الصحراء المغربية.. الفيتو الروسي يفتح جبهة جديدة من الأسئلة أمام الجزائر في التفاصيل، راكم المغرب، تحت القيادة الملكية لجلالة الملك محمد السادس، خلال السنوات الأخيرة، سلسلة من المكاسب الدبلوماسية والاستراتيجية التي أحدثت تحولات عميقة في موازين التأثير الدولي المرتبطة بقضية الصحراء المغربية.
واختار النظام الجزائري وجبهة البوليساريو، في المقابل، التقليل من أهمية هذه التحولات والاستخفاف بقرارات دولية مفصلية، قبل أن تكشف التطورات المتلاحقة عن محدودية حساباتهما السياسية وعجز مقاربتهما عن استشراف المآلات الاستراتيجية لتلك القرارات.
ولم تكن هذه التحولات مجرد تطورات دبلوماسية عابرة، بل شكلت حلقات متتابعة في مسار استراتيجي طويل، قادته المملكة المغربية وفق رؤية تقوم على وضوح الأهداف وتراكم المكتسبات وتغيير موازين التأثير داخل المؤسسات الدولية.
غير أن المثير في هذا المسار ليس فقط حجم التحولات التي حققها المغرب، وإنما الطريقة التي تعامل بها النظام الجزائري وجبهة البوليساريو مع كل محطة من محطاته.
فقد اختارا، في أكثر من مناسبة، التقليل من أهمية القرارات التي تصب في مصلحة المغرب، قبل أن تتحول هذه القرارات نفسها إلى محددات أساسية في المعادلة الدبلوماسية والسياسية الجديدة.
عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في العاشر من دجنبر 2020، اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، تعاملت الجزائر والبوليساريو مع الإعلان باعتباره مجرد تغريدة سياسية يمكن تجاوزها أو انتظار تراجع الإدارة الأمريكية اللاحقة عنها. وجرى التقليل من قيمته القانونية والدبلوماسية، رغم أن الأمر تعلق بإعلان رئاسي رسمي غيّر الموقف الأمريكي من النزاع، وليس بمجرد موقف عابر على وسائل التواصل الاجتماعي.
ثم جاءت المواقف الأمريكية اللاحقة لتؤكد استمرار هذا التوجه، وفي مقدمتها الرسالة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش سنة 2025، والتي جدد فيها التأكيد على الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، ودعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره أساسا لتسوية النزاع.
وهنا يطرح السؤال الاستراتيجي نفسه: كيف يمكن لنظام سياسي أن يبني تقديراته على افتراض زوال قرارات سيادية صادرة عن قوة دولية كبرى، بدل التعامل معها باعتبارها معطيات جديدة تستوجب مراجعة الحسابات وتكييف الخيارات؟
وتكرر المنطق نفسه مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي شكل محطة مهمة في المسار الأممي للقضية. فقد سعت الجزائر والبوليساريو إلى التقليل من دلالاته، وتصويره باعتباره قرارا لا يغير جوهر المعادلة، بينما اعتبره المغرب منعطفا سياسيا ودبلوماسيا في مسار ترسيخ مبادرة الحكم الذاتي.
وجاء إعلان جلالة الملك محمد السادس يوم 31 أكتوبر عيدا وطنيا للوحدة ليمنح هذه المحطة بعدها التاريخي والرمزي، وليجعل من التحول الدبلوماسي مناسبة وطنية تستحضر وحدة الدولة المغربية واستمرارية سيادتها.
واليوم، بعد إحياء الذكرى الأولى لعيد الوحدة، يتضح أن الخلاف لم يكن حول قراءة قرار أممي فحسب، بل حول القدرة على استيعاب اتجاه التحولات الدولية وتقدير انعكاساتها المستقبلية.
ثم جاءت جلسة مجلس الأمن يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026، وما رافقها من فيتو روسي ضد مشروع القرار الأمريكي، لتكشف مجددا حجم التناقض في الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري.
فقد احتفت منابر إعلامية جزائرية والبوليساريو بالفيتو الروسي باعتباره انتصارا سياسيا، وذهبت بعض القراءات إلى اعتباره إجهاضا للمشروع الأمريكي وإعادة للقضية إلى نقطة البداية، متجاهلة أن استخدام حق النقض لا يعني بالضرورة انتصارا سياسيا أو قانونيا للطرف الذي احتفى به، كما لا يلغي تلقائيا المكتسبات الدبلوماسية التي راكمها المغرب خارج مجلس الأمن وداخله.
