قد تتحول مسألة فنية تتعلق بحصة صيد سنوية إلى قضية اقتصادية وسيادية أوسع، عندما تتجاوز آثارها حدود القطاع المعني لتطرح أسئلة جوهرية حول عدالة القواعد الدولية، وتكافؤ الفرص بين الدول، وقدرة تونس على الدفاع عن مصالحها داخل منظومة اقتصادية دولية لا تتساوى أطرافها في الإمكانات والقدرات التفاوضية.
عبد الوهاب بن موسى
ويقدم الجدل المتعلق بحصة تونس من صيد الروبيان الأحمر (crevette rouge) في البحر الأبيض المتوسط مثالاً يستحق التوقف عنده. فبحسب المعطيات المتداولة، تبلغ الحصة المنسوبة إلى تونس لسنة 2026 نحو 36 طناً، فيما تشير أرقام أخرى إلى أن شهادات الصيد المسجلة بلغت 50.96 طناً. وتحتاج هذه الأرقام، وكذلك طبيعة الحصة والجهة التي أقرتها، إلى التثبت من القرارات الرسمية للجنة العامة لمصايد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط، والوثائق التونسية المختصة، وسجلات المصيد وشهادات الصيد. كما ينبغي التحقق من صحة ما نُسب إلى جهات إيطالية بشأن التحذير من قبول شحنات مرتبطة بكميات تتجاوز السقف المعتمد، بالرجوع إلى بيانات رسمية إيطالية أو أوروبية أو إلى مراسلات موثقة.
غير أن القضية لا ينبغي أن تختزل في سؤال واحد: هل احترمت تونس الحصة المحددة لها أم تجاوزتها ؟ فهذا سؤال مشروع يتطلب التثبت من المعطيات، ومحاسبة الجهات المسؤولة عن أي إخلال يثبت حصوله. لكنه ليس السؤال الوحيد، ولا ينبغي أن يحجب سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل تقوم الحصة المسندة إلى تونس على معايير علمية وموضوعية وعادلة، وهل تعكس فعلاً واقع نشاط أسطول الصيد الوطني وقدراته وتطوره ؟ ولا يمكن الجزم بذلك قبل الاطلاع على منهجية توزيع الحصص، والبيانات العلمية المعتمدة، ومحاضر وقرارات الجهة المختصة.
إن احترام القواعد الدولية واجب، لكن مراجعة تلك القواعد والطعن في نتائجها عندما تتوفر مبررات موضوعية حق مشروع أيضاً. ولا يجوز أن يتحول الالتزام بالاتفاقيات إلى قبول دائم بتوزيعات قد تكون غير ملائمة، أو إلى تنازل عن حق الدولة في المطالبة بمراجعة المعايير التي تؤثر مباشرة في مواردها ومداخيلها وفرص عمل مواطنيها.
عندما لا تعني المساواة في القواعد العدالة في النتائج
تستند إدارة المصايد البحرية المشتركة إلى ضرورة المحافظة على الثروة السمكية وضمان استدامتها. وهذه غاية مشروعة لا يمكن لأي سياسة مسؤولة أن تتجاهلها. فالموارد البحرية ليست ملكاً لجيل واحد، واستنزافها يهدد مستقبل الصيادين والاقتصاد الساحلي والأمن الغذائي.
لكن مشروعية الهدف لا تعني أن جميع طرق توزيع أعباء تحقيقه عادلة بالضرورة. فإذا كانت الحصص المحددة للدول تستند إلى بيانات تاريخية لا تعكس بصورة دقيقة حجم نشاط أساطيلها، أو إلى منهجية لا تأخذ في الاعتبار التغيرات التي عرفها القطاع، فإن النتائج قد تؤدي إلى تكريس تفاوتات تحتاج إلى مراجعة. ويظل هذا استنتاجاً تحليلياً يتطلب إثباته عبر نشر منهجية التوزيع، وسلاسل البيانات التاريخية، والتقييمات العلمية ذات الصلة. وإذا كانت القيود المفروضة على بعض الأطراف أشد أثراً بسبب محدودية بدائلها الاقتصادية، فإن العدالة تقتضي دراسة هذه الآثار دون المساس بمتطلبات المحافظة على المخزون السمكي.
