في الوقت الذي تحذر فيه الأمم المتحدة من أزمة نقصٍ في المواد الغذائية عالميًّا؛ ناتجة من الحرب الأوكرانية ونقص إمدادات القمح؛ ووسط المخاوف التي تتزايد بشأن التأثيرات بعيدة المدى لأزمة المناخ، والتي من المرجح أن تتسبب في تصحر الأراضي ونقص المحاصيل وتهدد بانقراض 40% من أنواع النباتات البرية في العالم؛ يأتي «التعديل الجيني» للنباتات بالكثير من الآمال الواعدة بحلِّ أزمة الغذاء العالمية وزيادة معدلات إنتاج المحاصيل ومن ثم تحقيق الأمن الغذائي؛ فهل يصبح طوق نجاة البشر من أزمة الغذاء؟
حروب وتغيرات مناخية.. هل نعيش «مجاعة» في طورِ الإعداد؟
في الأسبوع الفائت، حذر أندرو بيلي محافظ «بنك إنجلترا»، من أن بريطانيا تواجه مستويات مروعة من تضخم أسعار السلع الغذائية، وهو ما عده البعض انتقادًا للسياسات الاقتصادية للحكومة البريطانية وفقًا لصحيفة «الجارديان». رغم ذلك، ليست بريطانيا وحدها التي تعاني من شبح التضخم، الذي يعد أحد الآثار الناتجة من حرب أوكرانيا التي اندلعت في الشهور الأخيرة، إذ ارتفعت تكاليف المعيشة، وعانت البلدان الأكثر فقرًا من نقصِ الغذاء.
في الأيام الأخيرة، تزايدت المخاوف بشأن «أزمة غذاء عالمية» يشهدها العالم نتيجة للتضخم والحرب، وقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، الأسبوع الماضي، إلى ضرورة اتخاذ إجراءات دولية عاجلة، محذرًا من أن العالم سيشهد في الأشهر المقبلة «أزمة نقص غذاء عالمية».
قدرت الأمم المتحدة في العام الماضي ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المواد الغذائية العالمية بنحو الثلث، وفي الأسمدة بأكثر من النصف، كما ازدادت أسعار النفط بنحو الثلثين. ووفقًا لأرقام الأمم المتحدة، تضاعفت نسبة الأشخاص الذين يعانون من الانعدام الحاد للأمن الغذائي في العامين الماضيين، من 135 مليونًا قبل الجائحة إلى 276 مليونًا اليوم. هذا بالإضافة إلى نصف مليون شخص يعانون من ظروف المجاعة بزيادة 500% عن أرقام عام 2016، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
في إثيوبيا والصومال وكينيا – على سبيل المثال، تضاعف عدد الأشخاص الذين يواجهون المجاعة عن العام الماضي، من نحو 10 ملايين فرد إلى أكثر من 23 مليونًا اليوم، وفقًا للتقرير الذي يشير إلى أن البلدان الثلاثة معرضون لموتِ شخص واحد كل 48 ثانية، وذلك إما لأسباب مرتبطة بالمجاعة الناجمة عن النزاع المسلح، أو جائحة (كوفيد-19)، أو تغيرات المناخ، وأخيرًا الضغوط التضخمية التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا.
وفي الهند، أدت موجة حر مدمرة إلى نقصٍ في محصول القمح في البلاد، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية في جميع أنحاء العالم. إذ أعلنت الحكومة فرض حظر على صادرات القمح؛ مما ساهم في رفع أسعار القمح عالميًّا إلى مستويات قياسية، خاصةً بعد «حرب أوكرانيا»، فالبلدان أوكرانيا وروسيا من أكبر منتجي القمح في العالم، وينتجان نحو 25% من الإمدادات العالمية، وفي أعقاب الغزو الروسي ارتفعت أسعار القمح العالمية بالفعل بما يقدر بنحو 80%، وفقًا للتقرير.
أما عن علاقة حرب أوكرانيا بالتغيرات المناخية وأزمة الغذاء، يمكنك القول إن: «توقف الصادرات الغذائية من روسيا وأوكرانيا يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على المناطق التي تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي بسبب تغير المناخ».