والأكثر دلالة أن المشروع الأمريكي حصل على تأييد أحد عشر عضوا من أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، قبل أن يحول الفيتو الروسي دون اعتماده، بينما لم يتمكن المشروع الروسي البديل بدوره من الحصول على الأصوات التسعة اللازمة لاعتماده. وهو ما يبرز أن التعطيل لم ينتج تسوية بديلة، وإنما أفضى إلى وضع مؤسساتي جديد يرتبط بمستقبل بعثة المينورسو.
هنا يظهر الخلل الأساسي في الحسابات الجزائرية: الخلط بين تعطيل قرار دولي وبين تحقيق مكسب استراتيجي، وبين الاحتفال الإعلامي بنتيجة تصويت وبين القدرة الفعلية على التحكم في النتائج السياسية والقانونية المترتبة عنها.
لقد شدد وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، في حديثه التلفزيوني عقب جلسة مجلس الأمن، على أهمية الجدية والمعقول في التعامل مع النزاعات السياسية، وعلى أن تدبير الملفات الدولية لا يمكن أن يقوم على المناورات الظرفية، وإنما على وضوح الرؤية وحسن النية والتعاون المسؤول.
وهذا هو جوهر الاختلاف بين مقاربتين: مقاربة مغربية تسعى إلى تحويل المكتسبات المتراكمة إلى نتائج سياسية ومؤسساتية مستدامة، ومقاربة جزائرية تبدو، من خلال مواقفها المعلنة، أكثر انشغالا بمنع تقدم الطرح المغربي من تقديم تصور واقعي قابل للتنفيذ.
واللافت أن الخطاب الجزائري انتقل من الاحتفاء بالفيتو الروسي إلى التعبير عن الأسف إزاء المآلات المرتبطة بانتهاء تفويض المينورسو. وهذا التناقض يستحق التوقف عنده، لأنه يطرح إشكالية أعمق تتعلق بمدى قدرة دوائر القرار في الجزائر على استشراف النتائج غير المباشرة لخياراتها الدبلوماسية.
فالدولة التي تعتبر تعطيل مشروع قرار انتصارا، ثم تبدي القلق من النتائج التي ساهم ذلك التعطيل في إنتاجها، تكون مطالبة بتفسير الفارق بين أهدافها المعلنة وحساباتها الفعلية.
وأذهب، بصفتي باحثا وأكاديميا، إلى أبعد من مجرد مساءلة الخيارات الاستراتيجية للنظام الجزائري، لأشكك صراحة في قدرة هذا النظام وقيادته السياسية والعسكرية على التوفر على القدرات العقلية والفكرية والاستراتيجية الكافية لإدارة الدولة الجزائرية، واتخاذ قرارات عقلانية تستوعب التحولات الجيوسياسية والإقليمية والدولية، وتدرك طبيعة موازين القوى والمصالح.
وأعتبر أن استمرار هذه القيادة في تبني خيارات المواجهة والعداء تجاه المغرب يطرح تساؤلات جوهرية حول كفاءتها في تدبير شؤون الدولة، وقدرتها على تجاوز العقليات السياسية والعسكرية التي ظلت أسيرة لمنطق الحرب الباردة، رغم التحولات العميقة التي عرفها النظام الدولي.
فقد أصبح من الصعب تفسير استمرار توظيف قضية الصحراء المغربية في إدارة التنافس مع الرباط، بينما تواجه منطقة شمال إفريقيا والساحل والصحراء تحديات أمنية متصاعدة تستدعي التعاون الإقليمي وتغليب منطق الاستقرار على سياسات الاستنزاف.
أما جبهة البوليساريو، فإن احتفاءها بتعطيل القرار الأمريكي يطرح بدوره سؤالا حول طبيعة الرهان السياسي الذي تستند إليه: هل يكفي إسقاط مشروع قرار لإعادة تشكيل موازين القوى؟ وهل يمكن لموقف تكتيكي داخل مجلس الأمن أن يعوض غياب تسوية سياسية تحظى بقبول الأطراف المعنية وتنسجم مع التحولات الدولية؟
إن انتهاء تفويض المينورسو، في غياب قرار جديد بتمديده، لا ينبغي اختزاله في انتصار لطرف أو هزيمة لطرف آخر. فهو تطور مؤسساتي وقانوني بالغ الحساسية، يفرض التمييز بين انتهاء ولاية بعثة أممية وبين انتهاء مسؤوليات الأمم المتحدة الأوسع في التعامل مع النزاع.
