباه باقي مستعملي الطريق قصد تفادي خطر محتمل، فقد يتحول «الكلاكسون»، بحسب نبرة الصوت وحجمه أو قوة الضغط ومدته أو تكراره، من استعمال يفرضه المرور إلى لغة لتفريغ الانفعالات والعدوانية. فإذا كانت النقرة خفيفة ومقتضبة، من قبيل «طِطْ» أو «بِّيبْ»، فهي تعبّر عادة عن التنبيه اللطيف، أما إذا كانت النقرة متتالية وسريعة، من قبيل «طٍط، طِط»، فهي توحي بالاستعجال. أما إذا كانت النقرة طويلة نسبيًا وممتدة، من قبيل «طووووط»، فإنها تعبّر عن الغضب و الاحتجاج على عدم تعطيل حركة السير، وكأن السائق يقول لمن يتسبب فيها بحسبه: «وآزيد، وآ العمالة، وآش غنبقاو هنا؟!». أما إذا كانت النقرة متواصلة وحادة وعنيفة، من قبيل «طوووووووووووووووط»، فهي تشكل إعلانا عن نفاد الصبر ومؤشرا على الاستعداد للدخول في مبارزة قد تبدأ بمشادة كلامية وتبادل الشتائم، وقد تتطور الى قطع الطريق أو الملاحقة اللصيقة لسيارة معرقل السير قصد «تأديبه»، او تصل حد الاشتباك بالأيدي، وربما قد تنتهي بإخراج عصا غليظة من صندوق السيارة أو إشهار بعض معدات تغيير عجلات السيارة، من قبيل المرفاع (الكريك) أو مفتاح الصواميل (ساروت الرويضة)، لحسم النزاع! وهكذا، تعبّر نبرة «الكلاكسون» عما يشبه رموزا صوتية متوافق عليها، إذ تتعدد دلالاتها بحسب السياق، وتتدرج من التنبيه العابر إلى التعبير الغاضب، ومن المطالبة بإفساح الطريق إلى الاحتجاج والتهديد.
2- «الكلاكسون» والقانون
على المستوى القانوني، يُعتبر «الكلاكسون»، أو المنبّه الصوتي، وسيلة للتنبيه والتحذير، وليس أداة في خدمة السائق يستعملها وفق مزاجه أو للتعبير عن انفعالاته. وبالتالي، من المفروض، من منظور قانوني، أن يظل استعماله مرتبطا حصريا بالضرورة التي تقتضيها السلامة الطرقية، على اعتبار أن مستعمل «الكلاكسون» بشكل عشوائي يعرّض نفسه لمخالفة مرورية يترتب عنها أداء غرامة تصالحية قيمتها 150 درهمًا. في هذا الإطار، تم تنظيم استعمال المنبّه الصوتي ضمن مقتضيات المرسوم رقم 2.10.420 الصادر بتاريخ 29 شتنبر 2010 بتطبيق القانون رقم 52.05 بمثابة مدونة السير على الطرق. فالمادة 43 لا تسمح باستعمال «الكلاكسون» خارج التجمعات العمرانية إلا لإعطاء التنبيهات الضرورية لباقي مستعملي الطريق، بينما لا يُسمح باستعماله داخل التجمعات العمرانية إلا في حالة الخطر الوشيك. أما المادة 44 من المرسوم نفسه، فتنص على أن تنبيه باقي السائقين ليلًا يكون باستعمال أضواء التقابل أو أضواء الطريق بصورة متقطعة، ومن ثم يُمنع استعمال «الكلاكسون»، ما عدا إذا اقتضت حالة الضرورة القصوى ذلك. لذا، فالغاية من تقنين وتنظيم استعمال «الكلاكسون» ليست مجرد غاية شكلية، بل تتمثل في الحفاظ على وظيفته الأساسية، أي التنبيه إلى خطر محتمل أو إلى وضعية تستدعي تنبيها صوتيا/ميكانيكيا، وليس تحويله إلى وسيلة للاحتحاج أو التعبير عن الاستياء أو لمحاولة فرض الإرادة على الآخرين. غير أن وجود القاعدة القانونية، كما هو معلوم، لا يكفي وحده لضمان احترامها، إذ تظل الهوة قائمة بين ما ينص عليه القانون وبين ما يجري في الواقع اليومي.
الجزء الثاني: البعد الاجتماعي والنفسي
1- «الكلاكسون» اجتماعيا
إذا كان القانون والمجال التنظيمي يؤطران استعمال «الكلاكسون»، فإن الواقع يكشف عن وظائف أخرى تتجاوز المقتضيات المقيدة لاستعماله. ومن هنا، يمكن التمييز، على سبيل التصنيف، بين «كلاكسون قانوني»، يُعدٌُ استثناء، و«كلاكسون اجتماعي»، يُعد قاعدة. فالأول يستمد مشروعيته من الحاجة إلى التنبيه والتحذير، بينما تتعدد الاستعمالات الاجتماعية للثاني، اذ قد يتحول «الكلاكسون» من أداء التنبيه بشكل سلمي إلى وسيلة للتعبير عن نفاد الصبر، من خلال ضغط مطوّل يتخذ بعدا عدائيا، موجّه لسائق ساهٍ او مشدود إلى هاتفه. وهكذا ينتقل استعمال “الكلاكسون” من التنبيه إلى المطالبة بإفساح الطريق، مرورا بالتعبير عن الاستياء والاحتجاج على تعطيل حركة السير، وصولا إلى المعاتبة بشكل انفعالي لمعرقل أو لمعرقلي حركة السير، بعبارات من قبيل: «أنت فين تعلمت السياقة»، «وا العيان!» و«سير آلهرڭاوي!». وقد يتحول “الكلاكسون” إلى ما يشبه «برَّاحا» ميكانيكيا ينادي في سكان حي بأكمله وكأن لسان حاله يقول «ألا أخبرتموني بمن يكون هذا الحمار الذي أوقف سيارته أمام مرآب المنزل أو أمام مدخل العمارة!». كما قد يتحول «الكلاكسون» أحيانا، وإن بشكل استثنائي، إلى «كلاكسون» احتفالي معبّر عن الفرح، يعكس الابتهاج بتأهل المنتخب الوطني، أو ينبه السائقين والعابرين لمرور موكب عروسين، وكأنه يدعوهم، دون ان يكونوا ضمن المدعويين، لمشاركة فرحة الأهل والمقربين والجيران. وفي السياق الاجتماعي (والمهني) نفسه، يُستعمل «الكلاكسون» من طرف: – سائق يود تحية بعض معارفه الذين يصادفهم في الطريق؛ – سائق غير آبه (ما مسوقش)، يحتج عبر نقرة مطولة على زوجته التي تأخرت في الالتحاق به في أسفل العمارة؛ – سائق حافلة للنقل المدرسي الخاص يسعى لتنبيه المتمدرسين بضرورة الإسراع للالتحاق بالحافلة؛ – موصِّل بضائع يدعو صاحب متجر او مقهى للالتحاق به قصد تسلم طلبيته؛ – سائق يتوقف أمام مقهى مكتظ بالزبناء لتنبيه أحد أصدقائه قصد الالتحاق به، غير مبال لا بما يسببه من ازعاج ولا بعرقلته للسير؛ – سائق فقد السيطرة على نفسه بسبب بعض مشاهد السياقة الاستعراضية، فيتحول “الكلاكسون” إلى متنفس للتوتر؛ – سائق يعبر عن رغبة في فرض الحضور وإظهار التمايز الاجتماعي، حينما يبدو أحدهم في بعض الحالات كمن يُصدر أوامره إلى الآخرين، مطالبا إياهم بالاستجابة الفورية لرغبته في إفساح الطريق، وكأن له امتيازا عن باقي مستعملي الطريق العام.
