تُشكّل فكرة الدولة الواحدة كاملة السيادة في النظام الدولي المعاصر حصنًا وجوديًا تستميت كل العواصم العالمية في الدفاع عنه، إذ لم تعد الدول تنظر إلى حدودها الجغرافية بوصفها مجرد خطوط تؤثث خريطة العالم، بل كهوية جامعة وعقد سياسي لا يقبل المساومة.
ورغم التحولات التي طرأت على مفاهيم اللامركزية والإدارة المحلية ظل مبدأ الوحدة الترابية حجر الزاوية الذي يُعرّف بقاء الدولة من عدمه، خاصة أن فتح المجال أمام أي نقاش حول السيادة داخل الدول الوطنية لا يمكن أن يؤدي إلا لفتح أبواب، بل ونوافذ أخرى، للتصدع الشامل، سواء على أسس دينية أو مذهبية أو حتى عرقية وقبلية.
ومن هذا المنطلق تبلورت ردود فعل العديد من البلدان تجاه النزعات الانفصالية، موازاة مع الصرامة الدستورية، بل وحتى العسكرية، في حماية أمنها القومي. وهنا يبرز النموذج المغربي في إدارة ملف أقاليمه الجنوبية كحالة أصيلة لاستكمال السيادة الترابية وتصفية الاستعمار، استنادًا إلى الشرعية القانونية والتاريخية المدعومة بالعمل الدبلوماسي الذي لا تحيد حلوله عن اعتبار أراضي المملكة، من طنجة وصولًا إلى آخر نقطة في الكويرة، مسألة غير قابلة للتفاوض أو التنازل.
ولا ينفصل الموقف المغربي عن المنطق الذي تعتمده كبرى الدول حين تجد نفسها في مواجهة النزعات التفكيكية، كما تجسد جليًا في حالة الجارة إسبانيا مع مطالب انفصال إقليم كتالونيا؛ فعندما حاولت القيادات المحلية تنظيم استفتاء أحادي الجانب عام 2017 تحركت الدولة المركزية في مدريد بكل ما أوتيت من أدوات سيادية، مستندة إلى المادة الثانية من الدستور التي تؤكد على “وحدة الأمة الإسبانية التي لا تنفصل”، بل وصل الأمر حد الملاحقة القضائية لدعاة انفصال هذا الإقليم، على غرار رئيس حكومة كتالونيا السابق، كارلوس بودجمون، الذي يعيش في المنفى.
غير بعيد عن إسبانيا، وفي القارة الأوروبية نفسها، تكررت لغة الصرامة السيادية هذه في بريطانيا، التي أظهرت أن المرونة السياسية والحقوق الترابية تنتهي حين يتعلق الأمر بوحدة التاج البريطاني، ذلك أنه رغم إتاحة لندن الفرصة لاسكتلندا للتصويت على الانفصال في استفتاء عام 2014 الذي حسم خيار البقاء فإنها وضعت حدًا قاطعًا لمحاولات تكرار التجربة عبر قرار للمحكمة العليا البريطانية عام 2022، أكد عدم امتلاك البرلمان الاسكتلندي أي صلاحية تشريعية لتنظيم استفتاء ثانٍ بمعزل عن موافقة برلمان “وستمنستر” المركزي.
وعلى الضفة المقابلة من العالم تقدم جمهورية الصين الشعبية نموذجًا متفردًا في التمسك بوحدة أراضيها رغم حساسية وتعقيد وضعها في شأن قضية تايوان التي تعتبرها بكين جزءًا من أراضيها في إطار مبدأ “الصين الواحدة”، بل وتقف بكل حزم في وجه أي محاولة لاكتساب تايبيه صفة الشرعية الدولية أو تمثيلًا أمميًا مستقلًا، قبل أن تقر رسميًا “قانون مناهضة الانفصال” الذي يتيح عمليًا للسلطات الصينية استخدام كل الوسائل ضد أي تمرد انفصالي.