وفي المقابل، فإن الحديث عن احتمال تصاعد التهديدات الأمنية بعد انتهاء التفويض لا يعني أن المغرب أصبح أمام فراغ سيادي أو عسكري. فالقوات المسلحة الملكية تضطلع بمسؤولياتها في حماية التراب الوطني والدفاع عن أمن المملكة، وتظل جاهزيتها وقدرتها على التعامل مع المخاطر جزءا أساسيا من منظومة الأمن القومي المغربي.
وقد أكد الموقف المغربي المعلن عقب التطورات الأخيرة أن حماية الوحدة الترابية والأمن الوطني تظل من الثوابت التي لا تقبل المساومة، مع استمرار الالتزام بالمقاربات المسؤولة التي تراعي مقتضيات القانون الدولي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
ولا يمكن السماح بتحويل التطورات الأممية إلى ذريعة لتهديد الأمن والاستقرار في الصحراء المغربية أو في شمال إفريقيا، أيا كان مصدر التهديد أو الجهة التي تقف وراءه. فالمغرب، وهو يدافع عن سيادته، يدرك أيضا أن الأمن الإقليمي مترابط، وأن أي مغامرة عسكرية قد تتجاوز آثارها الأطراف المباشرة لتطال فضاء الساحل والصحراء والبحر الأبيض المتوسط.
لقد أثبتت التجربة أن السياسة الخارجية لا تقاس بعدد الاحتفالات الإعلامية ولا بحجم الشعارات التي ترفع عقب كل جلسة أممية، وإنما بقدرة الدول على توقع التحولات، وحماية مصالحها، وتقدير النتائج قبل وقوعها.
ولهذا، فإن السؤال الذي يتعين طرحه اليوم على النظام الجزائري ليس لماذا لم يعتمد مجلس الأمن المشروع الأمريكي، وإنما ماذا حققت الجزائر فعليا من تعطيله، وما البديل السياسي الذي تستطيع تقديمه، وما كلفة استمرار الرهان على المواجهة بدل التسوية؟
إن المغرب لا يبني استراتيجيته على ردود الفعل الجزائرية، ولا يختزل مصالحه الوطنية في نتائج تصويت منفرد، بل يتحرك ضمن مسار دبلوماسي وسيادي طويل النفس، يستند إلى مؤسسات الدولة ووضوح التوجهات الملكية وتراكم الشراكات الدولية.
أما الجزائر والبوليساريو، فإنهما أمام اختبار جديد: إما مراجعة الحسابات والانخراط بجدية في مسار سياسي واقعي، وإما الاستمرار في التعامل مع التحولات الكبرى بعقلية الانتصارات الإعلامية المؤقتة.
فالفرق بين الدولة التي تستشرف المستقبل والجهة التي تكتفي بالاحتفال بتعطيل قرارات الآخرين، أن الأولى تعمل على صناعة الوقائع، بينما قد تجد الثانية نفسها مضطرة إلى التعامل مع نتائج لم تكن قد أحسنت تقديرها.
الصحراء المغربية.. الفيتو الروسي يفتح جبهة جديدة من الأسئلة أمام الجزائر أنا الخبر - Analkhabar.
مشاهدة الصحراء المغربية الفيتو الروسي يفتح جبهة جديدة من الأسئلة أمام الجزائر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الصحراء المغربية الفيتو الروسي يفتح جبهة جديدة من الأسئلة أمام الجزائر قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنا الخبر ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الصحراء المغربية.. الفيتو الروسي يفتح جبهة جديدة من الأسئلة أمام الجزائر.
في الموقع ايضا :
- وفد لبناني يزور سوريا اليوم لبحث ملفات المفقودين والنازحين والمعابر
- حركة حماس: نتمسك بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم باعتباره حقا ثابتا لا مساومة عليه او تفريط فيه عاجل
- ترامب: أجريت محادثة جيدة جدًا مع نتنياهو.. تفاصيل الاتصال بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي