yemenat
يمنات
فارس العليي
أكتب إليكم اليوم من تلك المنطقة الهشّة والنافذة التي يقف فيها التأمل على تخوم الوعي والعدم.
منذ وقت طويل، وجدت نفسي أمام شظايا معرفية متناثرة: قراءات مطوّلة في بعض كتب التاريخ والأديان، وتأملات في النصوص السماوية والوضعية حول لحظة الخلق الأولى، واستعادة لحكايات العجائب والمخلوقات الأسطورية التي طالما صُنّفت ضمن الخرافات، قبل أن تكشف الاكتشافات الأثرية والحفريات عن وجود مخلوقات وهياكل عملاقة سكنت هذه الأرض في عصور سحيقة. وحتى عوالم السينما العالمية، مثل سلسلة أفلام «سيد الخواتم»، أسهمت في تعميق هذه الأسئلة وإثارة طبقات جديدة من التفكير في أعماق تلك المعرفة.
لم تكن هذه المعارف مجرد معلومات أستحضرها لتمضية الوقت، بل تحولت مع تراكمها إلى منظومة من الدلالات والرموز؛ لغة بصرية وفكرية أتفاعل من خلالها مع الأساطير والملاحم والعوالم الفانتازية والكائنات الخارقة التي تتوزع بين العتمة والنور.
ومع مرور الوقت، بدأت أشعر بوجود خيط خفي يربط بين سرديات الجن والمردة والشياطين في النصوص الدينية، وبين الانشقاق الأزلي الذي تصوره الملاحم والأساطير الحديثة؛ حيث تنبثق كائنات النور والقوة من أصل واحد، ثم تتباين مصائرها بفعل الاختيار والغيرة والرغبة في السيادة. فمنها ما يختار الانتماء إلى النور، ومنها ما تدفعه الغيرة إلى التمرد، فيتخذ من الظلام هوية وموقفاً وجودياً.
من هذه المتاهة المعرفية، ومن هذا التشاكل والاشتباك بين السينما والأساطير وكتب القدماء وكذلك الكتب السماوية، وبين العلم الحديث الذي يعيد تفسير كثير مما كان غامضاً أو غيبياً، وُلدت لديّ رغبة في جمع هذ الشظايا داخل مقال واحد. لتقديم سرداً متتابعاً لها، بل أيضا لأخوض محاولة تأملية عميقة في فكرة الخلق، وفي المسافة التي تفصل الإنسان عن القوة الكبرى التي أوجدته.
السينما والميثولوجيا وعلم الآثار
حين نتأمل الملاحم السينمائية الكبرى ترى خريطة الشظايا، مثل عوالم تولكين في “سيد الخواتم” ومسلسل “حلقات القوة”، فإننا لا نتابع مجرد حكايات ترفيهية، بل نشاهد إسقاطات بصرية ودرامية لأسئلة الوجود الكبرى.
فالفالار والمايار وقوى الظلام، التي تنتمي إلى أصل كوني واحد قبل أن تتمايز في صفاتها ومواقفها وأخلاقها، تستحضر إلى أذهاننا قصصاً مؤسسة في الأديان السماوية عن الكائنات الأولى، وعن المقربين الذين انقلبوا على العهد بفعل أسئلة السيادة والحرية والتمرد.
لكن ما يثير الدهشة حقاً هو أن كثيراً من هذه التصورات الأسطورية لم تنشأ بالضرورة من فراغ. فعندما تكشف الحفريات الأثرية عن بقايا كائنات ضخمة ومخلوقات غابرة، أو حين تظهر آثار مدن وحضارات طواها الزمن، نجد أنفسنا أمام أسئلة جديدة حول العلاقة بين الذاكرة الإنسانية والأسطورة والتاريخ الطبيعي. وليس المقصود أن هذه الاكتشافات تثبت بالضرورة صحة الحكايات القديمة، بل إنها تفتح مجالاً للتأمل في الكيفية التي تشكلت بها تلك الحكايات، وفيما إذا كانت بعض صورها قد استمدت شيئاً من مشاهدات الإنسان القديم للطبيعة والوجود.
