ليس من المعتاد أن يبكي المحامون أمام عدسات الكاميرات. فالذين اختاروا الدفاع عن الناس أمام المحاكم، وتعلموا كيف يواجهون أقسى الوقائع وأشدها إيلاما بالحجة والقانون، يفترض فيهم أن يكونوا آخر من تنهار مقاومتهم أمام مشهد الظلم أو الإحساس به.
لكن المحامي علاء الدين الوكيلي لم يستطع، أمس الاثنين، أن يحبس دموعه وهو يتحدث عن قضية البروفيسور رشيد شرقاب، الطبيب الذي سبق له أن دافع عنه خلال المرحلة الابتدائية من محاكمته، قبل أن يجد نفسه عاجزا عن تجنيبه الاعتقال.
في الخلفية حكاية إنسانية أشد إيلاما، عن طبيب سبق أن أنقذ والد هذا المحامي، ليجد الابن نفسه اليوم، وهو يرتدي بذلة الدفاع، غير قادر على رد شيء من ذلك الجميل.
رشيد شرقاب أستاذ جامعي وطبيب متخصص في التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، وهو أيضا فاعل نقابي اشتهر بإثارته اختلالات وشبهات فساد يقول إنها تطال تدبير هذا المرفق الصحي العمومي.
لم تبدأ قصته من قاعة المحكمة، وإنما من خلافات داخل مؤسسة يفترض أنها وجدت لعلاج المرضى وإنقاذ حياتهم، قبل أن تتحول الاتهامات والبلاغات النقابية والشكايات المتبادلة إلى ملف جنائي.
تقدمت أطراف من داخل المستشفى بشكايات تتعلق بما اعتبرته ادعاءات غير صحيحة ومساسا بسمعتها وحياتها الخاصة، وانتهت المتابعة إلى توجيه اتهامات لشرقاب تتعلق بنشر وقائع وادعاءات كاذبة بقصد التشهير، وادعاء صفة ينظم القانون اكتسابها. اتهامات لا يمكن تجاهلها أو مصادرة حقوق أصحابها، مثلما لا يجوز تحويل مجرّد وجودها إلى مبرّر لسلب الحرية، وسجن شخص يتوفر على جميع ضمانات الحضور أمام المحكمة.
يوم 21 أكتوبر الماضي، أصدرت المحكمة الابتدائية الزجرية بالدار البيضاء حكما يقضي بحبس شرقاب سنة نافذة وغرامة قدرها خمسة آلاف درهم، كما قضت بحبس النقابي عبد اللطيف صدار سنتين نافذتين، وبستة أشهر في حق متابع ثالث، مع الحكم بتعويضات مدنية ثقيلة، من بينها مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء سطات، وتعويضات أخرى لفائدة مطالبين بالحق المدني.
لكن ما أثار الصدمة لم يكن العقوبات في حد ذاتها، وإنما قرار اعتقال الطبيب وزميله من داخل المحكمة، بعدما ظلا يتابعان في حالة سراح طوال المرحلة السابقة. هكذا انتقل شرقاب، الذي كان يحضر جلساته ويعود إلى حياته بعد انتهائها، إلى السجن بموجب حكم ابتدائي لم يستنفد بعد طرق الطعن، وأصبحت حريته موضوع معركة قضائية موازية لمعركته بشأن الوقائع والتهم المنسوبة إليه.
أمس الاثنين 2 نونبر 2026، في أولى جلسات المحاكمة الاستئنافية، حضرت إلى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء هيئة دفاع موسعة ضمّت أكثر من 35 محاميا، إلى جانب حقوقيين ونقابيين ومرضى سبق أن تلقوا العلاج على يد شرقاب. وطالب الدفاع بتمتيع الطبيب وزميله بالسراح المؤقت، مستندا إلى ضمانات الحضور التي يقول إنها متوافرة، وإلى كونهما التزما الحضور خلال المحاكمة السابقة، وإلى الطعون المتعلقة بالإجراءات التي رافقت اعتقالهما…
غير أن المحكمة رفضت الملتمس، وقررت مواصلة النظر في الملف يوم 16 نونبر، بعد إرجاء الجلسة لتمكين المحامين من إعداد دفاعهم. والنتيجة أن الطبيب سيقضي أسبوعين إضافيين على الأقل خلف القضبان قبل الجلسة المقبلة.
لم يجعل الدستور المغربي قرينة البراءة منحة، وإنما ضمانة دستورية لكل شخص لم تثبت إدانته بحكم حائز لقوة الشيء المقضي به. صحيح أن القانون يسمح، في حالات محددة ووفق شروط معينة، بسلب الحرية قبل انتهاء جميع مراحل التقاضي، وصحيح أن صدور حكم ابتدائي بالحبس يغير الوضع القانوني للمتهم مقارنة بمرحلة ما قبل الحكم، لكن السؤال يظل مطروحا عن مدى ضرورة اللجوء إليه في هذه الحالة بالذات.