ولا يعني ذلك أن تونس تستحق حصة أكبر لمجرد المطالبة بها. فزيادة الحصة يجب أن تستند إلى بيانات علمية موثوقة، وإلى تقييم حالة المخزون، ومقارنة موضوعية بين أنشطة الصيد والضغوط التي تتعرض لها الموارد البحرية. لكن من حق تونس، في المقابل، أن تطالب بالكشف عن المعايير المعتمدة، وبإتاحة البيانات التي بنيت عليها الحصص، وبمراجعة أي تقديرات لا تعكس واقعها بصورة كافية. فالمطلوب ليس استثناءً من القواعد، بل قواعد يمكن التحقق من عدالتها وتطبيقها على أساس علمي شفاف.
اتفاق الشراكة: ماذا تعني المعاملة بالمثل؟
دخل اتفاق الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في عام 1998، وفق ما تذكره مؤسسات الاتحاد الأوروبي والوثائق الرسمية ذات الصلة. وأصبح الاتفاق إطاراً أساسياً للعلاقات التجارية والاستثمارية بين الطرفين. وقد أتاح الاتفاق تحرير المبادلات الصناعية تدريجياً، في حين ظلت المنتجات الفلاحية والغذائية والسمكية خاضعة لترتيبات أكثر انتقائية، تشمل حصصاً وتسهيلات محددة. ويستحسن توثيق كل فئة من هذه الترتيبات بنصوص الاتفاق وملاحقه والبروتوكولات اللاحقة، لأن شروط النفاذ تختلف بحسب المنتج والفترة الزمنية.
وتتداول بعض المصادر أرقاماً تفيد بأن الاتحاد الأوروبي استحوذ سنة 2025 على 59.5% من المبادلات التجارية التونسية، واتجهت إليه 73.2% من الصادرات التونسية، فيما مثلت الواردات القادمة منه 49.6% من مجموع واردات تونس. غير أن هذه النسب تحتاج إلى تحديد مصدرها ومنهجية احتسابها، ولا سيما ما إذا كانت تستند إلى بيانات المعهد الوطني للإحصاء التونسي أو إلى قاعدة بيانات يوروستات أو إلى وزارة التجارة، وما إذا كانت تقيس التجارة السلعية فقط أم تشمل الخدمات، وما المقصود تحديداً بسنة 2025: بيانات سنوية نهائية أم تقديرات أو بيانات جزئية.
وتؤكد هذه المعطيات، إذا ثبتت واتضح نطاقها، أهمية السوق الأوروبية للاقتصاد الوطني، لكنها تكشف أيضاً حجم تعرض قطاعات تونسية عديدة للتغيرات التي تطرأ على شروط النفاذ إلى هذه السوق.
ولا يكفي، عند تقييم هذه العلاقة، الاكتفاء بمقارنة إجمالي الصادرات والواردات أو الاستناد إلى مبدأ المعاملة بالمثل في النصوص القانونية. فالتوازن الاقتصادي الحقيقي يقاس كذلك بطبيعة القيمة المضافة التي تحققها المبادلات، وعدد مواطن الشغل التي توفرها، وحجم نقل التكنولوجيا، وقدرة المؤسسات التونسية على تطوير منتجاتها، ومدى استفادة الجهات والقطاعات الداخلية من الفرص المتاحة. وهذه مؤشرات تحليلية تحتاج إلى بيانات قطاعية ودراسات أثر مستقلة، ولا يمكن استنتاجها من نسب التجارة وحدها.
إن المساواة القانونية بين طرفين لا تضمن وحدها تكافؤ قدرتهما على استغلال الاتفاق. فالمؤسسة الأوروبية التي تتوفر لها إمكانات تمويل وتسويق وتكنولوجيات متقدمة ليست بالضرورة في الوضع نفسه الذي تعيشه مؤسسة تونسية صغيرة تواجه صعوبات النفاذ إلى التمويل، وتكاليف المطابقة، وشروط التتبع والتصدير. ويحتاج هذا التوصيف إلى دعم ببيانات عن التمويل، وتكاليف المطابقة، وحجم المؤسسات، ومؤشرات الإنتاجية والتصدير.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى شراكة أكثر توازناً لا تعني رفض التعاون مع أوروبا، بل المطالبة بتطويره حتى لا يظل مجرد إطار لتحرير المبادلات، وإنما يتحول إلى أداة لبناء قدرات إنتاجية تونسية أكثر تنافسية.
من إدارة الأزمة إلى مراجعة منهجية الحصص
تكتسب قضية الروبيان الأحمر (crevette rouge) أهمية خاصة لأنها تضع تونس أمام اختبار عملي لقدرتها على الدفاع عن مصالحها داخل الهيئات الإقليمية المختصة، شريطة التثبت أولاً من النوع العلمي المعني، والاسم الرسمي للمخزون، والجهة التي تملك صلاحية تحديد الحصة.
