الموارنة واليشوف: اللقاء (8/2) ..اخبار محلية

هنا لبنان - اخبار محلية
الموارنة واليشوف: اللقاء (8/2)

كتب Amine Jules Iskandar لـ”Ici Beyrouth“:

لقد عاصر أبناء هذا الجيل مرحلةً نُشرت فيها الأدلة السياحية الخاصة بلبنان باللغة العبرية، وقصد يهود فلسطين فنادق صوفر، وبرمّانا، ومصحّاتها، وفيلّاتها، بحثًا عن الانتعاش في فصل الصيف. كما رحّب أبناء هذا الجيل بحماسة بمشاريع التبادل بين الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة العبرية في القدس، وما رافقها من منشورات مشتركة، ومحاضرات، وندوات ومعارض.

    وكما وُجدت في الجماعة اليهودية تيّارات صهيونية وأخرى مناهضة للصهيونية تعارض إقامة كيان سياسي يهودي، شهد الموارنة بدورهم انقسامًا بين العروبيّين، الذين عُرفوا باسم الاندماجيين، (1) والموارنة ذوي التوجّه الغربي، الذين وُصفوا، على نحو خاطئ، بالانعزاليين.

    تبنّى العروبيّون الرؤى السياسية العربية الإسلامية، وعارضوا، نتيجة لذلك، اليشوف ومشروعه الوطني. أمّا الموارنة ذوو التوجّه الغربي، فتطلّعوا إلى لبنان بهوية خاصة، ومالوا بطبيعتهم إلى التقارب مع الجماعة اليهودية المنظّمة في فلسطين تحت اسم اليشوف، وإلى إقامة تحالف معها.

    وقد تشكّلت العلاقات بين اليشوف والموارنة إلى حدٍّ كبيرٍ بفعل هذا الانقسام بين الموارنة ذوي التوجّه الغربي والموارنة العروبيين. أمّا في الجانب اليهودي، فقد انقسم المسؤولون، بدرجة أكبر، بين المتفائلين والمتشكّكين.

    اليشوف

    كان دافيد بن غوريون أبرز ممثّلي التيار المتفائل. فقد أيّد التفاهم اليهودي الماروني، وشكّل واحدًا من أوائل القادة الذين تصوّروا إقامة تحالف مع لبنانٍ مسيحيٍّ، بل دعا صراحةً إلى إنشائه عام 1954. وأعلن منذ عام 1937: “لبنان هو الحليف الطبيعي ليهود أرض إسرائيل. وسيشكّل قرب لبنان من الدولة اليهودية المستقبلية مصدرًا لحليف وفيّ”.(2)

    وكان حاييم أرلوزوروف، مدير الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، من المتفائلين أيضًا، إذ ربطته علاقات وثيقة بالأوساط المارونية. وقد أوكل الملف اللبناني إلى إيلياهو إبستين، الذي عُرف لاحقًا باسم إيلياهو إيلات. وكان إبستين قد درس في الجامعة الأميركية في بيروت بين عامَي 1931 و1934، ولهذا عرف لبنان بشكل جيد، كما تعاطف مع الموارنة بشكل حقيقي، وهو ما عزّز تفاؤله.

    وضمّ هذا التيّار أيضًا فيكتور جاكوبسون، وهو مبعوث آخر من مبعوثي حاييم أرلوزوروف. ففي عام 1933، وفي أثناء وجوده في بيروت، تحدّث أمام شارل قرم وأعضاء جماعة الفينيقيين الشباب عن العلاقات التاريخية بين الملك حيرام الأول والملك سليمان بن داود، معتبرًا إيّاها تمهيدًا لتحالف حديث بين الشعبين.(3) وقد تأثّر شارل قرم بهذا الخطاب تأثّرًا عميقًا، فاختار لابنَيه اسمَيْ حيرام ودافيد.

    وأدّى اغتيال حاييم أرلوزوروف في تل أبيب، في حزيران 1933،(4) إلى تعيين موشيه شاريت، المعروف آنذاك باسم موشيه شيرتوك، خلفًا له. وكان شاريت أكثر تحفّظًا بكثير إزاء التقارب مع الموارنة، وعارض خصوصًا مشروع دايفيد بن غوريون الرامي إلى تشجيع إنشاء دولة مسيحية في لبنان متحالفة مع إسرائيل.

    وكان إيلياهو ساسون، المنحدر من دمشق، من المشكّكين أيضًا، إذ ظلّ معارضًا للتحالف مع الموارنة طوال الوقت. (5)

    وقد ترك تشكّك شاريت أثرًا طويل الأمد في العلاقات اليهودية المارونية، واستمرّ في التأثير في هذا التيار الفكري. وظهر هذا التوجّه في بعض التقارير الصهيونية التي صوّرت الموارنة على أنّهم معادون للسّامية بطبيعتهم،(6) واعتبرت أي تحالف معهم أمرًا غير واقعي من الناحية السياسية. بل وصفت بعض هذه التقارير تطلّعات الموارنة ذوي التوجّه الغربي بالمشاريع الواهمة، بل “الهستيرية”. (7)

    أمّا حاييم وايزمان، فقد أبدى بدوره تفاؤلًا وتأييدًا للتقارب، لكنّ النخب المارونية خيّبت أمله مرارًا، إذ عجزت عن الوفاء بالتزاماتها وتحويلها إلى خطوات ملموسة.

    الموارنة

    ضمّ التيار الماروني ذو التوجّه الغربي مثقّفين وسياسيين وعددًا من كبار رجال الدين، وفي مقدّمتهم البطريرك الماروني.

    وقد انتظمت هذه الشخصيات، التي رحّبت باليشوف، حول ثلاث دوائر مترابطة ترابطًا وثيقًا، تتشارك التوجّهات الثقافية والسياسية عينها:

    • الفينيقيون الشباب.

    • الكنيسة المارونية.

    • تيار إميل إدّه السياسي.

    واستمر التعاون بين هذه الأوساط الثلاثة، كما تداخلت عضوية أوساطها في كثير من الأحيان. وقد تمسّك أفرادها جميعهم بالإرث الفينيقي، ونظروا إلى لبنان كوطن مسيحي، بتوجّه غربي بحكم رسالته، وكصديق للشعب اليهودي.(8)

    وكما كتب ألبرت حوراني، لم يكن يُنظر إلى بلدهم بوصفه “الحدّ الغربي للعالم العربي الإسلامي، بل الحدّ الشرقي للمسيحية الغربية”. (9)

    وكانوا من النّاطقين بالفرنسية والمحبّين للثقافة الفرنسية، كما لم يتقْ كثيرون منهم العربية إلّا إتقانًا محدودًا. وهكذا، استخدم الرئيس إميل إدّه اللغة الفرنسية في إدارة شؤون الدولة، كما فعل البطريرك أنطونيوس عريضة أيضًا في إدارة شؤون الكنيسة. ولم يتزعزع تعلّقه بالثقافة الفرنسية قطّ، حتى خلال أشدّ الفترات توترًا في علاقته بسلطات الانتداب.

    وعرّف ألبرت نقاش إيلياهو إبستين، ممثّل الوكالة اليهودية، إلى هذه الدوائر المارونية الثلاث منذ عام 1931، بدءًا بجماعة الفينيقيين الشباب.

    الفينيقيون الشباب

    أسّس شارل قرم وألبرت نقّاش حركة الفينيقيين الشباب. وعلى الرغم من أنّ الحركة ضمّت أساسًا مثقّفين وفنانين وشعراء، فقد تجاوزت الإطار الثقافي بكثير، وانخرطت سياسيًّا في الدعوة إلى فصل لبنان عن سوريا الكبرى. (10)

    كان ألبرت نقّاش صناعيًّا مارونيًّا، ومتزوّجًا من امرأة يهودية من أصل روسي، وناشطة في الأوساط الصهيونية. كما شغل منصب المستشار الاقتصادي للبطريرك أنطونيوس عريضة.

    أمّا شارل قرم، فقد أسّس في مقرّ إقامته في الأشرفية “نادي فلسطين – لبنان”، بهدف تعزيز التقارب بين المثقّفين اليهود والموارنة. وفي عام 1933، ألقى فيكتور جاكوبسون، في إطار أنشطة النادي، محاضرة تناول فيها العلاقات التاريخية بين الملك حيرام الأول والملك سليمان.

    وشكّل التعاون بين الموارنة واليشوف، في نظر شارل قرم، أمرًا طبيعيًّا قبل أن يكون ضرورة.(11) فقد انتمى إلى جيل عايش زمنًا صدرت فيه الأدلة السياحية الخاصة بلبنان باللغة العبرية،(12) وقصد يهود فلسطين صوفر وبرمانا لقضاء فصل الصيف والاستمتاع باعتدال مناخهما. وقد رحّب هذا الجيل الماروني بحماسة بمشاريع التعاون التي اقترحها ممثلو اليشوف، لا سيما التبادل بين الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة العبرية في القدس،(13) بما شمله من منشورات مشتركة، ومحاضرات، وندوات، ومعارض.

    الكنيسة المارونية

    برز في الكنيسة المارونية البطريرك أنطونيوس بطرس عريضة (1932-1955)، ومطران بيروت إغناطيوس مبارك.

    ففي عام 1919، حين كان لا يزال مطرانًا على طرابلس، أبدى أنطونيوس عريضة دعمه لمشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وبعد انتخابه بطريركًا عام 1932، استقبل إيلياهو إبستين في بكركي، بعدما عرّفه إليه ألبرت نقّاش.

    كان عريضة ناطقًا بالفرنسية ومحبًّا للثقافة الفرنسية، ومتمسّكًا بهوية لبنان المسيحية، والمتوسطية، والغربية. ولذلك، اعتبره قادة اليشوف صديقًا صادقًا لليهود.(14) وقد أدّى موقفه من الهوية اللبنانية إلى خلافات متكرّرة مع الكرسي الرسولي، الذي مال أكثر إلى التوجّهات العروبية والاندماجية، كما اتسمت علاقاته بالتوتّر مع سلطات الانتداب الفرنسي ومع المكوّنات المسلمة.

    وكان البطريرك من أنصار التحالف مع اليشوف، وهو موقف دافع عنه إغناطيوس مبارك بقوة أيضًا. وقد ذهب هذا الأخير إلى حدّ وصف نفسه بـ”مطران اليهود”،(15) في خطاب ألقاه عام 1937 في كنيس ماغين أبراهام في بيروت.

    تيار إميل إده السياسي

    تمحور التيار السياسي الثالث ذو التوجّه الغربي حول إميل إدّه، الذي تولّى رئاسة الجمهورية بين عامَي 1936 و1941. وشكّل، إلى جانب البطريرك أنطونيوس عريضة، أبرز وجوه التيار المعارض للعروبة.

    وأمام مسؤولي الوكالة اليهودية، وصف إميل إدّه لبنان وفلسطين اليهودية بأنّهما “أمتان غربيتان”. (16)

    وفي السياق عينه، شدّد خلفه ألفرد نقّاش (1941-1943) على ضرورة الحفاظ على دولة مسيحية، معتبرًا أنّ الموارنة، شأنهم شأن اليهود، مهدّدون بالزوال من دونها. (17)

    أمّا جورج نقّاش، رئيس تحرير صحيفة “لوريان” (L’Orient) وأبرز المتحدثين باسم تيار إميل إدّه السياسي، فقد حذّر من المخاطر الوجودية التي تنطوي عليها التوجّهات العروبية بالنسبة إلى مسيحيي لبنان.

    الهوامش

    (1) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994.

    (2) جوناثان سي. راندال، المضيّ حتى النهاية: أمراء الحرب المسيحيون والمغامرون الإسرائيليون والحرب في لبنان (Going All the Way: Christian Warlords, Israeli Adventurers, and the War in Lebanon)، نيويورك، فنتج، 1983، ص. 188.

    (3) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 65.

    (4) إدوين بلاك، اتفاقية النقل: القصة الدرامية للاتفاق بين الرايخ الثالث وفلسطين اليهودية (The Transfer Agreement: The Dramatic Story of the Pact Between the Third Reich and Jewish Palestine)، نيويورك، كارول وغراف، 2001، ص. 15.

    (5) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 33.

    (6) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 96-97.

    (7) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 102 و145.

    (8) آشر كوفمان، إحياء فينيقيا: بحثًا عن الهوية في لبنان (Reviving Phoenicia: In Search of Identity in Lebanon)، نيويورك، آي. بي. توريس، 2004، ص. 143، لا سيما في حديثه عن شارل قرم.

    (9) ألبرت حوراني، الأقليات في العالم العربي (Minorities in the Arab World)، لندن، مطبعة جامعة أكسفورد، 1947، ص. 71.

    (10) فرانك سلامة، اللغة والذاكرة والهوية في الشرق الأوسط: حالة لبنان (Language, Memory, and Identity in the Middle East: The Case for Lebanon)، لانهام، ماريلاند، ليكسينغتون بوكس، 2010، ص. 170.

    (11) كيرستن إي. شولزه، “القوميتان الإسرائيلية والمارونية: هل التحالف بين الأقليات طبيعي؟” (Israeli and Maronite Nationalisms: Is a Minority Alliance Natural?)، في القومية والأقليات والشتات: الهويات والحقوق في الشرق الأوسط (Nationalism, Minorities, and Diasporas: Identities and Rights in the Middle East)، لندن، آي. بي. توريس، 1996، ص. 158-170.

    (12) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 71؛ ولا سيما الدليل السياحي الصادر عام 1935.

    (13) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 72.

    (14) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 62.

    (15) إدموند مير، “الموارنة: مع إيلاء اهتمام خاص لتطورهم السياسي منذ عام 1860” (The Maronites: With Special Regard to Their Political Development Since 1860)، 24 حزيران 1942، الأرشيف الصهيوني المركزي، S25/6639، ص. 21-22؛ ومصلحة الشرطة القضائية الفرنسية، “زيارة البطريرك الماروني إلى بيروت” (Visite du patriarche maronite à Beyrouth)، 23 نيسان 1937، مركز المحفوظات الدبلوماسية في نانت، وزارة الخارجية الفرنسية، نانت، MAN/596.

    (16) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 31.

    (17) لورا زيتراين آيزنبرغ، عدوّ عدوّي: لبنان في المخيال الصهيوني المبكر، 1900-1948 (My Enemy’s Enemy: Lebanon in the Early Zionist Imagination, 1900-1948)، ديترويت، مطبعة جامعة واين ستيت، 1994، ص. 32.

    الموارنة واليشوف: اللقاء (8/2) هنا لبنان.

    مشاهدة الموارنة واليشوف اللقاء 8 2

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الموارنة واليشوف اللقاء 8 2 قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الموارنة واليشوف: اللقاء (8/2).

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار محلية


    اخر الاخبار