لم تكن فرنسا قد تعافت بعد من ضربة أتتها من إحدى مستعمراتها السابقة بالقارة الأفريقية؛ حتى تلقت صفعة أخرى أكثر ألمًا وتأثيرًا وقوة. فبعد مالي التي انتفض مواطنيها وحكامها الجدد على التدخل الفرنسي في بلادهم، وهي الإنتفاضة التي أجبرت السلطات الفرنسية على سحب قواتها من الأراضي المالية، انتشرت نيران الغضب العارم من الوجود الفرنسي في أفريقيا إلى دولة تشاد – إحدى أهم معاقل الوجود الفرنسي في أفريقيا – وذلك بعد أن خرج مئات التشاديين في عدة مدن تشادية أبرزها العاصمة إنجامينا، رفضًا للوجود الفرنسي في بلدهم، متهمين باريس بدعم المجلس العسكري الحاكم.
في هذا التقرير نسلط الضوء على مستجدات الإحتجاجات التشادية ضد التدخل الفرنسي وأسبابها.
تشاد وفرنسا.. من الإحتلال المباشر إلى الحكم بالوكالة
مثل بقية الدول الأفريقية؛ لم تسلم تشاد من جحيم الاستعمار، فمع مطلع القرن العشرين، احتلت فرنسا الدولة الواقعة في غرب إفريقيا، وأصبحت تشاد جزءً من «إفريقيا الاستوائية الفرنسية» إلى أن نالت استقلالها سنة 1960.
خلال تلك الفترة الإستعمارية، لم ينجو مواطنو تشاد من الآلة الإجرامية الفرنسية التي كانت السمة البارزة لدى الفرنسيين في مستعمراتهم، وارتكبت في حقّ التشاديين عشرات المجازر والجرائم، أبرزها مجزرة كبكب التي أعدمت فيها فرنسا، 400 عالم دين وزعيم محلي بإقليم «واداي» سنة 1917.
بعد الاستقلال سنة 1960؛ ظلت تشاد تابعة لفرنسا شأنها شأن المستعمرات الفرنسية في إفريقيا؛ ويمكن القول أن تشاد كانت الأكثر تبعية وتجلى ذلك من خلال الحضور الفرنسي في الأحداث بإنجامينا واحباطها لعدة انقلابات عسكرية استهدفت موالين لها في تشاد. ومع مطلع عام 2019، ساعدت فرنسا الرئيس الراحل إدريس ديبي – أحد أبرز حلفائها الأفارقة – عبر قصف رتل من المتمردين التشاديين الذين دخلوا من ليبيا إلى شمال شرق البلاد.
التحكم الفرنسي في شؤون تشاد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، إذ كشف الرئيس التشادي المغتال والموالي لفرنسا؛ إدريس ديبي أنّ باريس قامت بتغيير دستور بلاده قسرًا سنة 2006 من أجل أن يواصل بقاءه الحكم.
وبعد مقتل ديبي وسيطرة الجيش على السلطة في تشاد عام 2021؛ ناقضت فرنسا مبادئها الديمقراطية ودعمت المجلس العسكري الإنتقالي بقيادة محمد إدريس ديبي (نجل الرئيس السابق) من أجل مواصلة نهج والده في التعامل مع فرنسا باعتبارها حليف وشريك إستراتيجي.
علاوة على ذلك؛ فإن القواعد الفرنسية العسكرية المنتشرة في ربوع تشاد والتي تضم مئات الجنود الفرنسيين؛ لا تزال شاهدة على السيطرة الفرنسية على البلد الإفريقي الفقير.
ثروات تشاد: عقود من الاستنزاف الفرنسي
تحتل تشاد المرتبة الخامسة إفريقيا والحادي والعشرين عالميا من حيث المساحة، فتلك الدولة المترامية الأطراف التي تبلغ مساحتها 1.25 مليون كلم مربع، و تكتنز تحتها ثروات باطنية هائلة أهمها النفط والغاز والذهب والحديد واليورانيوم وغيرها من الموارد الطبيعية الهامة، إلى جانب موقعها الاستراتيجي، الذي إذا ما شبهنا القارة الإفريقية بجسم الإنسان؛ فسيكون تشاد هو قلبه، تجعل ذلك البلد الإفريقي يمتلك كل مقومات النهوض.