والأسطورة لم تكن دائماً كذبة متعمدة، بل ربما كانت إحدى اللغات الأولى التي حاول الإنسان من خلالها تفسير عظمة الكون وغموضه، قبل أن تأتي المناهج العلمية لتعيد قراءة الظواهر وتفكيك أسرارها. لم يكن الإنسان القديم ينسج الحكايات عبثاً؛ – إذا افترضنا ذلك- بل كان يحوّل دهشته وخوفه أمام الطبيعة إلى سرديات تمنح المجهول شكلاً ومعنى، وتصوغ من رهبة الوجود عوالم تستطيع روحه استيعابها.
من هنا، لا تبدو الأسطورة مجرد نقيض للعلم، بل يمكن النظر إليها بوصفها مرحلة مبكرة من محاولات الإنسان لفهم العالم، وإن اختلفت أدواتها وطرائقها عن أدوات المعرفة الحديثة.
من العيان المباشر إلى حجاب العلم أين ذهبت المسافة؟
في البدايات الأولى للوجود، كما تصورها النصوص السماوية، كانت العلاقة بين الخالق ومخلوقاته قائمة على حضور مباشر؛ كان آدم يتلقى الكلمات، وكانت صلته بالسماء حية وقريبة، دون الحواجز المعرفية والتأويلية التي أصبحت تحكم علاقة الإنسان المعاصر بعالم الغيب؛ ذلك العالم الذي بات العقل الحديث يجد صعوبة في استيعاب بعض تجلياته، ومنها المعجزات التي أيّد الله بها عيسى عليه السلام، وما ارتبط بها من مظاهر خارقة للمألوف تتجاوز حدود التفسير المادي المعتاد.
لكن ومع تطور الحياة، واتساع مدارك الإنسان، واكتشافه مكنونات الطبيعة وقدرته على تطويعها بالعلم والمعرفة، حدث تحول عميق في طبيعة علاقته بالوجود.
فكلما تقدم الإنسان في بناء حضارته، وكلما استطاع تفكيك أسرار المادة والكون من خلال المناهج العلمية، بدا وكأنه يبتعد تدريجياً عن ذلك التصور المباشر للعالم الغيبي، وتتسع المسافة بين ما يستطيع إدراكه بحواسه وما يتطلع إلى معرفته وراء حدودها.
لقد أزاح العلم الحديث، بما امتلكه من أدوات وقوانين رياضية وفيزيائية، كثيراً من الضباب الذي أحاط بالظواهر الطبيعية. لكنه، في الوقت نفسه، غيّر الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى المجهول. فما كان يُتصور في الماضي كائنات حية فاعلة في المشهد اليومي للبشر، كآلهة ومخلوقات كونية وجن ومردة، أصبح يُقرأ في كثير من التصورات الحديثة بوصفه رموزاً نفسية، أو استعارات ثقافية، أو انعكاسات في اللاوعي الجمعي.!
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: لقد ربح الإنسان مساحة هائلة من المعرفة، لكنه ربما خسر شيئاً من حميمية التصور الأول للوجود؛ ذلك الشعور بأن العالم ليس مجرد مادة صامتة، بل فضاء مفعم بالأسرار والمعاني والحضور.
ولعل السؤال ليس ما إذا كان العلم قد ألغى الغيب، بل كيف غيّر علاقتنا به، وكيف أعاد تشكيل المسافة بين الإنسان وما يتجاوز حدود إدراكه.
في مأزق الوجود، صراع النور والظل داخل الإنسان
اليوم، ونحن نعيد النظر في هذه الأفكار المتناثرة، ندرك أن السؤال لم يعد متعلقاً بماضٍ سحيق أو بعوالم أسطورية بعيدة، بل بما يحدث داخل الإنسان نفسه.
لماذا إذاً تتكرر حكاية السقوط والانشقاق في كل عصر؟
ولماذا ينتقل الإنسان، أو الكائن، من رحاب النور إلى وحشة الظلام، حين تعميه الغيرة أو تدفعه الرغبة في الاقتراب من المطلق إلى تجاوز حدوده؟
وهل يكمن جوهر الصراع في الرغبة بالسيادة، أم في رفض الاعتراف بالحدود، أم في تلك اللحظة التي تتحول فيها الحرية من قدرة على الاختيار إلى رغبة في التمرد على الأصل؟
ربما لا تحمل هذه الأسئلة إجابات نهائية، لكنها تفتح نافذة لفهم جانب من طبيعة الإنسان وصراعاته الداخلية.
