حكومة بلا همزة.. ..اخبار محلية

جريدة الصباح - اخبار محلية
حكومة بلا همزة..

هكذا استقبلت بعض الأحزاب أول امرأة تترأس الحكومة في تاريخ المغرب، لا بسؤال عن الأرقام، بل بمجهر يفحص الحروف، وعدسة تحصي التحايا على الخد، ومسطرة تحدّد أمكنة تغطية الرأس من عدمها.

صعدت إلى المنصة وفي يدها مشروع مجتمع لخمس سنوات، تتحدث عن المدرسة، عن السكن، عن الأمازيغية، عن الدولة الاجتماعية.

    وفي القاعة معارضة تنصت بانتباه شديد، لا إلى الأرقام، بل إلى مخارج الحروف، تفتّش بين الشفتين عن همزة ضائعة كمن يفتّش عن خاتم سقط في الرمل.

    القصة بدأت قبل أن تتشكّل الحكومة أصلاً. ففي 2 أكتوبر 2026، حين كان المغاربة ينتظرون أسماء الوزراء الذين سيدبّرون شأنهم، كان «منتدى الأخلاقيات والقيم» عاكفاً على الصور والفيديوهات بدقّة مختبر للطب الشرعي، ليخلص إلى أن رئيسة الحكومة المكلّفة تبادلت التحية على الخد مع فاعلين حزبيين، في سلوك «يخدش حياء الأسر المغربية».

    والبوسان عندنا، لمن لا يعرف، ليس بدعة وافدة، بل هو البروتوكول الوطني غير المكتوب، يُمارَس في الأعراس والجنائز والمطارات والمحطات الطرقية. لكن المنتدى خرج دفاعاً عن «الأعراف المغربية» في مواجهة أعرق الأعراف المغربية.

    ثم صعد المنتدى من الخد إلى الرأس، فلاحظ، بعين لا تفوتها شاردة، أن السيدة ظهرت عارية الرأس في الاستقبال الملكي، ثم غطّته عند زيارة ضريح محمد الخامس، واعتبر ذلك «مفارقة تستدعي الملاحظة». وهي مفارقة لا يستغربها إلا من لم يرَ في حياته مغربية تُخرج منديلها من حقيبتها عند باب الضريح وتعيده إليها عند الخروج.

    ويوم تقديم البرنامج الحكومي، انتقلت المعركة من الوجه إلى الحنجرة. وقفت ريم شباط، رئيسة الفريق الاستقلالي، عفواً الحركي، لتنتقد طريقة إلقاء رئيسة الحكومة. فجاء الرد بمراكشية خالصة: «أنا المغاربة ما صوتوش عليا باش نقول الهمزة ولا ما نقولهاش»، مع تذكير بأن أهل مراكش لا يقولون «شيماء» بل «شيما». وتردّد المعنى ذاته على لسان معارض من تحالف اليسار. وهكذا صار للهمزة حزبان، يميني ويساري، اتفقا على الحرف واختلفا على كل شيء آخر.

    إذا كانت الهمزة قد وجدت من يطاردها، فإن الأمازيغية وجدت هي أيضاً من يحاسبها. فقد اندهش بنجلون، نائب اليسار الاشتراكي، من أن تخصص الحكومة مليارين من الدراهم للأمازيغية، كأنّ الحكومة تتصدّق عليها من جيبها، وكأنّ اللغة الأم لملايين المغاربة ليست حقاً دستورياً تأخّر تنفيذ الالتزامات القانونية المتعلقة به سبع عشرة سنة.

    في مقام آخر، لم يفهم السيد النائب ما قاله أكبر النواب سناً تحت القبة بالحسانية، حتى شعر أنه في «دولة مجاورة». هكذا، بجملة واحدة، حقق النائب الذي يقال عنه المحترم ما يتمنّاه خصوم وحدتنا الترابية منذ نصف قرن، فقد نقل الحسانية إلى خارج الحدود، من تحت قبة البرلمان المغربي نفسه. لكن من دون أن يخبرنا أيّ دولة مجاورة يقصد

    عرشان، فقد جاء بمعارضة لم نسمع بها، ووظيفة لم يعرفها فقه الرقابة البرلمانية من قبل، وهي محاسبة رئيسة الحكومة على الكادراج. فقد عاب على فاطمة الزهراء أنها لم تُظهره في الشاشة إلى جانب السي خشيشن ووهبي وزير العدل. كأن رئيسة الحكومة مصوّرة في قسم الأخبار بالقناة الأولى، تحمل الكاميرا على كتفها، وتجلس في غرفة المونتاج تقرر من يدخل الإطار ومن لا يدخل. ولا نستبعد أن يُسائلها في الدورة المقبلة عن زاوية الإضاءة ولون الخلفية.

    إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس فريق العدالة والتنمية، فكانت مؤاخذته الأولى أن وزير المالية لم يختم مشروع قانون المالية بـ«صدق الله العظيم»، كأن قانون المالية سورة تُتلى لا أرقام تُناقش. ولمّا لم يجد في هموم المغاربة ما يقوله، شدّ الرحال بخطابه إلى فلسطين، يخاطب الفلسطينيين الذين لم ينتخبوه. وكأنه مؤمن بأنه «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، فاختار أن يخاطب السيدة فاطمة الزهراء، في جلسة 22 أكتوبر، مرتين بـ«السيد الرئيس».

    نصّب نفسه حارساً للعربية الفصحى، يذود عنها في وجه رئيسة الحكومة، ويعاتبها لأنها أضافت ألفاً ممدودة إلى «الهوية». والطريف أنه يلقي مرافعته هذه بدارجة مغربية صافية، فالفصحى عنده كربطة العنق، تُفرض على الحكومة ويُعفى منها لسانه. يحرس لغة لا يتكلمها، ويتكلم لغة لا يعترف بها، كمن يخطب في فضل الصيام وفي فمه لقمة من المسمّن بالخليع الفاسي.

    السي هش بش، كانت معارضته شرسة: شغله الشاغل أن يعرف من يتقاضى الـ 5000 درهم، الزوج أم الزوجة، وبمرجعية الفصل 19 من الدستور قبل أن يطالب برفعها إلى 6000 درهم، انسجاماً مع تسعيرة عبد الرحمان الكومنجي الذي سينشط اعراس المغاربة

    هكذا اكتمل المشهد، معارضة تطارد همزة هاربة، وحكومة تستردّ تاءً مربوطة مسلوبة، وبرلمان تحوّل إلى حصة في النحو والصرف.

    في خضمّ هذه الملحمة الحرفية، مرّ في صمت تقريباً ما كان يستحق كل الضجيج، هدف تحقيق نموّ سنوي بـ 5 في المائة، و390 مليار درهم من النفقات، و50 ملياراً لالتزامات الحوار الاجتماعي، وملياران لتسريع ترسيم الأمازيغية، ووعد بتقليص الفوارق المجالية. وهذه ليست تفاصيل تقنية، بل ملامح مغرب تريد رئيسة الحكومة أن تبنيه.

    أمام هذا الجهد الرقابي الاستثنائي الذي انخرطت فيه المعارضة، نقترح عليها، بكل جدية ساخرة، أن تتكفّل بما يلي:

    إحصاء القبلات العمومية في المشاورات السياسية، مع التمييز بين القبلة الرباطية (اثنتان) والفاسية (أربع) والريفية (منعدمة) والانتخابية (حسب الحاجة). رصد الهمزات المفقودة في الخطب الرسمية، وإحالتها على مصلحة المفقودات بمجلس النواب. قياس مساحة القماش على رؤوس الوزيرات والبرلمانيات، بالسنتيمتر المربع وحسب المناسبة. تعيين حَكَم لغوي في كل جلسة، يرفع البطاقة الصفراء عند كل همزة ساقطة، والحمراء عند كل تذكير لمؤنث. إصدار تقرير سنوي عن «حالة التأنيث في البلاد». تشكيل لجنة لتقصّي الحقائق حول ملابسات اختفاء الهمزة، مع الاستماع إلى الحروف المجاورة بصفتها شهوداً. جمع التوقيعات لإسقاط الحكومة وإسنادها إلى المهلهل.

    أما البطالة والغلاء والهدر المدرسي وأزمة السكن، فملفات ثانوية تُناقَش، إن بقي وقت، بعد الفراغ من الأولويات اللغوية والأخلاقية… بعد العثور على الهمزة طبعاً.

    الهمزة عند المغاربة ليست حرفاً يسقط من الكلمة فحسب، بل «همزة»: صفقة رابحة، وفرصة سانحة، وغنيمة تُقتنص قبل أن يراها غيرك. ومن هنا ربما مصدر القلق الحقيقي. فحكومة المنصوري لا تبحث عن همزة في النحو ولا عن همزة في السوق، بل عن حقوق المغاربة الضائعة. فالهمزة قد تسقط من الكلمة دون أن يتضرر أحد، أما خدمة مصالح المجتمع فلا يجوز أن تسقط، لأنها أمانة أُسندت إلى حكومة فاطمة الزهراء المنصوري.

    أحمد زاهد، كاتب وإعلامي

    المقالة حكومة بلا همزة.. fمنشورة على جريدة الصباح.

    مشاهدة حكومة بلا همزة

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حكومة بلا همزة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريدة الصباح ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حكومة بلا همزة...

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار