ترك برس
في ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي وتزايد التنافس بين القوى الكبرى على طرق التجارة والنقل ومناطق النفوذ، تكتسب الممرات البرية واللوجستية العابرة للقارات أهمية متزايدة، لا سيما تلك التي تربط آسيا بأوروبا. وفي هذا السياق، يبرز «الممر الأوسط» بوصفه أحد المسارات الاستراتيجية التي تراهن عليها تركيا لتعزيز الترابط الاقتصادي والجغرافي بين دول العالم التركي، رغم التحديات الجيوسياسية والضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها هذه الدول.
وقال الكاتب التركي ندرت إرسانيل، في مقال بصحيفة «يني شفق»، إن اللغة والدين والثقافة والتاريخ والوعي الحضاري المشترك شكلت أرضية قوية لانطلاق العلاقات بين الدول التركية، وإن التآزر الناتج عنها لا يزال يغذي هذه العلاقات. وأضاف أن هدف جعل القرن الحادي والعشرين «قرن العالم التركي» يقدم تصوراً مثالياً وواقعياً في الوقت نفسه، لكنه يحتاج، إلى جانب هذه العناصر، إلى سياق جيوسياسي ملموس يتمثل في «الممر الأوسط» الذي يربط الشرق بالغرب.
وأوضح أن تركيا استثمرت سياسياً واقتصادياً بصورة كبيرة في هذا الممر، وجعلت منه ثابتاً استراتيجياً في مختلف أجزاء هذه الجغرافيا الواسعة.
وفي هذا الإطار، أشار الكاتب إلى المقال الذي نشره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمناسبة القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية، التي استضافتها العاصمة أنقرة، معتبراً أنه يعكس هذه الرؤية بوضوح.
ونقل عن أردوغان قوله إن التكامل الاقتصادي للعالم التركي يأتي في مقدمة الأولويات التي ينبغي للمنظمة التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة، وإن «الممر الأوسط» بين الشرق والغرب، عبر بحر قزوين، يمثل فرصة تاريخية في هذا الصدد.
كما أشار إلى تأكيد أردوغان أن الجغرافيا التركية تمتلك فرصة لتكون أحد المراكز المهمة لشبكات النقل والخدمات اللوجستية العالمية، في وقت يعاد فيه تشكيل التجارة بين آسيا وأوروبا، وأن بلاده تعمل على تطوير السكك الحديدية والموانئ والطرق البرية والأنظمة الجمركية باعتبارها منظومة متكاملة ومترابطة. وشدد الرئيس التركي، وفق الاقتباس الذي أورده الكاتب، على أن كل استثمار يربط ضفتي بحر قزوين من شأنه توسيع التجارة بين الدول الشقيقة والمساهمة في رفاهها المشترك.
لكن إرسانيل يرى أن هذا التصور لمستقبل العالم التركي لا يمكن تطويره بمعزل عن الظروف الدولية الراهنة، ولا يمكن وضع هذا المشروع الكبير داخل «فقاعة معقمة» منفصلة عن الواقع. وأوضح أن الحديث يدور عن منطقة تتقاطع فيها مصالح الأمن العالمي للقوى الكبرى، مثل الصين وروسيا والهند والولايات المتحدة، بل تتصادم أحياناً، فضلاً عن التوازنات والمشكلات الخاصة بدول منظمة الدول التركية نفسها، والسياسات التي تتبعها حتى الدول المتوسطة والصغيرة في المنطقة، والتي كثيراً ما تترك آثاراً سلبية وتؤدي إلى ظهور تعقيدات.
تحديات الدول الأعضاء وتأثير القوى الكبرى
وفي معرض حديثه عن مصادر هذه التعقيدات، أشار الكاتب إلى إمكانية الاستشهاد بإيران وإسرائيل، وإضافة اليونان وفرنسا، لكنه رأى أن الثقل الأساسي يكمن في حسابات القوى الكبرى وتحركاتها المتعلقة بالمنطقة.