هذا المقال ليس إجابة جاهزة، بل محاولة مستمرة لإعادة تركيب المرآة المكسورة؛ لفهم كيف تبدلت تصوراتنا عن الكائنات ووظائفها، وكيف تحول النور والظلام من صورتين كونيتين إلى خيارين أخلاقيين ووجوديين، وكيف لا يزال الإنسان، رغم كل ما بلغه من تقدم علمي، يبحث في أعماقه عن الأسطورة القديمة، لا ليستعيد ماضيها بالضرورة، بل ليستعيد شيئاً من سحرها وقدرتها على منح الوجود معنى.
الإنسان بين رماد الأرض وضوء النجوم
ربما يكون هذا هو قدر الإنسان الحديث، أن يعيش في المنفى الجميل لمعرفته؛ مبصراً بأشياء لم يكن أسلافه قادرين على رؤيتها، لكنه يظل عاجزاً عن ملامسة ذلك المجهول الذي طالما شعر بقربه.
لقد ظننا أن العلم، حين أزاح الأساطير جانباً وفكك كيمياء الطبيعة، سيمنحنا الطمأنينة الكاملة. فإذا به يضعنا أمام أسئلة أكثر اتساعاً، ويتركنا أحياناً في مواجهة وحشة العقل الخالص، نتلمس في عتمة معرفتنا حنيناً عميقاً إلى تلك الحوارات الأولى التي جمعت آدم بالسماء.
وحين تنكشف أمامنا آثار المخلوقات الغابرة تحت طبقات الأرض، أو تتردد أصداء الملاحم والأساطير في نتف و معثورات و في ذاكرتنا، فلعلنا نكون، في جوهر الأمر، نبحث عن الأصل؛ عن تلك اللحظة التي لم يكن فيها الإنسان مجرد كائن يحسب ويحلل، بل كائناً يشارك الوجود دهشته، ويشعر بأنه جزء من سر الخلق.
إن الصراع بين النور والظلام، وبين السقوط والسمو، لم ينتهِ في السجلات القديمة، ولم يُحسم حتى في العوالم الخيالية التي ابتكرتها الحكايات و السرديات مثل عالم جي آر تولكين. إنه صراع يتجدد كل يوم داخل الإنسان، في قراراته ومخاوفه ورغباته، وفي الطريقة التي يختار بها موقعه من العالم.
وفي كل مرة ينجح فيها الإنسان في أن يستخرج من العدم شيئاً جديداً، أو يعيد تشكيل ما تهدّم، فإنه يمارس شكلاً من أشكال الخلق الإنساني؛ سواء أكان ذلك بإعادة بناء مدينة من رماد، أم بنحت حكاية، أم بابتكار عمل فني بلغة رمزية تلامس الروح.
إننا لا نكتب الأساطير هرباً من الواقع، بل نحاول من خلالها أن نستعيد المعنى الذي قد تسلبه منا قسوة الواقع ورتابة التفسير المادي. نكتبها لأن في داخلنا حنيناً إلى الأصل، وإلى ذلك الصوت الأول الذي لم تكف الذاكرة الإنسانية عن البحث عنه.
وكأننا، في نهاية المطاف، نريد أن نقول للقوة الكبرى التي أوجدتنا وتركتنا نتأمل صمت الكون “نحن هنا… ما زلنا نتذكر الصوت الأول، وما زلنا، بالحب والخيال، نقاوم غيمة الظلام”.
yemenat
مشاهدة ما بين الصوت الأول وصمت الكون هل أدى اتساع المعرفة الإنسانية إلى تعميق
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ما بين الصوت الأول وصمت الكون هل أدى اتساع المعرفة الإنسانية إلى تعميق فهمنا للوجود أم أنه أبعدنا عن الإحساس الأول بقداسته وغموضه قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ما بين الصوت الأول وصمت الكون.. هل أدى اتساع المعرفة الإنسانية إلى تعميق فهمنا للوجود، أم أنه أبعدنا عن الإحساس الأول بقداسته وغموضه؟.
في الموقع ايضا :
- L’ambassade d’Autriche en Tunisie célèbre sa fête nationale et réaffirme sa volonté de renforcer le partenariat avec la Tunisie
- قرار سعودي جديد يوقف السفر والتأشيرات من دولة إفريقية.. ما علاقة فيروس إيبولا؟ تفاصيل الإجراءات الجديدة
- عاجل: قائد الثورة الإسلامية: القوات المسلحة والشعب الإيراني سيحددان زمان انتهاء أي هجمات عسكرية أو إرهابية جديدة وظروفها