وهكذا يصبح «الكلاكسون» عبارة عن أداة ملغومة، حاملة لقذائف انفعالية، على اعتبار أن استعماله المفرط غالبا ما ينتُج عنه تفاعل باقي السائقين بشكل يزيد من قوة العصبية والتوتر. وبالتالي، يفضي هذا الوضع إلى تعكّر المزاج العام، فتسوء سياقة الجميع ويرتفع منسوب المشادات وتعالي أصوات «الكلاكسونات»، وخصوصا أمام إشارات المرور أو في بعض المدارات وملتقيات الطرق. فما إن يضغط سائق واحد على «الكلاكسون» حتى يتبعه الآخرون، في مشهد أشبه بعدوى صوتية تنتشر كالنار في الهشيم، ليرتفع التلوث السمعي إلى مستويات جد مزعجة تنسف الحق في الهدوء والسكينة. ويبدو الوضع أحيانا وكأن الأمر يتعلق بساحة حرب، مع فارق مهم يتمثل، لحسن الحظ، في كون السيارات مجهزة فقط بكلاكسونات، وليس برشاشات أو مدافع محمولة، وإلا لكانت الكارثة! و على عكس اللجوء إلى استعمال «الكلاكسون» بشكل عدائي، نلاحظ أحيانا أن الرزانة والتسامح، اللذين يعبر عنهما بشكل استثنائي في بعض المواقف، يُنتج تفاعلا إيجابيا ميزته التعبير عن الشكر عبر رفع اليد بشكل ودي ومبادلة التحية والاحترام.
قد يقول قائل إن سبب الضجيج المروري يرجع أساسا إلى الازدحام وكثافة حركة المرور وضغوط العمل والحساسية من ارتفاع أسعار المحروقات والضغوط الشخصية والمعيشية المختلفة، التي تجعل السائق أكثر استعدادا للانفعال وأقل قدرة على الصبر والتسامح. لكن الى اي حد يسمح تفسير سلوك بالانتقال من التفسير الى التبرير؟ فالازدحام مفروض على الجميع، وأساسا في ساعات الذروة. والاستعجال لا يخص سائقا دون غيره، والضغط النفسي لا يمنح لأي كان الحق في تحويل الشارع إلى مجال لممارسة العنف الرمزي أو سبّ الآخرين وشتمهم، على اعتبار ان استعمال «الكلاكسون» ليس مجرد التزام يفرضه القانون، بل هو أيضا اختبار يومي لقدرة المواطن/السائق على احترام الآخرين وقبول بعض الحدود التي تجعل الحياة المشتركة ممكنة.
ولعل سلوك بعض الراجلين ومستعملي الدراجات العادية والنارية وسائقي الدراجات ثلاثية العجلات وموصِّلي الوجبات السريعة (les livreurs ) يشكل بدوره مثالا حيا يفيد في رصد التشوهات التي تلتصق بالمرور وما يكتنفها من تناقضات اجتماعية، تجعل من عدم احترام علامات المرور، والتجاوز العشوائي والمناورات الخاطفة بين السيارات، والتسلل إلى الممرات والفجوات الضيقة، وعدم احترام الإشارات الضوئية للتوقف، والتجاوز تارة على اليمين وتارة على اليسار، سلوكيات مساعدة على انطلاق وتصاعد واختلاط «الكلاكسونات»، الأمر الذي يضيف مزيدا من التوتر وتفاقم الاصطدامات بين مستعملي الطريق. وبقدر ما تتأثر العلاقة بين سائقي السيارات وبين الراجلين ومستعملي الدراجات بجميع أصنافها بكيفية تقاسم المجال الطرقي وتنظيمه، وما قد يرتبط به من غياب مسارات مخصصة وواضحة للراجلين، و آمنة للدراجات، بقدر ما تبدو هذه العلاقة كما لو أنها تشكل تجسيدا للاحتقان والتناقض ووجود صراع شبه طبقي ضمني متعدد الأطراف. وبالتالي، يتحول الطريق، بهذا المعنى، إلى مجتمع مصغر تتحول معه القيادة إلى تمظهر ملموس للتناقضات والصراع الطبقي. وما ينطبق على الراجلين وسائقي الدراجات ينطبق كذلك على سائقي العربات المجرورة (الكارو والكرويلة)، فيترتب عن هذا الاختلاط غير المتكافئ بين مختلف وسائل النقل إرباك لحركة المرور ومزيد من التشنج والاحتكاك والاستعداء بين مستعملي الطريق. في هذا الوضع المروري المركب بامتياز، يبدو السائق المغربي داخل سيارته او فوق دراجته او عربته، ليس كمن يقود مجرد مركبة، بل كمن يقود وضعا اجتماعيا طبقيا خاصا. فسائق السيارة الفاخرة الذي قد يمتلكه شعور الإحساس بالتفوق الطبقي يتصرف وكأنه يمتلك الطريق لوحده، ومن ثم يلجأ إلى استعمال «الكلاكسون» بشكل حاد “آمرا” بإفساح الطريق بشكل فوري. وسائق السيارة العادية، أو المتهالكة، كما سائق الدراجة او العربة يحس أنه مستهدف (طبقيًا) فيتملكه الإحساس بالدونية، ومن ثم يلجأ إلى آليات إثبات الذات وفرض الوجود من خلال التمرد على «أمر» إفساح الطريق وللتعبير عن امتعاضه عما يمكن أن يعتبره “حڭرة”، او مسًّا بشعوره وكرامته.
لذا، إذا كان استعمال «الكلاكسون» يتحول من وظيفة التنبيه الطبيعية إلى وظيفة للتعبير عن الاحتجاج وإلى أداة لتفريغ الغضب، ووسيلة لفرض الوجود، فهذا يعني أن أضراره المستدامة أكثر من منافعه الظرفية. وبعبارة مستوحاة من الآية الكريمة 219 من سورة البقرة، يمكن القول: إن إثمه أكثر من نفعه.
2- «الكلاكسون» و«الإنسان المقهور»
لمقاربة ظاهرة الإفراط في استعمال «الكلاكسون» في الفضاء المروري، من منظور علم النفس ، يمكن الاستئناس بطروحات عالم النفس مصطفى حجازي، كما تناولها في كتابه «التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور». فمن منظور مستلهم من هذه المقاربة، يمكن التساؤل عما إذا كان بعض سلوك من يستعمل «الكلاكسون» بشكل مفرط يشكل تعويضا عن الشعور بالعجز، وبالتالي يسمح باستعادة الإحساس بالقوة وفرض الذات. فالإنسان الذي يعيش، من منظور سيكولوجية الانسان المقهور، في بيئة تتسم بعلاقات التسلط والهيمنة والأنانية والقهر قد يشعر، في بعض مجالات حياته، بأنه عاجز عن فرض إرادته أو الدفاع عن مصالحه، ومن ثم قد يسعى، حين تتاح له فرصة مواتية أو متوهمة، إلى تعويض شعوره بالإحباط عبر تفريغ ما تراكم لديه من طاقة سلبية وشحنات انفعالية. وهكذا، يتحول صوت «الكلاكسون» من مجرد وسيلة اخترعت في الأصل لأداء وظيفة التنبيه إلى أداة لاستعراض القوة وتفريغ التوتر والعصبية، ومن ثم يتحول الهَدَرُ إلى هَدْرٍ للقانون وهَدْرٍ للطاقات النفسية ولمقومات العيش المشترك السليم. وتكمن المفارقة في أن من يعاني التسلط في علاقته بمن هم أقوى منه، حسب سيكولوجية الإنسان المقهور دائما، قد يعيد إنتاج بعض مظاهره في علاقته بمن يعتقد أنهم أضعف منه. وقد أثبتت التجارب الميدانية ذات الصلة بموضوع السلوكات أثناء القيادة اختلاف ردة فعل السائقين تجاه من يُعَطِّلِ السير حسب نوع السيارة، بحيث كلما كانت السيارة المتسببة في التعطيل من النوع الفاخر، كلما تريث باقي السائقين خلفها في استعمال «الكلاكسون». أما حينما تكون السيارة من النوع العادي أو يبدو وضعها