ومع ذلك؛ فإن تشاد تعدّ من بين أفقر الدول في العالم وأكثرها تخلفًا اليوم، وإن تعددت أسباب ذلك؛ فالمتفق عليه أنّ للسياسة الفرنسية تجاه تشاد الدور البارز في ذلك؛ ففرنسا سعت منذ احتلالها لتشاد مطلع القرن التاسع عشر إلى جعل البلد الإفريقي قاعدة خلفية للثروات التي تدفع الإقتصاد الفرنسي إلى مجابهة أزماته.
ماكرون في جنازة الرئيس التشادي المغتال أدريس ديبي
فقد أحكمت فرنسا قبضتها على الإقتصاد التشادي بشكل أشبه بالكلي من خلال إجبار إنجامينا رفقة 13 بلدًا إفريقيًا آخر على اعتماد العملة الإستعمارية «الفرنك الغرب أفريقي – (Franc CFA)» لتبقى باريس المتحكم الفعلي في الإقتصاد التشادي؛ ولم تكتفي فرنسا بذلك؛ بل أجبرت تلك الدول -ومن بينهم تشاد طبعًا- على دفع ضريبة إلى الخزينة الفرنسية منذ استقلالها إلى اليوم.
علاوة على ذلك؛ تسعى فرنسا إلى حماية مصالحها الاقتصادية المباشرة في تشاد التي باتت دولة نفطية باحتياطات تقدر بنحو 1.5 مليار برميل، كما تسعى حكومة ماكرون إلى الفوز بصفقات تنقيب عن المعادن والنفط في المستقبل، خاصة وأن هناك مثلثا غنيا باليورانيوم بين ليبيا وتشاد والسودان تريد باريس احتكاره.
جدير بالذكر أن فرنسا تستحوذ من خلال شركة «توتال» البترولية على معظم حصة السوق النفطي في تشاد، كما تسعى باريس إلى تعزيز وجودها في القطاعات الاقتصادية الأخرى مثل الصناعات الغذائية والعسكرية وغيرها. ويمكن القول بأن كل هذه المصالح؛ تدفع فرنسا إلى الإنخراط بكامل ثقلها في تشاد؛ من خلال التدخل في شؤونها وجعل إنجامينا تابعة بطريقة أو بآخرى للإدارة الفرنسية، بشكل تام.
روسيا وتركيا يحاصران النفوذ الفرنسي في إنجامينا
لا يمكن قراءة المشهد الحالي في الساحل الإفريقي وخصوصًا الأزمة التشادية؛ بمعزل عن التطورات التي تشهدها الساحة العالمية؛ فالصراع الغربي الروسي لم ينتهي عند حدود أوكرانيا و سوريا أو ليبيا؛ بل إمتدّ حتى منطقة الساحل الإفريقي، بعد أن صارت مالي مركزا لقوات فاجنر الروسية.
ويبدو أن قوات فاجنر الروسية قريبة من أخذ موضع قدمٍ لها بتشاد؛ وذلك بعد أن أعلن المجلس العسكري الحاكم في 16 فبراير (شباط) 2022، أن زعيم حركة “اتحاد قوى المقاومة” المعارض، تيمان ارديمي، قد تواصل مع شركة فاجنر الروسية؛ للحصول على دعمها لحركات التمرد التشادية المسلحة من أجل إزاحة نظام، محمد إدريس ديبي، حليف فرنسا في المنطقة. ويرى المراقبون أنّ الدور الروسي الذي بدأ يتعاظم في تشاد يعدّ أكبر تهديد للنفوذ الفرنسي في تشاد، وذلك منذ قيام حركات التمرد التشادية.
ومن خلال رؤية عسكرية للتواجد العسكري الروسي في إفريقيا؛ نجد أنّه يضرب حصارًا على تشاد من خلال تواجده في كلٍ من مالي وليبيا وإفريقيا الوسطى والسودان وهي الدول التي تمتلك معظمها حدودًا عريضة مع تشاد؛ الأمر الذي يجعل التواجد والنفوذ الفرنسي في إنجامينا في خطر.