وإلى جانب ظروف الحرب والتضخم، نعيش اليوم في عالمٍ مهدد بفقدان التنوع البيولوجي، وذلك نتيجة التغيرات المناخية التي يشهدها كوكب الأرض. إذ أصبح كثير من أنواع النباتات مهددًا بالانقراض، وفي المستقبل، ستصبح المياه العذبة أكثر نُدرة، الأمر الذي يدق ناقوس الخطر، لعالمٍ على وشك أن يشهد مجاعة.
Embed from Getty Images
(التعديل الجيني والتغيرات المناخية)
عن ذلك تقول رايتشل وارين، من جامعة إيست أنجليا، إن الدراسة التي أجروها على التغيرات المناخية عام 2013 تتوقع أن يقل التنوع البيولوجي في كل الأنواع الشائعة من النباتات والحيوانات بنسبةٍ كبيرة، وهو ما سيؤدي بالضرورةِ إلى الإخلال بالمحيط الحيوي لهذه الأنواع، مما سيكون له تأثيرات كبيرة في كل إنسان على سطح هذا الكوكب.
لسوءِ الحظ، هذه الآثار تشعر بها بشكل غير متناسب البلدان الأكثر فقرًا، والتي لسخرية القدر ساهمت بأقل قدر في خلق المشكلة. بمعنى أن البلدان الفقيرة التي تعيش بالفعل في فقرٍ مدقع وساهمت بأقل قدر في خلق أزمة المناخ، سيصبحون بالفعل هم الأكثر تضررًا. ولتغير المناخ آثار كبيرة على النظام الغذائي في المجتمعات منخفضة الدخل؛ إذ إن البلدان المعرضة لأكبر مخاطر التغيرات المناخية، تعاني بالفعل من الانعدام الحاد للأمن الغذائي، وفقًا لتقرير منظمة «العمل ضد الجوع» الأمريكية.
«التعديل الجيني للنباتات»: هل يحل أزمة الغذاء العالمية؟
في دراسة سنوية أجرتها الأمم المتحدة، أشارت نتائج عام 2019 إلى أن هناك ما يقدر بنحو ملياري شخص حول العالم لم يحصلوا بانتظام على طعام آمن ومغذٍّ وكافٍ خلال العام. وفي الوقت الذي نقف فيه على أعتاب «أزمة غذاء عالمية»؛ يمثل التعديل الجيني بالنسبةِ لكثيرٍ من العلماء حلًّا أمثل، لأزمات الغذاء التي من المتوقع أن تتفاقم بالمستقبل.
تعد الصين من أولى الدول التي لجأت إلى «النباتات الهجينة» مؤخرًا لحلِّ أزمة الغذاء، إذ واجهت زراعة الأرز أزمة حادة في البلاد نتيجة للتغيرات المناخية، وهو في الصين محصول أساسي للطعام لا يمكن الاستغناء عنه؛ لذا اتجهت الصين نحو ابتكار «الأرز الهجين»، وهو نتاج عبور جيلين مختلفين من الأرز لكلٍّ منهما صفات متمايزة عن الآخر؛ وباستخدام التكنولوجيا المناسبة، يمكن أن يساعد التهجين في زيادة إنتاجية المحاصيل.
كان العلماء الصينيون هم أول من بدأوا في عمل الأرز الهجين في السبعينيات من القرن الماضي، وقد أثمرت تلك الخطوة عن زيادة من 15 إلى 20% لواحد من أفضل أنواع المحاصيل المحسنة؛ وقُدِّر إنتاج الصين للأرز في عام 1995 بنحو نصف إجمالي المساحة المزروعة من الأرز في الصين. لكن كيف يمكن أن يساعدنا «التهجين» أو التعديل الجيني في أزمات الجفاف وندرة المياه التي ستنتج من التغيرات المناخية؟
(تقرير مركز أبحاث الأرز الدولي عن الأرز الهجين)
وفقًا للدراسات، يمكن للتعديل الجيني أن يساهم في خلق أنواع جديدة من المحاصيل قادرة على الصمود في وجه درجات الحرارة المرتفعة، وأكثر قدرة على تحمل الجفاف والفيضانات، وهو ما سيعزز الإنتاجات الزراعية ويوفر إمدادات غذائية أكبر وأكثر استقرارًا، الأمر الذي سيعزز اقتصادات الدول النامية، خاصةً تلك التي يعتمد اقتصادها على الزراعة؛ إذ يضمن التعديل الجيني أو التهجين تأمين الغذاء والدخل.