متعبا، إلا واشتد الويل والتبور وسوء الوضع بسائقها. وبالتالي، فبدلا من مواجهة مصادر القهر، يحول الإنسان المقهور وقعها إلى علاقاته اليومية، فيمارس على الآخرين، بوعي أو من دونه، ما يشتكي منه في علاقته بمن هم أكثر منه نفوذا. ومن هذا المنظور، يتيح مفهوم «التماهي بالمتسلط» عند مصطفى حجازي التفكير في الكيفية التي قد يستبطن بها بعض الأفراد منطق القوة الذي يخضعون له، ثم يعيدون إنتاجه متى أتيحت لهم مساحة لممارسة التنفذ والتسلط. وهكذا، وعلى اختلاف السياقات، يمكن أن يجمع بين أبعاد هذه المقاربة سؤال واحد: هل يعيد بعض الأفراد إنتاج علاقات القوة التي يخضعون لها، كلما أتيحت لهم الفرصة لممارسة السلطة؟ وهل يمكن أن يتحول الشعور بالعجز أو الضعف، في بعض الحالات، إلى نزوع نحو الرغبة في السيطرة على الآخرين، بدل أن يتحول إلى وعي بضرورة التحرر من فخ التماهي مع المتسلط؟ وبتعبير آخر، هل يعيد السائق خلف مقود مركبته إنتاج القهر الذي يتعرض له عبر عدم احترامه لقانون السير ونزوعه نحو التعالي والأنانية والاستهتار؟
الجزء الثالث: “الكلاكسون” بين المبادرات المدنية وواجبات السلطات والمصالح المختصة.
1- المبادرات المدنية و “الكلاكسون”
إذا كان القانون والمجال التنظيمي قد حددا شروطا تسمح باللجوء إلى «الكلاكسون»، فإن هذا التأطير لا يبدو كافيًا وحده لضمان ترشيد استعماله، ومن ثم ضمان تطابق السلوك المروري مع المقتضيات القانونية. ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات المدنية التي تستهدف ترسيخ السلوك المدني في الفضاء العام. غير أن ما نلاحظه في هذا المجال ان المبادرات التحسيسية ذات الصلة تبدو شبه منعدمة، على اعتبار أن المبادرات المدنية تركز، في الغالب، على السلوك السليم الواقي من حوادث السير، بينما لا تحظى الممارسات المزعجة، من قبيل الإفراط في استعمال «الكلاكسون»، بنفس الاهتمام.
في إطار التطرق للمبادرات الميدانية ذات الصلة، يمكن ذكر مبادرة «Casablaklaxoon»، التي تم إطلاقها بمدينة الدار البيضاء سنة 2011، بهدف التحسيس بآثار الاستعمال المفرط للمنبهات الصوتية. لكن يعاب على هذه المبادرة أساسا اقتصارها على استهداف سائقي سيارات الأجرة قصد حثهم على عدم استعمال «الكلاكسون»، إلا إذا دعت لذلك الضرورة. وبالتالي، يبدو أن تركيز المبادرات التحسيسية في مجال السلوك المروري على التوعية الطرقية والمرورية، من قبيل تحسيس الأطفال والراجلين بضرورة احترام إشارات المرور والممرات الخاصة لتجنب حوادث السير، لم تتم مواكبته من خلال إيلاء الأهمية للإزعاج الصوتي الناتج عن الإفراط في استعمال «الكلاكسون»، رغم تأثيره السلبي داخل الفضاء العام وتنغيصه متعة السياقة ومتعة السفر، ومن ثم ربما متعة الحياة. لا شك أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب حملات تحسيسية، إعلامية وتواصلية، تؤدي فيها المبادرات المدنية دورا رائدا، من خلال التذكير بكون الإفراط في استعمال «الكلاكسون» يتعارض مع مقتضيات المواطنة من سلوك متحضر واحترام متبادل، وأن تقدم المجتمعات لا يُقاس