أما في روسيا الاتحادية فكادت رياح الانفصال في تسعينيات القرن الماضي أن تعصف بكيان هذه الدولة الشاسعة حين أعلنت منطقة الشيشان المسلمة انفصالها المسلح وسط فوضى انهيار الاتحاد السوفيتي في نونبر من العام 1991، بقيادة الجنرال جوهر دوداييف، قبل أن يتدخل الجيش الروسي لقمع التمرد الشيشاني في ما سميت الحرب الشيشانية الأولى التي انتهت بتوقيع “اتفاق خاسافيورت” لوقف سحب القوات الروسية من الشيشان.
وعادت روسيا أواخر تسعينيات القرن الماضي لتشن حربًا ثانية على الشيشان بعدما أعلنت عدم اعترافها بسلطة الرئيس الشيشاني حينها أصلان مسخادوف، الذي قتل سنة 2005 على يد كوماندوز روسي، لتنجح موسكو بعدها في إحكام قبضتها على الشيشان وإعادتها إلى حضن الكرملين، إذ أدركت روسيا مبكرًا أن التهاون مع تمرد القوقاز سيطلق سلسلة من الانهيارات المتتالية للأقاليم الفيدرالية الأخرى. إن القاسم المشترك بين هذه التجارب المتباينة يجد سنده الموضوعي في الفقه القانوني الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي ينتصر لسلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، رغم استغلال بعض الأطراف ما يسمى مبدأ “حق تقرير المصير” وتأويله في غير سياقه، والدفع بخيار “الاستفتاء” لتقسيم الدول وتفكيكها خدمة لأجندات خاصة.
وفي هذا السياق يبرز نموذج الجزائر التي تتمسك بخيار “الاستفتاء” في الصحراء المغربية رغم تأكيد المجتمع الدولي استحالته. ولا ينطلق هذا الموقف الجزائري من اعتبارات قانونية، بل من إسقاط نفسي وتاريخي متجذر في الذاكرة السياسية للجزائر التي قامت على أساس استفتاء نظمته فرنسا التي استعمرت هذا الجزء من الإمبراطورية العثمانية حوالي 132 عامًا، قبل أن يتحول استقلالها عن الإدارة الفرنسية إلى عقدة تأسيسية وسياسية ترى من خلالها أن الاستفتاء هو صك الشرعية الوحيد للوجود السياسي، رغم اختلاف سياق الأمس واليوم.
ورغم قيامها كدولة على أساس استفتاء فرنسي، وتشجيعها ما يسمى “تقرير المصير” في الصحراء المغربية، إلا أن الجزائر تبدو متناقضة في خطابها السياسي عندما يتعلق الأمر بتطبيق المبادئ التي ترفعها خارجياً على واقعها الداخلي، إذ ترفض مطالب استقلال منطقة القبائل وتصفها بالمطالب “الإرهابية”، بل وتلجأ إلى تصدير هذه الأزمة نحو الخارج عبر توظيف نظرية “المؤامرة والعدو الخارجي” من خلال اتهام المغرب بدعم قيادات حركة استقلال القبائل (ماك).
من تايوان إلى كتالونيا .. تجارب تواجه النزعات الانفصالية وتتمسك بالوحدة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة من تايوان إلى كتالونيا تجارب تواجه النزعات الانفصالية وتتمسك بالوحدة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من تايوان إلى كتالونيا تجارب تواجه النزعات الانفصالية وتتمسك بالوحدة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من تايوان إلى كتالونيا .. تجارب تواجه النزعات الانفصالية وتتمسك بالوحدة.
في الموقع ايضا :
- عاجل: مصادر يمنية: فرق الدفاع المدني تواصل إطفاء الحريق الذي اندلع جراء العدوان السعودي على مصنع للأحذية البلاستيكية في مفرق شرعب بمديرية التعزية
- ماسك وشركة MAGA التابعة لترامب ينفقان أكثر من 770 مليون دولار على الانتخابات النصفية للحزب الجمهوري · تقرير الصدام
- دراسة جديدة تفاجئ الأطباء.. هل يتفوّق الذكاء الاصطناعي العام على الأدوات الطبية المتخصصة؟