التعديل الجيني هو شكل أشبه بتربية النباتات، إذ يستخدم العلماء التكنولوجيا الحديثة لإجراء تحسينات على الحمض النووي للنبات، وهو تقنيات يُشهد لها علميًّا بالدقة والكفاءة، وغالبًا ما يجري التعديل الجيني للنبات من خلال استخدام أجيال مختلفة للنوع نفسه، كما حدث في تجربة الصين.
على سبيل المثال، يستخدم التعديل الجيني للحمض النووي للنبات الأم لإحداث تغييرات عبر جينوم النسل، فمن خلال تحديد الجينات المفيدة أو تلك المسببة للمشكلات داخل النبات، مثل الجين الموجود في نبات الأرز الذي يجعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض؛ يمكنك بعد ذلك إجراء التعديل الجيني المطلوب لإلغاء تنشيط هذا الجين المسبب للمشكلات.
نتيجة لذلك، يمكن أن يساعد التعديل الجيني في جعل المحاصيل أكثر مقاومة للآفات والأمراض، ومن ثم زيادة الإنتاج؛ كما أنه من خلال إجراء التعديلات المطلوبة لمقاومة تغير المناخ، تستطيع العديد من الأنواع الصمود في مواجهة الانقراض وفقدان التنوع البيولوجي. ووفقًا لسبعة باحثين في مجال الزراعة والتكنولوجيا الحيوية في ورقة بحثية تشاركوا فيها عام 2019، ونُشر بمجلة «ساينس» العلمية، «ستتمكن التقنيات الجديدة من تربية النباتات، مثل تحرير الجينوم، من المساهمة بشكل كبير في الأمن الغذائي العالمي».
لكن، وبرغم كل هذه الفوائد المحتملة للتعديل الجيني، يشير وثائقي نُشر بمجلة «إيكونوميست» إلى أن كثيرًا من الناس يخشون تناول الطعام المُعدل جينيًّا، ويبتعدون عنه في الأسواق؛ وذلك لأنهم يخشون ظهور وجه آخر للتعديل الجيني، مثل ظهور الأمراض أو تأثيرات بعيدة المدى؛ فهل يجب أن نخشى فعلًا التعديل الجيني للنباتات؟ أم أن الأمر يستحق المغامرة؟
هل علينا أن نخشى «التعديل الجيني» للنباتات؟
تعد تكنولوجيا «التعديل الجيني للنباتات» بحلِّ أزمة الغذاء العالمية ومواجهة تأثيرات نقص الغذاء الناجمة عن التغيرات المناخية وتصحر الأراضي، فهل تستطيع التقنيات الجديدة فعلًا أن تفي بعهدها؟
تقنيات مثل التعديل الجيني ستساعد في المستقبل على علاج الأمراض الوراثية في النباتات وإنتاج محاصيل مقاومة للأمراض؛ كما يمكن من خلالها المساعدة في تكاثر البعوض الخالي من الملاريا، ومن ثم وقاية البشر من بعض الأمراض. رغم ذلك، يجلب التقدم معه بعض المعضلات الأخلاقية والعملية، مثل تعديل الأطفال جينيًّا، وفقًا لما نشرته مجلة «إيكونوميست» في تقريرها الذي يلقي الضوء على مزايا التعديل الجيني وعيوبه.