واستشهد بكازاخستان، التي وصلت مبكراً إلى قمة منظمة الدول التركية، موضحاً أن مجرد النظر إلى بياناتها الأساسية يكشف حجم الصعوبات التي تمتد آثارها إلى تركيا. فكازاخستان، باستثناء بحر قزوين، دولة لا تطل على البحار، وتبلغ مساحتها نحو ثلاثة إلى أربعة أضعاف مساحة تركيا، بينما لا يتجاوز عدد سكانها ربع سكانها تقريباً.
وأضاف أنها تحاول إيجاد مساحة للتحرك بين الصين وروسيا، بل يمكن القول إن سياستها الخارجية تقوم على إدارة علاقاتها مع موسكو وبكين. وذكّر بأن روسيا قدمت ما وصفه بـ«المساعدة» العسكرية لكازاخستان مطلع عام 2022، على خلفية اتساع الاحتجاجات في البلاد.
ولفت إلى أن كازاخستان تعتمد بدرجة كبيرة على روسيا، إذ تنقل صادراتها، وفي مقدمتها النفط، إلى الأسواق العالمية عبر الأراضي الروسية، كما أن جيشها متواضع الإمكانات. واعتبر أن الطريق الوحيد الذي يمكن أن يمنحها قدراً نسبياً من الاستقلالية هو «الممر الأوسط» عبر بحر قزوين، غير أن مساعيها للخروج من هذا الوضع تجري تحت مراقبة القوى الكبرى ومتابعتها.
وأكد الكاتب أن كازاخستان ليست سوى مثال واحد، إذ تواجه جميع الدول الأعضاء في منظمة الدول التركية صعوبات مشابهة، ولديها حساسيات داخلية وخارجية حيوية يتعين عليها حمايتها، أو تجد نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ووصف هذه الملفات بأنها تشبه الجروح المفتوحة، التي يؤدي تحريكها في كل مرة إلى إبطاء العلاقات بين دول المنظمة، وكذلك علاقاتها مع تركيا والمشروعات المشتركة.
الممر الأوسط بين تنافس موسكو وبكين وواشنطن
ورأى إرسانيل أن «الممر الأوسط» طريق صعب، لكن المسارات الواقعة شماله وجنوبه مغلقة في الوقت الراهن بسبب الحربين في أوكرانيا وإيران، إلى جانب عوائق أخرى على امتداد الطريق، رغم أنها لم تفقد إمكانية العودة إلى العمل.
وأوضح أن كل طرف يمتلك حساباته وتوقعاته و«مخاوفه» الخاصة بشأن استخدام تركيا، التي تمثل إحدى المحطات الرئيسية للممر، بل مركز شبكته. فروسيا تنظر إلى هذا الطريق من زاوية مختلفة عن الصين، فيما تتبنى الولايات المتحدة مقاربة مغايرة لكليهما.
واعتبر أن إطلاق اسم «ممر ترامب» على ممر زنغزور يعكس أحد مظاهر هذا التنافس، متسائلاً عن نظرة الصين، التي تمثل نقطة انطلاق خط الشرق والغرب، إلى هذا المسار ومروره عبر تركيا، وكذلك عن موقف روسيا منه.
وأضاف أن الولايات المتحدة، رغم أنها ليست جزءاً رئيسياً من المشروع الضخم، تحضر في كل محطة تقريباً، ولديها استثمارات وشركات في معظم دول منظمة الدول التركية، وتسعى إلى الإمساك بالمفاصل الاستراتيجية للطريق والتحكم فيها.
وأشار الكاتب إلى أن روسيا بدورها تتمتع بنفوذ في جميع دول المنظمة، لافتاً، في حالة كازاخستان، إلى أن ثلاثة ملايين من أصل 20 مليون نسمة هم من الروس. كما أوضح أن هذه الدول لا تزال تعيش، بنسب متفاوتة، إرث الحقبة السوفيتية في آلياتها الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية، وصولاً إلى أنظمتها السياسية.