بقدرة المواطنين على اقتناء سيارات جديدة، وأحيانا فاخرة، عوضت الاعتماد، كما كان الأمر في الماضي، على سيارات مستعملة قد تكون «مدرّحة»، او قد يسعى مالكوها من المغاربة المقيمين بالخارج إلى التخلص منها بمجرد نهاية عطلتهم الصيفية، بل إن التقدم يُقاس أيضا بمدى القدرة على ترسيخ التحلي باللياقة والرقي في السياقة، واحترام الآخرين، والالتزام بقواعد العيش المشترك. وبالتالي، فإن الرهان المجتمعي المأمول لا يكمن في منع «الكلاكسون»، وإنما في حصره في وظيفته الإيجابية الأصلية، بحيث يُستعمل فقط عند وجود ضرورة حقيقية، لا استعماله كلما نفذ صبر السائق أو لم يواكب الآخرون انتظاراته. وفي الاتجاه نفسه، يُقاس السلوك المتحضر بما نلتزم به من واجبات إلى جانب ما نطالب به من حقوق. فـ«الكلاكسون»، في نهاية المطاف، ليس مجرد صوت يصدره سائق مركبة بشكل عابر، بل إنه مرآة قد تكشف الكثير من علاقتنا بالانضباط، وبالصبر، وبضبط النفس، وبالقانون، وبالآخر، وبالعيش المشترك.
2- “الكلاكسون” وواجبات السلطات والمصالح المختصة
إذا كان الحد من الإفراط في استعمال «الكلاكسون» يشكل مسؤولية مشتركة بين السائقين والمجتمع المدني، فإن السلطات المختصة والمصالح المكلفة بالسير تتحمل بدورها مسؤولية لا تقل أهمية في حماية النظام العام، وضمان احترام قواعد السير، والحد من مصادر الإزعاج. لكن دور السلطات العمومية والمصالح ذات الاختصاص لا ينبغي في هذا الإطار أن يقتصر على تنظيم حركة المرور وتدبير بعض الاختناقات المرورية، أو تصيّد أخطاء بعض السائقين، بل يُفترض أن يمتد ليشمل التصدي للسلوكات التي تحوّل «الكلاكسون» من «كلاكسون» تحذيري أو تنبيهي إلى «كلاكسون» انفعالي-عدائي، مصدر يومي مباشر لإنتاج الضجيج والتوتر. ومن هذا المنطلق، لا يكفي الاكتفاء بتفعيل المقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لاستعمال «الكلاكسون»، بل لا بد من تعزيز المراقبة في النقط التي يتكرر فيها الاستعمال المفرط، مع إدراج هذا السلوك ضمن برامج التحسيس بالسلامة الطرقية، بدل حصر التوعية في احترام إشارات المرور، ومراقبة السرعة، وربط حزام السلامة. وعلاوة على ذلك، لا ينبغي أن تتحول المبادرات والحملات التحسيسية إلى مجرد حملات موسمية، بل يتعين أن تندرج ضمن سياسة عمومية مستدامة تهدف إلى ترسيخ ثقافة احترام الفضاء العام، وإدراك أن الطريق ليس ملكا حصريا للبعض، وأن حرية التنقل لا تعني اطلاق اليدين لإزعاج الآخرين. كما أنه يمكن بالمناسبة اتخاذ ثلاثة اصناف من الإجراءات تبدو ذات أهمية كبرى في هذا الإطار متمثلة في إجراءات قانونية، إجراءات تقنية وإجراءات توعوية. 1- الاجراءات القانونية: تتعلق هذه الاجراءات بتطبيق الغرامة المنصوص عليها ضمن مقتضيات مدونة السير في حق: – من يستعمل “الكلاكسون” بشكل عشوائي؛ – سائقي طاكسيات الأجرة الذين، ما إن يتراءى لهم زبون محتمل، حتى يتوقفون بدون سابق إنذار، غير آبهين ولا مكترثين لما يمكن أن يقع؛ – السائق الذي يتوقف بعد ان يتجاوز إشارات المرور وينتظر تلقي التنبيه من الخلف للانطلاق.
