أعلن محافظ البنك المركزي التونسي، فتحي زهير النوري، عن إعداد خارطة طريق للفترة 2026-2030 تهدف إلى إدماج المخاطر المناخية ضمن الأطر التنظيمية للقطاع المالي، وتعزيز أدوات التمويل الأخضر، بما يضمن قدرة المؤسسات المالية على مواجهة تداعيات التغيرات المناخية والمساهمة في تمويل الانتقال نحو اقتصاد أكثر استدامة. ويأتي هذا الإعلان، الذي تزامن مع اختتام مشروع للمساعدة الفنية في مجال حوكمة وإدارة المخاطر المالية المرتبطة بالتغيرات المناخية، ليطرح سؤالاً يتجاوز الجانب التنظيمي: كيف يمكن تحويل هذه الخارطة إلى آلية فعلية لتوجيه التمويل نحو استثمارات تحمي الاقتصاد التونسي وتعزز قدرته الإنتاجية والتنافسية؟
عبد الوهاب بن موسى *
إن أهمية هذا التوجه لا تكمن فقط في إدراج المخاطر المناخية ضمن حسابات البنوك، بل في إعادة النظر في العلاقة بين الاستقرار المالي وتمويل الاقتصاد الحقيقي. فالتغيرات المناخية لم تعد تحدياً بيئياً منفصلاً عن النشاط الاقتصادي، وإنما أصبحت عاملاً مؤثراً في قدرة المؤسسات على الإنتاج، وفي قيمة أصولها، وفي قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.
تستند خارطة الطريق التي أعلن عنها البنك المركزي إلى أربعة محاور متكاملة: تأطير إدارة المخاطر المناخية لدى البنوك والمؤسسات المالية، وضبط متطلبات البيانات والتقارير، وتطوير الأدوات والأسواق اللازمة للتمويل الأخضر، وتعزيز التنسيق ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في مفهوم المخاطر المصرفية. فالجفاف، وموجات الحر، والفيضانات، وتآكل السواحل ليست مجرد ظواهر طبيعية ذات انعكاسات اجتماعية وبيئية، بل يمكن أن تتحول إلى مخاطر مالية مباشرة.
المخاطر المناخية في صميم النشاط المصرفي
فعندما تتراجع الموارد المائية وتتضرر المواسم الزراعية، تتأثر مداخيل الفلاحين والمؤسسات المرتبطة بالنشاط الزراعي، وتتراجع قدرتهم على تسديد القروض. وعندما تتعرض المنشآت الصناعية أو السياحية لمخاطر مناخية متزايدة، قد تتراجع قيمة أصولها وضماناتها، وتتغير تقديرات البنوك لمستوى المخاطر المرتبطة بتمويلها.
وبذلك، يصبح إدماج المعطيات المناخية في دراسة ملفات التمويل ومتابعة القروض وتقييم الضمانات ضرورة تتصل بجودة القرار الائتماني وبسلامة المحافظ البنكية، وليس مجرد استجابة لمتطلبات بيئية جديدة.
وقد أفضى مشروع المساعدة الفنية الذي اختتمته البنك المركزي، بدعم من البنك الألماني للتنمية، إلى إنجاز تشخيص للإطار التنظيمي والمؤسساتي والمعلوماتي، وإعداد خريطة وطنية للمخاطر المادية ومخاطر الانتقال، فضلاً عن تنفيذ تجربة أولية لتقييم مدى تعرض محافظ عينة من البنوك والمؤسسات المالية لهذه المخاطر. كما شملت الأعمال إعداد دليل منهجي للإشراف على المخاطر المناخية ومقترحات تتعلق بالتقارير والرقابة والتدقيق.
تمثل هذه النتائج قاعدة عمل مهمة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتقل هذه الأدوات من مرحلة التشخيص والتجريب إلى الممارسة اليومية داخل المؤسسات المالية.
البنية الأساسية للتمويل الأخضر
لا يمكن إدماج المخاطر المناخية في القرارات المصرفية دون توافر بيانات موثوقة وقابلة للتحليل والتحديث. فالبنك الذي يدرس تمويل مشروع فلاحي أو صناعي يحتاج إلى معرفة أكثر من الوضعية المالية للمؤسسة وتاريخها الائتماني. إنه يحتاج أيضاً إلى معطيات تتعلق بالموقع الجغرافي للمشروع، ومدى تعرضه للجفاف أو الفيضانات، واستهلاكه للمياه والطاقة، وطبيعة نشاطه وتأثره بالتغيرات المناخية والمتطلبات البيئية للأسواق التي يتعامل معها.
وهذا يضع الأنظمة المعلوماتية المصرفية أمام تحدٍ جديد. فلم يعد المطلوب الاكتفاء بتطوير أدوات معالجة العمليات والبيانات المالية، بل أصبح من الضروري تعزيز قدرتها على دمج مؤشرات المخاطر المناخية والقطاعية والجغرافية ضمن مسارات دراسة القروض ومتابعتها.
غير أن هذه المسؤولية لا يمكن أن تتحملها البنوك بمفردها. فإنتاج بيانات مناخية دقيقة يتطلب تنسيقاً وطنياً بين البنك المركزي ووزارات البيئة والفلاحة والصناعة والجهات المعنية بالمياه والطاقة والإحصاء، مع إرساء آليات واضحة لتبادل البيانات وتوحيد معاييرها وضمان جودتها.
ومن هنا، فإن نجاح خارطة الطريق يرتبط أيضاً ببناء منظومة وطنية للمعلومات المناخية والاقتصادية، تكون قادرة على توفير قاعدة مشتركة وموثوقة لمختلف المتدخلين. فالبيانات ليست مجرد متطلب للتقارير الرقابية، بل هي بنية أساسية لتحسين توجيه الموارد المالية وتقدير المخاطر واتخاذ القرارات الاستثمارية.
آلية الكربون الأوروبية تجعل الانتقال مسألة تنافسية
تكتسب خارطة الطريق أهمية إضافية في سياق التحولات التي تشهدها التجارة الدولية، وخاصة مع دخول آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية حيز التطبيق في نظامها النهائي بداية من 1 جانفي 2026.
ودخلت آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM) نظامها النهائي حيز التطبيق، بعد مرحلة انتقالية امتدت من أكتوبر 2023 إلى ديسمبر 2025. وبموجب هذا النظام، أصبح المستوردون الأوروبيون للمنتجات المشمولة مطالبين بالامتثال لمتطلبات التصريح بالانبعاثات الكربونية المضمنة فيها، وتسوية الالتزامات المرتبطة بها من خلال شهادات الكربون وفق الجدول الزمني المحدد أوروبياً.
وتشمل هذه الآلية، في نطاقها الحالي، واردات الاتحاد الأوروبي من قطاعات محددة، من بينها الإسمنت والحديد والصلب والألمنيوم والأسمدة والكهرباء والهيدروجين. وهي تقوم على أخذ الانبعاثات الكربونية المتضمنة في المنتجات المستوردة بعين الاعتبار ضمن الآلية الأوروبية لتسعير الكربون.
وبالنسبة إلى تونس، لا ينبغي التعامل مع هذا التطور باعتباره مسألة تقنية أو جمركية تخص المؤسسات المصدرة وحدها. فارتفاع كلفة التكيف مع المتطلبات الجديدة، أو ضعف قدرة بعض المؤسسات على قياس انبعاثاتها وخفضها، قد يؤثر في تنافسيتها وهوامش أرباحها وقدرتها على الاستثمار والسداد.
وهنا يظهر الترابط بين السياسة التجارية والسياسة الصناعية والتمويل المصرفي. فالمؤسسة التي تحتاج إلى تحديث تجهيزاتها وتحسين كفاءتها الطاقية أو تغيير طرق إنتاجها تحتاج إلى تمويل مناسب، كما تحتاج إلى مرافقة فنية ومعلومات موثوقة تساعدها على تحديد الاستثمارات المطلوبة وقياس نتائجها.
وبالتالي، فإن استعداد تونس لهذه التحولات لا يمكن أن يقتصر على متابعة المتطلبات الأوروبية، بل يجب أن يشمل بناء قدرة وطنية على تمويل إزالة الكربون وتحديث النسيج الصناعي وتعزيز تنافسيته.
تمويل الانتقال دون إقصاء المؤسسات الأكثر هشاشة
يبقى التحدي الأكثر حساسية هو كيفية التوفيق بين تشديد إدارة المخاطر المناخية والمحافظة على قدرة المؤسسات الاقتصادية على النفاذ إلى التمويل. فإذا تحولت المعايير المناخية الجديدة إلى مجرد شروط إضافية لمنح القروض، فقد تجد المؤسسات الأكثر تعرضاً للجفاف أو الأكثر احتياجاً إلى تحديث تجهيزاتها نفسها أمام صعوبات أكبر في الحصول على التمويل. وقد يؤدي ذلك إلى نتيجة عكسية، تتمثل في حرمان المؤسسات التي تحتاج إلى الاستثمار للتكيف مع التغيرات المناخية من الموارد الضرورية لإنجاز هذا التحول.
لذلك، ينبغي التمييز بين تمويل نشاط اقتصادي ينطوي على مخاطر مناخية مرتفعة دون خطة لمعالجتها، وتمويل مؤسسة تحتاج إلى موارد لتقليص تعرضها لهذه المخاطر وتحسين أدائها البيئي والإنتاجي. ويقتضي هذا التمييز تطوير أدوات تمويل تتلاءم مع طبيعة الاستثمارات ومدد استردادها، من خلال خطوط تمويل مخصصة للاستثمارات الانتقالية، وآليات ضمان للمشاريع المؤهلة، وتمويلات مشتركة بين البنوك ومؤسسات التنمية، إلى جانب منتجات ائتمانية ترتبط بمؤشرات أداء بيئية قابلة للقياس والتحقق.