دولة أخرى تشكل خطرًا على النفوذ الفرنسي في تشاد؛ هي تركيا؛ التي تعمل بقوتها القصوى من أجل وضع قدمٍ في إفريقيا ومنافسة كل من فرنسا وروسيا هناك؛ عبر عرضها المستمر مساعدات عسكرية واقتصادية للمجلس العسكري الانتقالي التشادي؛ وكان آخر فصولها إستقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لرئيس المجلس العسكري الانتقالي التشادي، محمد إدريس ديبي، في 27 أكتوبر(تشرين الأوّل) 2021، وعرضه تطوير التعاون العسكري والأمني مع إنجامينا.
هل ينجح التشاديين في التخلص من الوجود الفرنسي ببلادهم؟
أمام هذا الوضع؛ خرج مئات التشاديين السبت الماضي في إحتجاجات واسعة على وجود فرنسا في البلاد، متهمين باريس بدعم المجلس العسكري الحاكم. ودوّت شعارات «فرنسا ارحلي» و«لا للاستعمار الفرنسي» عبر حناجر مئات التشاديين المناهضين للدور الفرنسي في بلادهم؛ كما أحرقوا علَمين على الأقل للسلطة الاستعمارية السابقة، وخرّبوا عددا من محطات الوقود التابعة لمجموعة توتال «رمز» فرنسا الإقتصادي .
الاحتجاج الذي يقوده ائتلاف المجتمع المدني، رفعت فيه أيضًا شعارات تستنكر تضامن فرنسا مع المجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة بعد مقتل الرئيس إدريس ديبي في أبريل (نيسان) عام 2021؛ ويقود محمد إدريس -نجل ديبي- المجلس العسكري الانتقالي الذي لم يضع إلى الآن جدولًا زمنيا للعودة إلى الحكم المدني.
محمد إدريس ديبي
وفي يونيو (حزيران) 2021، طرح رئيس المجلس العسكري الإنتقالي محمد إدريس ديبي فكرة تمديد الفترة الانتقالية؛ وأعلن في الأول من مايو ( أيّار) 2022، تأجيل الحوار الوطني، بناء على طلب قطر التي تقوم بوساطة في «حوار تمهيدي» يراوح مكانه منذ شهرين في الدوحة بين المجلس العسكري ومجموعات متمردة لا حصر لها.
الموقف الفرنسي من خطوة المجلس العسكري الذي آثار غضب التشاديين كان تصريح الرئاسة الفرنسية بأنّها «متمسكة بإجراء حوار في أقرب وقت ممكن» عارضةً المساعدة في ذلك.
دولي
منذ سنة واحدة مترجم: فرنسا قصفت حفل زفاف في مالي وقتلت عشرات المدنيين.. لماذا لم يهتم العالم؟تجدر الإشارة إلى أنّ فرنسا قررت سحب قواتها من مالي في فبراير (شباط) الماضي؛ وذلك بعد ثمان سنوات من تواجدها هناك، وذلك إثر أشهر من الاحتجاجات المناهضة للوجود الفرنسي بالبلاد؛ فهل ينجح التشاديون في طرد فرنسا من بلادهم كما فعلت مالي؟
مشاهدة مظاهرات غير مسبوقة هل تلحق تشاد بمالي وتخرج من العباءة الفرنسية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مظاهرات غير مسبوقة هل تلحق تشاد بمالي وتخرج من العباءة الفرنسية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ساسة بوست ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مظاهرات غير مسبوقة.. هل تلحق تشاد بمالي وتخرج من العباءة الفرنسية؟.
في الموقع ايضا :
- Is time a fundamental part of reality A quiet revolution in physics suggests not
- خبير سياسى: الإخوان يصنعون أزمات افتراضية لتعويض خسارتهم السياسية
- مقتل "إل مينشو" زعيم عصابة خاليسكو في غارة عسكرية بالمكسيك