من حقّنا أن نتساءل ما الذي تغير في وضع طبيب حضر جلسات محاكمته في حالة سراح، حتى أصبح حبسه ضروريا؟ هل ظهرت مخاطر فرار أو أدلة على إمكانية عرقلة المحاكمة؟ وهل تعجز التدابير الأقل تقييدا للحرية، بما فيها الكفالة والالتزامات القانونية، عن ضمان حضوره؟
لقد شدد المحامي محمد الغلوسي أن الطبيب المحبوس طرق أبوابا متعددة للمطالبة بالتحقيق في تلك الاختلالات، قبل أن يجد نفسه موضوع شكايات انتهت به إلى السجن. وإذا لم يكن جائزا القفز مباشرة إلى القول إن كل ما كشف عنه شرقاب صحيح، لا يجوز أيضا أن تصبح محاكمة صاحب الشكايات سببا في نسيان الشكايات نفسها التي هي أصل القضية، أو أن ينصرف اهتمام المؤسسات إلى العبارات التي استعملها المشتكي، دون أن نعرف كيف جرى التعامل مع الوقائع التي طالب بالتحقيق فيها.
إذا كانت الجهات المتضررة من تصريحات شرقاب تملك الحق الكامل في اللجوء إلى القضاء دفاعا عن سمعتها وحقوقها، فإن المجتمع يملك بدوره الحق في معرفة حقيقة ما أثير بشأن تدبير المستشفى. الأمر يتعلق بمرفق عمومي تموله أموال ضرائبنا، ويرتبط بحياة المرضى وسلامتهم وجودة العلاج الذي يتلقونه.
إذا ثبت أن ما أثير من اتهامات كان كاذبا، فهناك مؤسسات وإجراءات قانونية لتحديد المسؤوليات. أما إذا ثبت وجود اختلالات أو شبهات فساد، فإن المسؤولية لا تنتهي بمعاقبة من تحدث عنها. لذلك تبدو الدعوة التي وجهتها جمعية “ترانسبرانسي المغرب” إلى تمتيع الطبيب بالسراح وفتح تحقيق مستقل ونزيه في شكاياته دعوة تجمع بين مطلبين لا ينبغي أن يتعارضا، أي حماية حقوق المتقاضين، وكشف حقيقة ما يجري داخل المرفق العمومي.
حين يرى موظف أو طبيب أو أستاذ أو مهندس أن شخصا أثار شبهات فساد داخل مؤسسته انتهى به الأمر معتقلا، فإن الخوف يتسرّب حتما إليه حول ما يمكن أن يحدث له هو نفسه إذا قرر يوما أن يتحدث. وهذا الأثر أخطر من مصير ملف فردي، لأنه يمس العلاقة بين المواطنين والمؤسسات، ويضعف الثقة في أن التبليغ عن الاختلالات يمكن أن يكون سلوكا مواطنا تحميه الدولة، لا مغامرة شخصية قد يدفع صاحبها ثمنها من حريته وسمعته ومستقبله المهني.
لا أحد يطلب معاملة خاصة لشرقاب لمجرد أنه طبيب مشهور، أو لأن له مرضى يحبونه ويدافعون عنه، أو لأنه أستاذ جامعي تحيط به هيئة كبيرة من المحامين. فالمغرب الذي نريده لا ينبغي أن يحتاج فيه المواطن إلى شهادة حسن سيرة من عشرات المحامين، أو إلى تاريخ طويل من إنقاذ الأرواح، حتى يصبح جديرا بالتمتع بحريته خلال المحاكمة متى سمحت بذلك شروط القانون.
ما يطالب به الحقوقيون لشرقاب يفترض أن يكون حقا لكل متقاض تتوفر فيه الضمانات اللازمة، بمن في ذلك المواطن المجهول الذي لا يعرفه أحد، ولا يتجمع المرضى أمام المحكمة دفاعا عنه، ولا تبكي الكاميرات تأثرا بمصيره.
ألم يكن من الأجدى والأكثر إقناعا وطمأنة للمجتمع، أن يتم التحقيق والتدقيق في الشكايات المرتبطة بتدبير المستشفى أولا، لم ننظر في شكايات المتّهمين المفترضين فيها؟ إذا تبيّن أنها ادعاءات كاذبة هل كان هناك من سيبكي شرقاب أو يطالب بسراحه؟
شرقاب.. دموع العجز! صوت المغرب.
مشاهدة شرقاب دموع العجز
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ شرقاب دموع العجز قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، شرقاب.. دموع العجز!.
في الموقع ايضا :
- عاجل: قوات الاحتلال تشن حملة مداهمات واعتقالات خلال اقتحامها المستمر لقرية الطبقة في مدينة دورا جنوب الخليل
- “أكسيوس” عن مسؤول أميركي: القوات الإيرانية عملت على استهداف طائرة حربية أمريكية مساء الاثنين فوق مضيق هرمز عاجل
- الحوثيون يعلنون استهداف مطارات سعودية وترامب يتحدث عن اتفاق محتمل مع إيران