ففي الاتحاد الأوروبي، يُحظر الطعام المعدل وراثيًّا، ويعرض عنه الناس في الأسواق في أغلب دول العالم؛ كما أن هناك خوفًا أكثر إثارة للجدل بشأن تقنيات التعديل الجيني، وهي مخاوف استخدامه على البشر، وصنع أطفال معدلين جينيًّا؛ وهو ما يجادل فيه وثائقي مجلة «إيكونوميست»، من أن تلك المخاوف المجتمعية قد تقف حائلًا بين الناس والاستفادة مما يمكن أن تصنعه تقنيات التعديل الجيني في العموم، مثل تقنية «كريسبر» التي فازت بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2020.
وهي تقنية تمكن البشر من إعادة كتابة «شفرة الحياة»، كما جاء في كلمة الباحثتين إيمانويل شاربنتلر وجينيفر دودنا أثناء تسلمهن الجائزة؛ إذ تساهم تلك التقنية في إلغاء تنشيط الكثير من الأمراض الوراثية بطريقة أكثر فاعلية من أي وقتٍ مضى؛ مما يجعلها تقنية واعدة جدًّا مستقبلًا، ويشهد لها علميًّا بالدقة والفاعلية، وهو ما قد يحدث ثورة قريبة في عالم الطب، فضلًا عن ثورة الزراعة، إذ لم تذكر الباحثتان أية مخاوف تتعلق بأمراض أو آثار بعيدة المدى لاستخدام التقنية الحديثة.
إيكونوميست»:
في أستراليا، استخدم جايمس ديل أحد علماء النباتات، تقنية «كريسبر» في معالجة أحد الأمراض الشائعة لنبات الموز، والذي عادةً ما تسبب في موت المحصول. جاءت نتائج تجارب ديل مبشرة للغاية؛ مما يجعل تقنية كريسبر وفقًا للباحثين «ورقة رابحة» تغير الطريقة التي لطالما نظروا بها إلى الزراعة التقليدية؛ وهي التقنية ذاتها التي من المرجح أن تنقذ العديد من أنواع النباتات المهددة بالانقراض؛ فضلًا عن إمكانية استخدامها لإنقاذ أنواع الحيوانات أيضًا، مما يعني سيطرة أكبر على الآثار المحتملة لأزمة المناخ، وتحقيق التوازن في الأمن الغذائي.
التقنية قيد التطوير، لكنها تتطور وفقًا للباحثين بوتيرة سريعة، لتصبح أكثر دقة؛ مما يعني أننا في القريب العاجل، سنسمع عن استخدام تقنية «كريسبر» حول العالم لمواجهة أزمات نقص المحاصيل وتصحر الأراضي، الأمر الذي بدأ بالفعل في بلدان مثل الصين، التي استخدمت التهجين لإنقاذ محصول الأرز وزيادة إنتاجه كما أشرنا سابقًا، وصولًا إلى العديد من دول آسيا والأمريكتين.
وعلى الرغم من أن أفريقيا ما زالت خارج هذا السباق، فإن هناك بُلدانًا شرق أوسطية مثل مصر بدأت في اعتماد تقنيات الأرز الهجين، وهو أمر من المرجح أن يشهد توسعًا في العديد من الدول الأفريقية بالمستقبل لمواجهة أزمات الغذاء؛ إذ تتمتع معظم البلدان الأفريقية ببيئة مواتية لإنتاج بذور الأرز المهجنة القابلة للحياة، وهو أمر من شأنه تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز بأفريقيا.
العالم والاقتصاد
منذ 10 شهور «دبلوماسية حقول الأرز».. قصة الأرز الصيني الذي قد ينقذ العالم من أزمة نقص غذاءمشاهدة هل يصبح laquo التعديل الجيني للنباتات raquo طوق نجاة البشر الوحيد من أزمة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل يصبح التعديل الجيني للنباتات طوق نجاة البشر الوحيد من أزمة الغذاء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ساسة بوست ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل يصبح «التعديل الجيني للنباتات» طوق نجاة البشر الوحيد من أزمة الغذاء؟.
في الموقع ايضا :
- سيميوني يتربع على عرش المدربين الأعلى أجرا في العالم للعام الثامن تواليا
- Is time a fundamental part of reality A quiet revolution in physics suggests not
- خبير سياسى: الإخوان يصنعون أزمات افتراضية لتعويض خسارتهم السياسية