وشدد على أن المناطق الواقعة شمال الممر وجنوبه تحتاج أيضاً إلى الاستقرار، وإلا فإن الاضطرابات ستنعكس سريعاً على الطريق. واعتبر أن الشرق الأوسط والحدود الجنوبية لتركيا يمثلان مثالاً واضحاً على ذلك، مؤكداً ضرورة استثمار سوريا والعراق وباكستان والسعودية ودول الخليج في «الممر الأوسط» ودمجها فيه.
حساسيات داخلية وخارجية تعرقل القرارات
وفي سياق متصل، قال إرسانيل إن انفتاح دول منظمة الدول التركية بهذا القدر على التأثيرات الخارجية والتوازنات الداخلية والاضطرار إلى مراعاة بعض الالتزامات قد يؤدي أحياناً إلى نتائج تزعج أنقرة عندما يتعين عليها اتخاذ قرارات تتعلق بتركيا.
وأشار إلى أن قبرص شهدت مثالاً على ذلك، مضيفاً أن التعامل مع هذه الحالات واستيعابها وإصلاح تداعياتها، مع الحفاظ على المعنويات والدوافع لمواصلة الطريق، ليس أمراً سهلاً، لا سيما في ظل وجود الرأي العام التركي الذي يتعين أخذه في الحسبان.
لكنه أكد أن تركيا تواصل السير في هذا الطريق، وستواصل ذلك عندما يتعلق الأمر بالمصالح الوطنية على المديين المتوسط والطويل.
وأضاف أن هذه التحديات لا تقتصر على الجانب الشرقي من الطريق، إذ تظهر في البحر المتوسط الأجزاء الأخرى من التنافس نفسه، إلى جانب وضع أوروبا، التي تمثل إحدى المحطات الرئيسية للممر. ولفت إلى أن حالة عدم الاستقرار في هذه المنطقة تفرض بدورها حقائق جيوسياسية أخرى، رغم ضرورة أن تكون مستقرة ومنظمة هي أيضاً.
ورأى الكاتب أن تطور النظام العالمي متعدد الأقطاب سيؤدي إلى تغير قراءات تركيا للمشهد العالمي وقراراتها، معتبراً أن ذلك من طبيعة الأمور. وأضاف أنه حتى لو افترضنا انتهاء الحربين في إيران وأوكرانيا، فستظل هناك حاجة إلى وضع أحجار ومكونات جديدة لاستكمال الطريق.
«كل طرف لديه من يفسد لعبته»
وفي ختام مقاله، أشار إرسانيل إلى كثرة الأطراف التي تعرقل المسار، لكنه لفت أيضاً إلى وجود أطراف تعمل على إفساد خطط هذه الجهات، معتبراً أن لكل طرف من يعرقل مساعيه داخل بيئته الخاصة، وأن بعض الجهات، وهي تحاول إفساد خطط الآخرين، تفسد نفسها أيضاً.
واختتم الكاتب مقاله بعبارة ذات دلالة رمزية، قال فيها إن الأتراك لا يشربون الماء الذي ينسكب على الأرض، بل يتركونه في مكانه كي يجد طريقه بنفسه، مؤكداً أن الطريق لم يعجز يوماً عن العثور على مساره.
مشاهدة laquo الممر الأوسط raquo يمثل ركيزة استراتيجية لمستقبل العالم التركي وسط
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الممر الأوسط يمثل ركيزة استراتيجية لمستقبل العالم التركي وسط تنافس القوى الكبرى قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، «الممر الأوسط» يمثل ركيزة استراتيجية لمستقبل العالم التركي وسط تنافس القوى الكبرى.
في الموقع ايضا :
- L’ambassade d’Autriche en Tunisie célèbre sa fête nationale et réaffirme sa volonté de renforcer le partenariat avec la Tunisie
- قرار سعودي جديد يوقف السفر والتأشيرات من دولة إفريقية.. ما علاقة فيروس إيبولا؟ تفاصيل الإجراءات الجديدة
- عاجل: قائد الثورة الإسلامية: القوات المسلحة والشعب الإيراني سيحددان زمان انتهاء أي هجمات عسكرية أو إرهابية جديدة وظروفها