2- الإجراءات التقنية: يمكن ان تتمثل هذه الاجراءات في: – إعادة النظر في الشروط التقنية لتعلّم السياقة من خلال الاعتماد على محتويات تسمح بامتلاك الكفاءة اللازمة، بدل الاقتصار على تعليم «تكتيكات» القيام ببعض الحركات «المحنٌَطة»، من قبيل كيفية ركن السيارة، أو الرجوع إلى الخلف أو القيام بدورة وسط الطريق. كما ينبغي العمل على ضمان اجراء امتحان السياقة بعيدا عن اللجوء إلى الوساطة أو الطرق المشبوهة للحصول على رخصة السياقة؛ – تعديل خصائص «الكلاكسون» تقنيًا، حتى يتحول إلى مُصدر أصوات تنبيهية لطيفة، خفيفة الظل، أو على الأقل معتدلة، بدل إصدار أصوات تجسد التنفير والاستفزاز والقبح والتخلف؛
3- الإجراءات التوعوية: تهدف هذه الإجراءات الى تغيير الثقافة المرورية، على اعتبار أن مسؤولية السلطات والمصالح المكلفة بالسير تظل محدودة الأثر ما لم يواكبها وعي جماعي بأن احترام القانون لا يرتبط بالخوف من وجود شرطي في الشارع أو الدركي في الطريق، بل يبدأ من نضج ووعي المواطن. حينئذ نستطيع أن نحلم بشوارع وأزقة وطرق أقل ضجيجا وتوترا، واكثر تسامحا وايخاءا، ليس بفضل منع «الكلاكسون»، بل بفضل تحول مستعملي الطريق إلى مواطنين واعين بضرورة عدم فصل حقوقهم عن واجباتهم وعن حرية وراحة الآخرين. لكن في غياب ذلك، قد تزداد نسبة الأمراض النفسية ونسبة الوفيات بسبب حوادث السير. إن حوالي 49 في المائة من المغاربة الذين يزيد سنهم عن 15 سنة يعانون او عانوا من اضطراب نفسي. وقد تعمقت هشاشة الصحة النفسية للمغاربة بسبب جائحة “كورونا”، ومعها تزايدت أمراض الاكتئاب والقلق، علما ان نسبة العلاج من الأمراض النفسية لا تتجاوز 15%. وهذا الوضع المتأزم هو الذي دفع السلطات الصحية المغربية مع بداية شهر ستنبر 2026 الى اطلاق مخطط الصحة النفسية 2030. اما بالنسبة لحوادث السير، فقد عرفت بدورها ارتفاعا مهولا، اذ بلغ عدد الضحايا سنة 2025: 4577 شخصا، بارتفاع تجاوز 25% مقارنة مع سنة 2024. ومن زاوية المقارنة، فعدد ضحايا حوادث السير في فرنسا الميتروبولية لم يتجاوز 3264 قتيلا، علما أن 40 مليون سيارة تجوب شوارع وطرق فرنسا، مقابل 4,7 مليون مركبة فقط في المغرب.
المقالة نحن و”الكلاكسون” fمنشورة على جريدة الصباح.
مشاهدة نحن و rdquo الكلاكسون rdquo
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نحن و الكلاكسون قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريدة الصباح ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، نحن و”الكلاكسون”.
في الموقع ايضا :
- Brigadier general Saree announces the striking of King Khalid Airport in Riyadh and the targeting of the oil pumping stations (East – West) with two strategic operations
- هل تمطر في صنعاء اليوم؟ تفاصيل الطقس ودرجات الحرارة في المحافظات اليمنية
- The Repercussions of the Strikes in the Depth… A Collective Decline in the Saudi Stock Market Indicators