كما تبرز أهمية مرافقة المؤسسات الصغرى والمتوسطة، التي لا تمتلك دائماً الموارد الفنية والمالية اللازمة لإعداد دراسات الانبعاثات أو وضع خطط متكاملة للتحول الطاقي والبيئي.
إن التمويل الأخضر لا ينبغي أن يتحول إلى معيار جديد لاستبعاد المؤسسات، بل إلى وسيلة لمساعدتها على تطوير قدراتها الإنتاجية وتقليص مخاطرها وتحسين فرصها في النفاذ إلى الأسواق.
من مسؤولية البنك المركزي إلى مسؤولية المنظومة الاقتصادية
تضع خارطة الطريق البنك المركزي في موقع محوري باعتباره الجهة المكلفة بتأطير المخاطر والإشراف على المؤسسات المالية وضبط المتطلبات الرقابية. غير أن تنفيذها يتطلب توزيعاً واضحاً للمسؤوليات بين مختلف المتدخلين. فالبنك المركزي مطالب بتحديد الإطار التنظيمي والمنهجي، وضبط متطلبات البيانات والتقارير، ومتابعة إدماج المخاطر المناخية في أنظمة الحوكمة والرقابة وإدارة المخاطر لدى البنوك.
أما البنوك والمؤسسات المالية، فعليها تطوير أدواتها المعلوماتية ومنهجياتها الائتمانية، وتكوين مواردها البشرية، وتقييم تعرض محافظها للمخاطر المناخية، مع وضع سياسات تمويل تراعي احتياجات الانتقال الاقتصادي.
وتتحمل الوزارات والهياكل العمومية المعنية مسؤولية توفير البيانات القطاعية والمناخية، وتنسيق السياسات الصناعية والطاقية والفلاحية والبيئية، بما يسمح بتوجيه الاستثمارات نحو الأولويات الوطنية. كما يتعين على المؤسسات الاقتصادية إعداد خطط عملية لتحسين أدائها الطاقي والبيئي، وتوفير المعلومات اللازمة لتقييم مشاريعها ومخاطرها.
إن وضوح هذه المسؤوليات شرط لتجنب تشتت الجهود وتكرار المبادرات، ولضمان انتقال الخارطة من إطار استراتيجي إلى برنامج تنفيذي قابل للمتابعة والمساءلة.
2030: قياس النتائج لا الاكتفاء بالإجراءات
لن يكون نجاح خارطة الطريق رهيناً بعدد المناشير أو الأدلة أو التقارير التي سيتم إصدارها، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير قابل للقياس في سلوك المؤسسات المالية وفي طبيعة الاستثمارات الممولة.
ومن الضروري لذلك أن ترتبط مراحل التنفيذ بمؤشرات واضحة، تشمل مدى إدماج المخاطر المناخية في قرارات الائتمان، وجودة البيانات المتاحة، ونسبة المحافظ التي خضعت للتقييم، وحجم التمويلات الموجهة فعلياً إلى الاستثمارات الخضراء والانتقالية، فضلاً عن النتائج الاقتصادية والبيئية التي تحققت على أرض الواقع.
كما ينبغي أن تسمح المتابعة بتقييم مدى استفادة المؤسسات الصغرى والمتوسطة والقطاعات الإنتاجية من هذه التمويلات، حتى لا يظل التمويل الأخضر محصوراً في مشاريع كبرى أو مؤسسات تمتلك مسبقاً قدرات مالية وفنية أفضل.
إن الرهان الحقيقي أمام البنك المركزي والقطاع المصرفي لا يتمثل فقط في حماية المؤسسات المالية من تداعيات التغيرات المناخية، بل أيضاً في المساهمة في حماية الاقتصاد الوطني من آثارها، عبر توجيه التمويل نحو الاستثمار والتحديث والإنتاج.
فالتمويل الأخضر لا يكتسب قيمته من تصنيفه أو من التقارير التي تثبت وجوده، وإنما من قدرته على تحويل الموارد المالية إلى استثمارات منتجة، وتقليص الهشاشة المناخية، وتعزيز تنافسية المؤسسات وصلابة الاقتصاد التونسي.
وهذا هو الاختبار الذي ينبغي أن تقاس به خارطة طريق 2026-2030.
* إطار بنك عمومي.
ظهرت المقالة خارطة طريق البنك المركزي و التمويل الأخضر في تونس أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة خارطة طريق البنك المركزي و التمويل الأخضر في تونس
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ خارطة طريق البنك المركزي و التمويل الأخضر في تونس قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، خارطة طريق البنك المركزي و التمويل الأخضر في تونس.
في الموقع ايضا :
- A Government Press Conference in Sana’a Affirms: The Saudi Criminality in Yemen Matches the Zionist Method in Gaza
- Saudi fears escalate of a repeat of the West Coast scenario in Marib, with the loss of its most prominent defensive garrisons and the killing of its commander
- For the Third Time Within Hours… Explosions Strike the Saudi Cities and America Warns Its Citizens Amid Anticipation of a Yemeni Response