فاللجنة العامة لمصايد الأسماك في البحر الأبيض المتوسط، التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، تضطلع بدور أساسي في وضع تدابير إدارة الموارد السمكية المشتركة. وتستند هذه التدابير إلى اعتبارات علمية وتنظيمية تهدف إلى المحافظة على المخزونات البحرية. وينبغي الرجوع إلى الموقع الرسمي للجنة، وقراراتها وتوصياتها، وتقارير لجانها العلمية، لتحديد ما إذا كانت الحصة المذكورة لتونس صادرة عنها مباشرة أم عن جهة وطنية أو إقليمية أخرى.
غير أن وجود إطار متعدد الأطراف لا يعفي الدول الأعضاء من تقييم نتائجه، ولا يمنعها من المطالبة بتطوير آليات اتخاذ القرار وتوزيع الحصص.
وإذا كانت تونس ترى أن الحصة المسندة إليها لا تعكس بصورة دقيقة المعطيات الوطنية، فإن مسؤوليتها تقتضي تقديم ملف علمي متكامل يتضمن بيانات المصيد التاريخي، وتطور نشاط الأسطول، ومؤشرات حالة المخزون، ومقارنات موثقة مع بقية الدول المعنية.
وفي المقابل، تقتضي عدالة الإطار المشترك أن تخضع هذه البيانات للفحص العلمي المستقل، وأن تكون منهجية احتساب الحصص واضحة وقابلة للمراجعة، وأن تتاح لتونس فرصة فعلية لعرض حججها ومناقشتها قبل اتخاذ قرارات تترتب عنها آثار اقتصادية كبيرة. ويتطلب إثبات ذلك الاطلاع على قواعد الإجراءات، ومحاضر الاجتماعات، والتقارير العلمية، والقرارات النهائية ذات الصلة.
كما ينبغي التمييز بين مسألتين مختلفتين: عدالة الحصة المقررة، ومدى احترامها بعد إقرارها. فإذا ثبت تجاوز السقف المعتمد، وجب توضيح المسؤوليات واتخاذ الإجراءات المناسبة. أما إذا ثبت أن الحصة نفسها لا تستند إلى تقدير دقيق أو إلى توزيع منصف، فإن معالجة التجاوز وحدها لن تحل أصل المشكلة. ولا يمكن استخدام عبارات مثل «ثبت» أو «تجاوز» إلا بعد مقارنة سجلات المصيد الفعلية بالشهادات الصادرة وبالحصة القانونية، مع تحديد الفترة والجهة المختصة بالتسجيل.
ولا يجوز أن تتحول صعوبات التثبت أو التأخر في مراجعة البيانات إلى مبرر لتجاهل الالتزامات القائمة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يؤدي احترام تلك الالتزامات إلى إغلاق باب مراجعة القواعد التي يثبت عدم ملاءمتها.
مسؤولية تونس تبدأ من الداخل
لا يمكن الدفاع عن المصالح الوطنية بالاعتراض على القواعد الخارجية وحدها. فالمصداقية التفاوضية تبدأ من جودة البيانات الوطنية، ونجاعة منظومة الرقابة، ووضوح المسؤوليات داخل الإدارة، وقدرة المؤسسات على إصدار شهادات دقيقة تعكس حقيقة عمليات الصيد.
وإذا ثبت وجود تجاوزات في الكميات المصادق عليها أو في شهادات الصيد، فإن الأمر يستوجب تحديد كيفية حصولها، ومراجعة إجراءات الرقابة، وتحديد المسؤوليات الإدارية والفنية وفقاً للمعطيات المثبتة. ويتطلب ذلك الرجوع إلى تقارير التفقد أو التدقيق، وسجلات المصيد، وإجراءات إصدار الشهادات، وأي نتائج رسمية للتحقيق.
كما يتعين وضع منظومة متابعة دورية تسمح بمعرفة حجم المصيد مقارنة بالحصة المسموح بها، وتمنع استمرار العمليات بعد بلوغ السقف القانوني، وتضمن سلامة الوثائق المصاحبة للصادرات.
إن قوة الموقف التونسي في المحافل الدولية لا تتعارض مع المحاسبة الداخلية، بل تستند إليها. فالدولة التي تثبت قدرتها على مراقبة قطاعها وتوفير بيانات موثوقة تكون أقدر على الدفاع عن مصالحه وإقناع شركائها بضرورة مراجعة أي توزيع غير ملائم.
ويجب كذلك ألا تتحمل المؤسسات الصغرى والصيادون وحدهم كلفة اختلالات قد تكون مرتبطة بضعف منظومة المتابعة أو بتأخر اتخاذ القرار. فالمعالجة العادلة تقتضي تحديد المسؤوليات، وحماية الحقوق المشروعة، وتجنب العقوبات الجماعية التي تتجاوز نطاق المخالفة المثبتة.
نحو شراكة تقاس بنتائجها
إن مراجعة العلاقة الاقتصادية بين تونس والاتحاد الأوروبي تقتضي الانتقال من التعامل مع كل أزمة باعتبارها حادثة منفصلة إلى اعتماد تقييم دوري لنتائج الشراكة، قطاعاً بقطاع.
وينبغي أن يشمل هذا التقييم شروط النفاذ إلى الأسواق، والحصص الممنوحة للمنتجات الفلاحية والسمكية، وكلفة المطابقة، والعوائق الفنية، ونقل التكنولوجيا، والاستثمار المنتج، وفرص التشغيل، ومدى استفادة المؤسسات التونسية من القيمة المضافة المتولدة عن المبادلات. ويتطلب تقييم هذه العناصر مؤشرات منشورة ودراسات أثر قابلة للمراجعة، لا مجرد انطباعات عامة.
كما يتعين تعزيز القدرة التفاوضية لتونس عبر تنسيق مواقف الوزارات والهياكل الفنية والمهنة، والاستعانة بالخبرة العلمية والقانونية والاقتصادية، وإعداد ملفات موثقة قبل الاجتماعات الدولية، بدل الاقتصار على التحرك عند اندلاع الأزمات.
ويمكن أن تكون قضية الروبيان الأحمر (crevette rouge) مناسبة للمطالبة بمراجعة شفافة لمنهجية توزيع الحصص، وتحديد جدول زمني واضح لدراسة البيانات التونسية، وإقرار آلية دورية لإعادة تقييم الحصص على أساس علمي، مع ضمان استدامة الموارد البحرية. وتظل هذه المقترحات رهينة بمدى اختصاص الجهة المعنية وبما تسمح به القرارات والاتفاقيات النافذة.
أما على مستوى اتفاق الشراكة، فإن المطلوب هو حوار اقتصادي أكثر عمقاً حول التوازن الفعلي للمنافع والأعباء، وحول الآليات التي تسمح بتقليص الفجوات في القدرات الإنتاجية والتكنولوجية، وتحويل التعاون التجاري إلى رافعة للتنمية لا مجرد قناة لتبادل السلع.
إن تونس لا تحتاج إلى مواجهة شكلية مع شركائها، كما لا تحتاج إلى قبول سلبي بكل ترتيب قائم. ما تحتاج إليه هو سياسة تفاوضية واضحة، تقوم على المعرفة الدقيقة بالحقوق والالتزامات، وعلى القدرة على إثبات الاختلالات واقتراح حلول قابلة للتنفيذ.
فالهدف ليس الحصول على امتيازات غير مبررة، بل ضمان ألا تتحول الفوارق الاقتصادية أو المنهجيات غير الملائمة إلى أعباء دائمة على الاقتصاد الوطني.
إن احترام القواعد الدولية أساس للتعاون، لكن عدالة هذه القواعد وشفافية تطبيقها شرطان لاستدامته. والشراكة المتوازنة ليست تلك التي يلتزم فيها الطرف الأضعف بالقواعد فحسب، بل تلك التي يمتلك فيها أيضاً القدرة الفعلية على مناقشتها ومراجعتها والدفاع عن مصالحه في إطارها.
ظهرت المقالة تونس والاتحاد الأوروبي : عدالة القواعد شرط لشراكة متوازنة أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة تونس والاتحاد الأوروبي عدالة القواعد شرط لشراكة متوازنة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تونس والاتحاد الأوروبي عدالة القواعد شرط لشراكة متوازنة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تونس والاتحاد الأوروبي : عدالة القواعد شرط لشراكة متوازنة.
في الموقع ايضا :
- نهى بكر: مصر درع المنطقة العربية والتحرك المصري لحماية أمن الخليج دفاع عن المصالح الاستراتيجية للدولة
- إغلاق «مدى مصر» يفجّر انتقادات سياسية وإعلامية: السيسي يغلق المواقع الصحفية وترقب ل”دفاع” ضياء رشوان؟!
- الشيخ : التدوير أمام الشمال ليس بهذه الطريقة .. والداود: يعني نظرة الهلال في الاستقطابات ضعيفة؟ .. فيديو
